×
×

سانو في بلاد الغال

وسيم جدا، من ذلك النوع الذي لا تعبره كراما نظرات أشد الحسناوات تيها وكبرا. أسمر البشرة، ذلك السمار اللامع كالبرونز صيفا والدافئ شتاء. ليس بالطويل رغم ذلك. ضحكته أيضاً لها …

وسيم جدا، من ذلك النوع الذي لا تعبره كراما نظرات أشد الحسناوات تيها وكبرا. أسمر البشرة، ذلك السمار اللامع كالبرونز صيفا والدافئ شتاء. ليس بالطويل رغم ذلك. ضحكته أيضاً لها جاذبية وفرادة. خال على خده الأيسر يزيده ملاحة.

لشدة حسنه وروعة ديباجته، كان كثير من الخلق يشتبهون في كونه مثليا!!! خجول،  يتوتر في الأماكن العامة والمزدحمة وفِي كل الأحوال التي يضحي فيها محط الأنظار…

يعلم أن هذا الخجل البغيض يؤرقه ويجعله أحيانا يلغي كثيرا من المواعيد ويتهمّم من دخول الإدارات وقاعات الانتظار والاختلاف إلى الأسواق.. يشعر بالعالم كله وقد تحول إلى عين كبيرة فاحصة.

كان إذا أثقل في الشرب، خرج معربدا إلى بوابة المرقص وألقى خطبة دينية يقلد فيها طريقة فارس المنابر “كشك”، ويبدؤها بلازمة “ثم أما بعد، فيا حماة الإسلام وحراس العقيدة” !!!

لكنه يحاول جهده التغلب على خجله المرضي وقهره بشتى الوسائل التي تعزز الثقة الذاتية. يراجع المواقع التي تقوي الشخصية عل الأنترنت ويستمع لنصائح الخبراء النفسيين ويبحث عن الإرشادات التي تعتني بلغة الجسد… لكنه، مع ذلك، ليس ضعيف الشخصية. عندما يندمج ويطبع العلاقات مع من حوله ويكون شبكة أصدقاء، يفرض رأيه ويجادل عن توجهاته ويحسن الجدل بفنون القول وواسع الاطلاع…

اقرأ لنفس الكاتب: جريمة إمليل: الإرهاب… من هنا يبدأ!

إنه شاب مخضرم الطباع تولع بقراءة عيون الأدب العربي العلماني، طالع البيان والتبيين والحيوان للجاحظ في سن مبكرة، وقرأ لإخوان الصفا والمعري والشعراء الصعاليك. تاه في معارك القديم والجديد بين الرافعي وطه حسين، ثم وجد نفسه يوماً يتأمل غروب الشمس في الأفق من فوق هضبة بإحدى قرى بريطانيا النائية من منطقة ويلز تدعى برود هايفن… هكذا هو سحر القدر.

كان سانو يرى أن هذه الحزازات توجد في كل مكان بين أبناء البلد الواحد من ذوي الأثنيات واللغات المختلفة، مثل الكليشهات بين العرب والأمازيغ أو الأكراد والأتراك.

كان يعمل في أحد مطاعم الكباب التي يملكها بعض الأتراك في توصيل الطلبات للمنازل. رغم أنه لم يمض في تلك البلدة التي قدم إليها من إحدى دول الجنوب البعيدة سوى بضعة شهور؛ فقد أمسى خبيرا بأدق تفاصيلها؛ طرقاتها الوعرة وأزقتها الغامضة، منحدراتها ومصاعدها، والعناوين الخافية التي يجهلها أكثر سائقي الطاكسيات خبرة ودراية… ياله من فتى، سانو.

أحد أصدقائه كان يلقبه خفير العلب الليلية، وما ذلك إلا لكلفه بحياة الليل. كان إذا أثقل في الشرب، خرج معربدا إلى بوابة المرقص وألقى خطبة دينية يقلد فيها طريقة فارس المنابر “كشك”، ويبدؤها بلازمة “ثم أما بعد، فيا حماة الإسلام وحراس العقيدة” !!!

اقرأ أيضا: المثلية الجنسية كموضوع للتفكير: مرض أو جريمة؟!

طبعا، لم يكن أحد ليأبه له وهو ينوح بصوت عالٍ مبحوح أمام البوابة الممتلئة بالشكاوى والشراب والملاح اللواتي امتلأت رؤوسهن بالجعة فسعرت فيهن نار الشهوة، كان يسمع الناس هناك يقولون إن الشراب يخفف الرغبة الجنسية عند الرجل، بينما يهيجها عند النساء.

لشدة حسنه وروعة ديباجته، كان كثير من الخلق يشتبهون في كونه مثليا!!! خجول،  يتوتر في الأماكن العامة والمزدحمة وفِي كل الأحوال التي يضحي فيها محط الأنظار

في تلك القرية الضائعة بين جلال الطبيعة البريطانية النائمة في حضن المروج الخضراء والمياه الجارية التي تسافر في مجرى الوادي الذي يخترق البلدة منذ آلاف السنين، أول ما سمعه عن وطنه كان على لسان صاحب تاكسي، سأله من أين؟ قال “المغرب”. هتف السائق بحماس “ساييد أويتا” !!…

لا أخبركم عن شعور سانو حينها، إذ قفزت إلى ذهنه ذكرى غير محببة عن قطار عويطة البرتقالي المتهرئ وشجار صاخب مع كونترلور غليظ اللسان انتهى بالصفع واللطم. في نفس الوقت شعر بشيء من الفخر. من ذا الذي لا يعتز بسعيد الأسطوري، محطم الأرقام القياسية الذي رفع الراية مراراً في المحافل العالمية؟

ضغائن التاريخ القديمة هناك ليست سوى فولكلورا يجد تعبيراته في لعبة الروغبي أثناء بطولة الأمم الستة. هناك فقط تتفاخر الأمم وتشن حروبها وأمجاد أجدادها وتفرغ شحنات من أهازيجها القومية حول مربع أخضر مستطيل، وينتهي كل شيء مع انتهاء اللعبة

أما عن ويلز، فقد قال له أحد شيوخها الوطنيين إنها أقدم تاريخا من إنجلترا، ولا أدل على ذلك من قصورها وحصونها وكنائسها المتناثرة في كل صقع، وقال له أيضا “عندما تقول ويلز، تقول الماء”، فحيثما وليت تجد الأنهار والوديان تخترق سهولها والجداول والسواقي تجري بين دورها. قال له إن الإنجليز يسموننا sheep-shaggers  أي مضاجعي الغنم، ونحن عندما نتعدى إلى حدودهم، نوقف السيارة ونبول على الأرض…

اقرأ أيضا: العرب من وجهة نظر يابانية: مرآة جديدة…

كان سانو يرى أن هذه الحزازات توجد في كل مكان بين أبناء البلد الواحد من ذوي الأثنيات واللغات المختلفة، مثل الكليشهات بين العرب والأمازيغ أو الأكراد والأتراك. لكنها في أوروبا المتمدنة، لا تجاوز عادةً سقف الدعابة والتفكه التي فقدت روح العصبية الصرفة والاحتراب العرقي.

ضغائن التاريخ القديمة هناك ليست سوى فولكلورا يجد تعبيراته في لعبة الروغبي أثناء بطولة الأمم الستة. هناك فقط تتفاخر الأمم وتشن حروبها وأمجاد أجدادها وتفرغ شحنات من أهازيجها القومية حول مربع أخضر مستطيل، وينتهي كل شيء مع انتهاء اللعبة.

أما اللغة، فالحق أن الانجليزية طاغية في ويلز، دون أن يحرم الأطفال من تعلم لغتهم الأم، رغم أن الإنجليز في أوائل القرن الماضي كان يفرضون سياسات تمييزية للتضييق على اللغة الويلزية، وكان شعار المدارس الذي فرضته آنذاك حكومة صاحبة الجلالة هو “لا للويلزية”. لكن، من يقف أمام جبروت لغة شكسبير التي صارت لغة التواصل العالمي، وأمم في أقصى جنوب آسيا تتخذها لغة العلم والسياسة والأدب والتداول التجاري؟

اقرأ أيضا: هل هي نهاية “فحص العذرية”؟ أطباء مغاربة يمتنعون عن منح شهادة العذرية ويدعون إلى مقاطعتها 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *