×
×

هل كل المستشرقين ذوو نوايا سيئة؟ 2\2

اختلف الباحثون في تعريف الاستشراق، كما تابعنا في الجزء الأول، لتعدد تحديداتهم لمعنى الشرق أساسا، بيد أنه على نحو عام، يعني دراسة الأخير من حيث ثقافاته وعلومه وسماته الحضارية. هذا الاختلاف، كما رأينا، امتد أيضا إلى تحديد بداية الاستشراق زمانيا ومكانيا.

لكن، ثمة أمور أجمع عليها عموم الباحثين كما سنكتشف ذلك في هذا الجزء، الثاني والأخير، مثل ذلك أهداف الاستشراق وأنواع المستشرقين، ووسائل عملهم.

يرى الباحث محمد فتح الله الزيادي في كتابه “ظاهرة انتشار الإسلام وموقف المستشرقين منها”، أن المستشرقين يمكن وضعهم في ثلاث خانات.

فثمة من كتب عن الشرق مبتعدا عن المنهج العلمي، على نحو ينم عن حقد وكراهية وعداء تشربت إليه بفعل الكنيسة، مثل المستشرق القسيس لامانس الذي عاش بين القرنين 19 و20 للميلاد.

من المستشرقين من دخل هذا المجال بدوافع علمية محضة، ولم يكن يريد من ذلك سوى دراسة التراث العربي والإسلامي، حتى إن البعض منهم قد أسلم نتيجة لإعجابه بهذه الديانة.

هناك بالمقابل من التزم بالعلمية أقصى ما استطاع، وحاول أن يفيد الغرب بما عايشه في الشرق، حتى إن قسما كبيرا من هؤلاء قد أعجب بالإسلام، بالرغم من أنه لم يَسلم من أخطاء في الغالب تنم عن عدم تمكن من اللغة العربية، مثل الكونت هنري دي كاستري الذي كتب نهاية القرن 19 كتاب “الإسلام: سوانح وخواطر”، واعتبره كثيرون كتابا في تمام الحياد.

اقرأ أيضا: “التاريخ الإسلامي لإسبانيا… من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد 1\10”

أما الخانة الثالثة، فينتمي إليها من درسوا الشرق، والإسلام معه، حتى اعتنقوه دينا لهم. مثال ذلك اللورد هيندلي الذي عاش بين القرنين 18 و19، وكان من نبلاء بريطانيا؛ فلما استشرق، اعتنق الإسلام وأصبح اسمه رحمة الله فاروق، بل وترأس الجمعية الإسلامية البريطانية. من أبرز كتبه، “استيقاظ غربي للإسلام” و”رجل من الغرب يعتنق الإسلام”.

أهداف كثيرة، أبرزها دينية وسياسية واقتصادية

تختلف الأهداف التي يروم إليها المستشرقون، باختلاف مآربهم… إجمالا، من هذه الأهداف، الديني والسياسي والاقتصادي وأيضا المعرفي.

يرى الباحث محمود حمدي زقزوق في كتابه “الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري”، أن الهدف الديني كان وراء نشأة الاستشراق ودعم الدراسات الإسلامية والعربية في أوروبا، ويتمثل ذلك في محاربة الإسلام وحماية النصارى منه وأيضا تنصير المسلمين.

أما الهدف الآخر فهو استعماري، فمنذ الحروب الصليبية التي انتهت بهزيمة الغرب آنذاك، لم ييأس الغربيون من العودة إلى احتلال الشرق. وبعد الحرب العالمية الأولى، بدأ المستعمرون يشجعون الدراسات الاستشراقية نظرا لحاجتهم لفهم أوضاع المسلمين، وحتى يتسنى لهم العمل على إضعاف روح المقاومة والوعي التحرري لديهم وتفريقهم وبث الوهن فيهم.

قد لا يكون مفهوم الاستشراق، اليوم، موجودا بالحدة التي كان بها فيما قبل، لكنه بات وفق كثير من الباحثين، يطالعنا بأسماء جديدة، من بينها الدراسات الاجتماعية والدراسات الإقليمية والدراسات العربية.

وإذا كان الاستعمار بمفهومه المتعارف عليه قد انتهى تقريبا، فإنه يطالعنا اليوم الهدف السياسي؛ أي بث الاتجاهات والرؤى السياسية في دول الشرق، حسبما توده دول الغرب، من خلال رجال الثقافة والفكر والسياسة؛ ولعل ذلك قد نتج عنه اليوم وفيما مضى تغيير في الحكومات أو تغييرات في بناء هياكل الدول.

اقرأ أيضا: “حزن الظن: استعمال اللغات الأجنبية… صراع أم فرص؟”

أما الهدف الاقتصادي، فقد يكون واضحا، فمنذ زمن كان الغرب مهتما بتوسيع تجارته مع الشرق للحصول على بعض المواد الأولية مثل النفط، ودراسته لشعوب الشرق إنما كانت لمعرفة التعامل معهم كأسواق استهلاكية لمنتجاتهم.

وأخيرا، يأتي الهدف المعرفي، فمن المستشرقين من دخل هذا المجال بدوافع علمية محضة، ولم يكن يريد من ذلك سوى دراسة التراث العربي والإسلامي، حتى إن البعض منهم قد أسلم نتيجة لإعجابه بهذه الديانة التي يدين السواد الأعظم من الشرق بها، كما رأينا سابقا.

لكل علم وسائله

لا تظل النتائج التي يصل إليها المستشرقون حبيسة لما طالع أبصارهم وركن في عقولهم، إنما كانت ولا زالت لديهم الكثير من الوسائل التي يمكن أن يبرزوا من خلالها مجموع ملاحظاتهم عن الشرق.

من بين ذلك، تأليف الكتب باللغة العربية. ولا شك أن إلمامهم البسيط بهذه اللغة قد أوقعهم في مغبة بعض الأخطاء حسب بعض الباحثين، بخاصة وأنهم قد خاضوا في مواضيع حساسة بالنسبة للشرق مثل القرآن والحديث النبوي.

اقرأ أيضا: “الفرنسية والإنجليزية في التعليم المغربي: هيمنة اللغة… لغة الهيمنة؟”

من ذلك أيضا، إصدار مجلات علمية يعهد إليها بنشر الدراسات المنجزة عن الشرق، ومن أشهرها مجلة الجمعية الآسيوية الملكية بلندن، ومجلة الجمعية الشرقية الأمريكية. كما قام المستشرقون بإلقاء محاضرات عدة في الجامعات العربية، وحازوا عضويات في المجامع والمؤسسات العلمية ذات الباع في البلدان العربية، إلى ذلك من الوسائل.

اليوم قد لا يكون مفهوم الاستشراق، موجودا بالحدة التي كان بها فيما قبل، لكنه بات وفق كثير من الباحثين، يطالعنا بأسماء جديدة، من بينها الدراسات الاجتماعية والدراسات الإقليمية والدراسات العربية.

لقراءة الجزء الأول: ماذا تعرف عن الاستشراق؟ الوجه الآخر للغزو الغربي للشرق… 1\2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *