×
×

جريمة إمليل: الإرهاب… من هنا يبدأ!

ها هي فتن الشرق البائس وغرابيبه السود تنعق على عتبات بلدتنا الآمنة في مغارتها السرمدية… مراكش الألوان والأعراق والأعين السوداء والخضراء… دورها الحمراء وأسوارها العتيقة ومدابغ الجلود… من لا يعشق …

ها هي فتن الشرق البائس وغرابيبه السود تنعق على عتبات بلدتنا الآمنة في مغارتها السرمدية… مراكش الألوان والأعراق والأعين السوداء والخضراء… دورها الحمراء وأسوارها العتيقة ومدابغ الجلود… من لا يعشق الحمراء؟

ترانيم الأهازيج السارية بين الحلق الشعبية تدور عليها ألسِنة القصاصين في متاهات ألف ليلة وليلة… والحواة البارعون بألف قرد وحيّة، وألف نكتة ونكتة.. من لا يعشق مراكش؟

تختلف في أزقتها الضيقة المتداخلة أقدام سياح حالمين من أقاصي البلاد، باحثين فيها عن جواهر الأساطير، وخرافات المنجمين، وبطاقات بريد.. السلام السلام يا مدينة البهجة!

 أمست الصورة ملطخة، متناهية البشاعة..!!.

قضيت ليلتي منخوب الفؤاد، تغلف عينيّ دموع متجمدة في مآقيها..

المشهد في غاية البشاعة يا سادة، في غاية  الوحشية والترويع والدمار الإنساني.

إذا كان مِن درس ينبغي استخلاصه، ولابد من استخلاصه، فهو أن هناك خللا جوهريا في نجاعة إدارة الحقل الديني وسياسة تكوين الأئمة والمرشدين الذين فشلوا في تحصين دور العبادة من خطاب التطرّف والارهاب.

فلتفتح لي هذه المرايا اليوم صفحاتها لأزفر هذه الزفرات التي لم أستطع كتم وجيعها الجاثم على نفسي طيلة الليلة السوداء، لا أجد الكلمات… محطوم القلب ممزق النفس!

مريع هو القتل..!!

اقرأ أيضا: إيريك رودولف: إرهابي… باسم الرب

“عندما ينام العقل تستيقظ الوحوش”، يقول غويا. وحوش الجهل لم تتعب قط عن مداهمة أحلامنا ومطاردة طموحاتنا الصغيرة في دروب الحياة القصيرة. هاهي تستيقظ جائعة تنقع غلتها من دماء الأبرياء، تقطع  رؤوس سياحنا الحالمين بقمم جبال الأطلس، وتحرمهم من قضاء ليلة الميلاد بين ذويهم وأحبابهم. ضيوف البلد الكريم المضياف. قشعريرة تسري في البدن.

من غيّر طباعنا؟ أهؤلاء مغاربة؟ أي وحوش ضواري غلاظ الأكباد؟ متى كان المغربي ذباحا سفاحا يحز البلعوم ويستمتع بأنين الروح الضعيفة تستغيث؟ لا !! لسنا بلاد الظلام والشتات التي تبرق فيها سيوف الإرهاب متى شاءت وكيف شاءت. لكنهم مغاربة، يمشون في أسواقنا ويلهون في مرابعنا ويسهرون في نوادينا… فأين الخلل؟

إذا كان مِن درس ينبغي استخلاصه، ولابد من استخلاصه، فهو أن هناك خللا جوهريا في نجاعة إدارة الحقل الديني وسياسة تكوين الأئمة والمرشدين الذين فشلوا في تحصين دور العبادة من خطاب التطرّف والارهاب.

لا زلنا نسمع ونرى المنابر تطفح بتلقين الكراهية والتحريض ضد مظاهر التعددية والاختلاف في المجتمع، فهي لازالت عاجزة عن تبني رؤية تنأى بالدِّين عن مخالطة السياسة والشأن العام، والتركيز على تزكية الروح وقيم التسامح وفضائل الأخلاق.

المقاربة الأمنية لا تكفي وحدها. لا يعقل أن يلقى الحمل كله على كاهل الأمنيين. الأجنحة التي تقص ولا تستأصل تعود فتنبت أصلب عودا وأوفر ريشا. لابد أن يساير الإجراء الأمني مقاربة تربوية وثقافية تنويرية شاملة، تبدأ بإثارة الوعي -من سن الطفولة- بالطبيعة التعددية للعالم المعاصر الذي نعيش فيه، وروحه العلمية التي لا تأخذ الحقائق إلا بأدلتها العقلية وتأبى منطق اليقينيات المطلقة؛ وأن لا تنتهي تلك العملية إلا مع انطفاء شعلة الحياة، فتظل قنوات الثقافة والتنوير ترافق المواطن وتصاحبه وتحيط به وتحميه من فخاخ الجهل المقدس.

اقرأ أيضا: الحريديم، الأكثر التزاما بالديانة اليهودية والأكثر تشددا على النساء. “طالبان” اليهود؟

وليس في هذا المعنى أصدق من كلمة “روسو” : “إن إيماننا بالله وولاءنا للإنسانية هما اللذان يثيران في طبيعتنا الخيّرة أعمق الحوافز لنجعل من الحيوان البليد المسخر إنساناً بشريا نابهاً”.

لا مناص من تجفيف صارم لمنابع التطرّف والإرهاب في كل معاقله وحصونه، وتجريده من كل أسانيده ومسوغاته. بين خطباء المساجد الذين لا يلتزمون بمقررات وتوجيهات الوزارة المعنية على علاتها، في مناهج التربية والتعليم الملغومة، وبين الدعايات الفاشستية السارية في الجامعات، و التي تذيعها جهات متطرفة متسلطة على اتحادات الطلبة.

في الخطاب التبشيري الإقصائي المتفشي في ندوات ومحاضرات الحركات الإسلامية، خطاب القرون الوسطى الذي يدعو إلى الكراهية وسل السخائم وتكريس العزلة الاجتماعية. في المواقع المتطرفة المنتشرة كالفطر، الدؤوبة في تفريخ مقالات الإرهاب وفتاوى خصاء العقل والتخلف والرجعية، في نوادي دعاة الجهل والرعونة الذين يقصدون بلادنا في مواسم الحصاد ليبشروا بأخلاق وعادات مجتمعات الصحراء والبداوة.

لابد أيضاً من تجنيد الإعلام لبث رسالة حقوق الانسان في شموليتها، دعوة السلام والمحبة وقبول الاختلاف، في مجتمع يرحب بالتعددية والتنوع، ويرفض الشمولية والفكر الكلياني. لابد من دعم مكثف ومتواصل لميادين الثقافة والفكر والفن والمسرح والأعمال السينمائية، فهي أقرب الطرق لتحقيق وثبة اللحاق بركب الحضارة الذي يزداد بعدا، وهي أنجع السبل لتليين النفس من توحشها، وتمدين الطبع من بداوته، وتنوير العقل من جهالاته المتراكمة.

اقرأ أيضا: على هامش التفجير الإرهابي بتونس: هكذا تستقطب التنظيمات المتطرفة الانتحاريين عبر الشبكة العنكبوتية

 الخطاب الذي يصدر عن أفضلية ويقينية واستعلاء، لا ينتج إلا صورا لامتناهية من العنف ضد الإرادات الحرة والعمل على إقصاءها وإفناء بذرتها من الوجود، ومصادرة حق الانسان في التفكير الحر الذي لا يعترف بالقيود، والتعبير عن ثمرات عقلانيته من النقد والنظر، وما اطمأن له ضميره في الرأي والاعتقاد.

الخطاب الذي يحرص على تلقين حوارييه أن العلماني كافر مرتد، والمسيحي ذمي ناقص الأهلية، واليهودي لا عهد له، والبوذي عابد وثن مباح الدم والعرض والمال، والمخالف في الرأي أو المذهب مهرطق ساقط المروءة، والمرأة السافرة عاهرة ساقطة الكرامة، والخارج عن النمط السائد ضالٌّ مفتون، والنظريات العلمية غير المتوافقة مع السرديات التراثية إلحادٌ وتآمر؛ فلا ينتظر منه أن ينتج فردا سويا في مجتمعه، متوازنا في علاقته مع الآخرين، منفتحا سموحا في سلوكه ومعاملاته مع الغير الذين لا ينتمون إلى ملته أو طائفته أو ثقافته أو وجهة نظره…

المقاربة الأمنية لا تكفي وحدها. الأجنحة التي تقص ولا تستأصل تعود فتنبت أصلب عودا وأوفر ريشا

لا يمكن للشباب الذين يقصفون بهذا الخطاب أن يكظموا القذائف الخطرة التي يحشى بها وجدانهم، ويتحكموا في القلق المزمن الذي يشحنون به في جلسات اللاهوت المقدسة في حضرة الكلمات العلوية الأزلية.

ندرك جيدا أن الصعود التدريجي لنجم تيار إيديولوجي منذ السبعينات من القرن الماضي يتبنى هذا النوع من الفكر الفاشستي ويتفاخر به، بل ويعتبره نقطة قوته وجماهيريته، وجوهرة التاج في مجمل أعماله الدعائية وأنشطته التبشيرية. هذا الصعود هو الذي ينتج الإرهاب باستمرار وإصرار، ثم يتنكر لنتائجه بعدما يتفوق التلميذ على أستاذه، و تفوق الأعمال الوحشية توقعات المنظرين والملقنين في معابد التحريض ومحاضن الإجرام الروحي.

نتطلع أن يكون الرد شاملا صارما وفعالا لا جمجمة فيه، بحجم بشاعة الجريمة المتناهية في الوحشية… وإلا، فقد وقّعنا على وثيقة عبوديتنا، وأتحنا للظلام فرصة وضعنا تحت وصايته.

اقرأ أيضا: داعش المسيحية

تعليقات

  1. هل متاكدة من طرحك؟

    في نفس الأسبوع قتلت بوحشية معلمة إسبانية على يد ارهابي إسباني خمسيني في بلدة وهي تُمارس رياضة المشي باسبانيا…، هل لا زلت متاكدة من طرحك؟….. كفى ركوبا على الأحداث المؤلمة لتحقيق مآرب بوسائل دنيئة….الاٍرهاب لا دين ولا وطن له، وهاته الطروحات اقصائية ولا تنهج سياسة الاحتواء للمهمّشين والمقصيين في المجتمع من الانتاج المجتمعي والفاعلية المجتمعية….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *