×
×

الفشل في استثمار رمزية ثورة المليون شهيد و “الدولة الوطنية” ورموزها. في خطأ قتل “العسكر” لرمزية عبد العزيز بوتفليقة.

دفع السيد عبد العزيز بوتفليقة دفعا لإعادة الترشح للمرة الخامسة لن تكون أبدا حلا ولن تنجح ربما حتى في “تأجيل” مشكلة السلطة في الجزائر، ولكنها بدون شك ستساعد على تطور واقعيين سياسيين.
الواقع الأول، يرتبط بتبدد رمزية الثورة الجزائرية وتبدد الدولة الوطنية، فيما يرتبط الثاني، بإعادة تجدد المواجهة بين العسكر والتيار الإسلامي كما حدث في التسعينيات.

لا أطمئن أبدا للتفسيرات السطحية والإنطباعية حول الأحداث وأعتبر عدم النفوذ إلى كنه الأحداث مجرد كتابة نفسية أكثر منها تمرينا وعصفا ذهنيا متعبا.

في موضوع احتجاج الجزائريين والجزائريات ضد ما سموه بالعهدة الخامسة، يستحسن الوقوف عند الأخطاء الكبرى التي وقع فيها العقل السياسي الجزائري بغية استثمارها لربح التدافعات القائمة والمقبلة خصوصا.

قد نقول منذ البداية إن الدولة الجزائرية تفرط اليوم في رأسمال لامادي تاريخي، سيضع السياسة الجزائرية في عراء قاس…

فكرة الدولة الوطنية التي كانت مطلبا حيويا لجيل الوطنيين، لم ولن تكون مجرد فكرة أو مطلب سياسي محصور في الزمان والمكان.

رغم أن ذاكرة وتقدير الكثيرين، كانا دوما قاصرين في فهم أهمية الفكرة ورمزية شخوصها، فقد أكدت الأحداث المتوالية، أن هذه الفكرة وعناصرها تشكل رأسمالا رمزيا تمتح منه الأنظمة القائمة في كل مرة حلولا لحاضرها ولمنعطفاته الحساسة والصعبة.

إن هذا الداخل الجزائري لايهم الجزائر لوحدها وهو يعني المغرب كثيرا، ورغم أن المغرب يسلك تمرينا خاصا به في التعامل مع رأسمال الثورة المغربية ومع فكرة الدولة الوطنية ورموزها، ويتفاعل مع واقعه بتجريب كبير بغير قليل من الخطأ، وبغير كثير من الصواب فإنه معني بالاستفادة من خلاصات مأزق الحاكمين بالجزائر، اليوم، ومطالب بتدبير عناصر تاريخه بمزيد من التدقيق والاستباق والاستشراف.

لقد كنا نقول دائما إن الحزب السياسي، كيفما كانت مرجعيته، ليس مجرد تجمع للأفراد تجمعهم فكرة مرجعية.

لقد كنا نرفض دائما هذا التعريف الموروث عن تعريف علم السياسة كما صاغه دوفرجيس وآخرون، لأنه يختزل الحزب والفعل السياسي في مجرد وظيفة تقنية تشجع على “التقنوية” ولا تشجع على “السياسة”.

إننا نعتبر التشجيع على هذا التعريف للسياسة، تشجيعا “تقنويا” لا يستبق المخاطر ولا يستبق التحولات ويخضع لضغط المصالح اللحظية والتوازنات السياسية.

من دون شك، فما سمي بالحزب الوطني في تونس ومصر والسودان، والأحزاب التي تشرف عليها الإدارة مباشرة، كما حدث في المغرب وموريتانيا وغيرهما، يشكل واحدا من هذه التفسيرات “التقنوية” لطبيعة ووظيفة الحزب.

إقرأ أيضا: من تونس، رحمة خميسي تكتب – ياسمينة خضرا: بين بطش السّلاح وسحر القلم، يولد الإبداع

عيب هذه الأحزاب، هو واقع حداثتها وعدم توفر رصيد من الخبرات والتجارب والعلاقات التاريخية، مما يجعلها في حالة “تجريب” مستمرة لتشكيل “مواقف” وتكوين “خصوصية” و”وزن تاريخي وسياسي” قد يساعد وظيفة الدولة في تحقيق وظيفتها الأولى والرئيسية في “حفظ النظام العام”.

ما يعطي لفكرة الدولة الوطنية والتي استمرت فكرة وشخوصا وإطارات سياسية رغم التشوه الذي قد يكون مس حامليها، هو هذا الامتياز الذي يتفق عليه بعبارة “التراكمات التاريخية” التي تفتقدها بدون شك الأحزاب الحديثة.

إن هذه التراكمات هي الروح الحية التي توفر للفعل السياسي المعاصر مزيدا من القدرة الفكرية على فهم ما يجري وما يعتمل اجتماعيا وسياسيا. فهو يتجاوز مجرد ذاكرة وطنية إلى أجوبة تاريخية لمنعطفات وأحداث تتكرر بصيغ جديدة.

الظاهر أن ما يعطي لهذه الفكرة وورثتها مزيدا من الشرعية السياسية والتاريخية، هو عدم النجاح في تحقيق الديمقراطية والاستمرار في انتقال ديمقراطي طويل دون أرضية دقيقة ودون أفق مضمون.

وهو الوضع الذي ينتج باستمرار نفس ردود الفعل ونفس الرفض ونفس المطالب التي تختزلها عبارات حرية-كرامة-عدالة وبعبارة أشمل الديمقراطية.

في الجزائر اليوم، يقع تبديد كبير لصمام أمان سياسي إسمه جبهة التحرير الجزائرية وأحد رموزها التاريخية اسمه عبد العزيز بوتفليقة .

إقرأ أيضا: من تونس، جيهان الزمزمي تكتب: تونس بعد الثورة، الخطاب السياسي والهوية

الغالب أن حسابات سياسية عميقة محكومة بتدافع رهيب حول توازن القوى ربما داخل الجيش قبل المؤسسات المدنية، هي التي أرغمت المتدافعين على توريط بوتفليقة والدولة الوطنية.

الثورة والتحرير بالنسبة للدول ليست مجرد فعل انتهى في الزمن، ولكنه ترياق تاريخي وسياسي، وهو ثروة وطنية يمكنها أن تسند المشاريع الكبرى التي تقودها الأنظمة الحاكمة.

في حالة الجزائر، كما في حالة المغرب، يمكن أن يهيء مكسب الثورة حافزا نفسيا لاستثمار أمثل لثروات الغاز والنفط والفوسفاط لبناء مشروع وطني واعد ومتيقن.

إن وضعية دفع السيد عبد العزيز بوتفليقة دفعا لإعادة الترشح للمرة الخامسة لن تكون أبدا حلا ولن تنجح ربما حتى في “تأجيل” مشكلة السلطة في الجزائر، ولكنها بدون شك ستساعد على تطور واقعيين سياسيين.

أول المسؤوليات تتحملها الأنظمة نفسها التي يمكن أن تتقدم أكثر نحو الديمقراطية وعلى التشجيع عليها، بإفراز نخب وطنية أكثر تمثلا للتاريخ واشتباكا بالواقع وفهما لتحولاته.

الأول يرتبط بتبدد رمزية الثورة الجزائرية وتبدد الدولة الوطنية، مما سيوسع حجم عدم ثقة الجزائريين في مستقبل الجزائر.

إن هذا وضع يتفاداه الحاكمون الفعليون في الجزائر عبر الاستنجاد بالرمز التاريخي بوتفليقة رغم مشاكله الصحية وفرض ترشيحه وإعدام كل الخيارات الأخرى حتى من داخل مربع الحكم نفسه.

وهي الخطوة التي بقدر ما تؤجل الانفجار فهي من دون شك تدفع إليه دفعا وتمثل مليونيات الخميس جوابا وتأكيدا في نفس الوقت لهذه النتيجة غير المرغوبة.

إقرأ أيضا: المساواة في الإرث: الثورة التونسية؟

كما يظهر أن تهديد رئيس أركان الجيش الجنرال القوي صالح قايدي باللجوء للعنف يؤكد هذا التورط الذي يزيد من إضعاف رمزية الثورة ورموزها وعلى رأسهم بوتفليقة.

الواقع الثاني الذي يرتبه تبديد رمزية الثورة والدولة الوطنية هو إعادة تجدد المواجهة بين العسكر والتيار الإسلامي كما حدث في التسعينيات مع جبهة الإنقاذ الجزائرية، والذي نتجت عنه خسائر بشرية وسياسية ومالية كبيرة ومهولة تضررت منها الجزائر وشعبها.

إن هذا الداخل الجزائري لايهم الجزائر لوحدها وهو يعني المغرب كثيرا، ورغم أن المغرب يسلك تمرينا خاصا به في التعامل مع رأسمال الثورة المغربية ومع فكرة الدولة الوطنية ورموزها، ويتفاعل مع واقعه بتجريب كبير بغير قليل من الخطأ، وبغير كثير من الصواب، فإنه معني بالاستفادة من خلاصات مأزق الحاكمين بالجزائر، اليوم، ومطالب بتدبير عناصر تاريخه بمزيد من التدقيق والاستباق والاستشراف.

ثلاث مسؤوليات كبرى تترتب عن هذا الوضع:

أول المسؤوليات تتحملها الأنظمة نفسها التي يمكن أن تتقدم أكثر نحو الديمقراطية وعلى التشجيع عليها، بإفراز نخب وطنية أكثر تمثلا للتاريخ واشتباكا بالواقع وفهما لتحولاته.

المسؤولية الثانية تهم عمليا من يحسبون أنهم امتداد لفكرة الدولة الوطنية، إذ عدم دمقرطتهم للممارسة الداخلية يزيد من تبديد رأسمال الوطنية والثورة.

المسؤولية الثالثة تهم المثقفين والوطنيين الذين يطالبون بلعب دور أكبر في تأمين هذا الرأسمال الرمزي من التبدد

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *