×
×

من تونس، رحمة خميسي تكتب – ياسمينة خضرا: بين بطش السّلاح وسحر القلم، يولد الإبداع

بعد مضي إحدى عشرة سنة، كشف الكاتب الجزائري “ياسمينة خضرا” عن هويته الحقيقية، حيث أعلن أنه كاتب رجل وليس امرأة، واسمه الحقيقي هو “محمد مولسهول”. لم يرغب “ياسمينة” أن يبقى …

بعد مضي إحدى عشرة سنة، كشف الكاتب الجزائري “ياسمينة خضرا” عن هويته الحقيقية، حيث أعلن أنه كاتب رجل وليس امرأة، واسمه الحقيقي هو “محمد مولسهول”.

لم يرغب “ياسمينة” أن يبقى قدره محكوما بالتخفي، فأصدر كتابا تحت عنوان “الكاتب”، تحدث فيه بإطناب عن سيرته الذاتية وغاص عميقا في تفاصيل حياته.

“ياسمينة” هو الحالم منذ أن بدأ الوعي يتسرب إلى ذهنه بأن يصير كاتبا، بيد أن رغبة والده الجامحة في أن يغدو ابنه ضابطا في الجيش هي التي تفوقت.

لم يقف الكاتب عند هذا الحدّ، بل فجرّ في وجه قرّائه ومتابعيه مفاجأة ثانية مفادها أنه ضابط سابق في الجيش الجزائري، خلال فترة ما يعرف ب”العشرية الحمراء”، أي فترة الصراع المحموم بين الجيش والجماعات المسلحة.

في هذا الصدد، أصدر أيضا مؤلفا أخر أسماه “دجل الكلمات”، حكى فيه عن مسيرته المهنية المغلفة بمآسي و قسوة الحروب التي خاضها ضد “الإرهاب”، باحثا فيه عن تضميد جروح الحرب والاقتتال الطائفي من جهة، وتكميم أفواه النقاد الفرنسيين الذين وجهوا تهما للجيش الجزائري بتورطه في قتل الأبرياء وترويعهم من جهة أخرى، لاسيّما مع صدور كتب في تلك الفترة تدين الجيش، منها “الحرب القذرة” و “من قتل في بني طلحة”.

اقرأ لنفس الكاتبة: حكم الاختلاف في المجتمع التونسي

“ياسمينة” هو الحالم منذ أن بدأ الوعي يتسرب إلى ذهنه بأن يصير كاتبا، بيد أن رغبة والده الجامحة في أن يغدو ابنه ضابطا في الجيش هي التي تفوقت. ولكنّ ذلك لم يثن كاتبنا عن تحقيق حلمه حتى لو كلفه الأمر حياته، فهو الذي كان يعاقر الكتابة ليلا كمن يعاقر الخمر خلسة. بل كان يجد في ذلك لذة لا توصف.

“ياسمينة خضرا” سيظل كاتب الحب والحرب وستبقى رواياته تُرسخ في أذهان قرائها موهبة كاتب لم يثنِه حمله للسلاح عن الغوص في عوالم لذّة الكتابة ومتعتها

أصبحت الكتابة بالنسبة لـ”ياسمينة خضرا” هي النبض الذي عدل عليه إيقاع حياته، فهو ومن دون شك كاتب لا يشق له غبار. ذلك ما لا تنفك رواياته عن البوح لنا به. يتفرد بالأسلوب الشائق في الكتابة و الطرافة في طرح القضايا، وهو ما يفتقده أترابه في الأدب الجزائري والفرنسي.

“ياسمينة” كاتب الحب والحرب. رواياته وكتاباته هي التي تتحدث عنه وليس العكس. مثلما كتب عن الحب، كتب أيضا عن الموضوعات الجدلية كالعنف والإرهاب، والجماعات المتطرفة التي انخرط في الحرب ضدها، فضلا عن الحديث على مآسي التشرد واليتم والانتحار وصراع الحضارات.

أحيانا، يعمد إلى المزج بين أقاصيص الحب والحرب بأسلوب يداعب عقل القارئ ويجعله يلتهم الأسطر بشغف مثلما حدث معي أثناء قراءتي لرواية “ما يدين به النهار لليل”. وغيرها من العناوين التي تعكس قدرته على وثق رباط القارئ إلى روايته حتى آخر سطر منها.

ويسعنا الحين أن نشفي غليلكم بالبوح عن سر اختياره التخفي وراء اسم امرأة واختيار “ياسمينة” دون غيره. كيف لا، وهو اسم زوجته “يامينة خضرا” مع إضافة حرف السين باقتراح من ناشر فرنسي ليستقر الأمر على اسم “ياسمينة”.

المرأة التي ألهمته وكانت قارئته الوحيدة في أحلك السنوات التي مرّت عليه، بل كان يستمد منها قوته وطموحه الذي يسعى إلى تحقيقه بكل ما أوتي من صبر. فهي لم تكن مجرد امرأة في حياته، بل كان لها فضل فيما هو عليه الآن، حيث كان يضع بين أيديها كل ما يكتبه، يحذف ما لا يرضيها ويضيف ما يستثير إعجابها. كيف لا يختار اسمها وهي التي قالت له حينها “أعطيتني اسمك مدى الحياة وأنا أعطيك اسمي للخلود”؟

في نهاية المطاف، يصر عليّ القلم أن أكتب أنّ “ياسمينة خضرا” سيظل كاتب الحب والحرب وستبقى رواياته تُرسخ في أذهان قرائها موهبة كاتب لم يثنِه حمله للسلاح عن الغوص في عوالم لذّة الكتابة ومتعتها.

بين السلاح الذي حمله على ظهره والقلم الذي يمسك به في يده، سيسجل التاريخ الأدبي اسم كاتب فذّ صنع مجده بنفسه من العدم.

اقرأ أيضا: من نيويورك، هشام الرميلي يكتب: هكذا أنقذني الشعر والحب!

 

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *