بول باسكون… الابن العاق للسوسيولوجيا الكولونيالية في المغرب - Marayana - مرايانا
×
×

بول باسكون… الابن العاق للسوسيولوجيا الكولونيالية في المغرب

على قصر حياته، ثمة إجماع على أن بول باسكون، السوسيولوجي الفرنسي/المغربي، واحد من أهم علماء الاجتماع الذين طوروا البحث السوسيولوجي حول المجتمع المغربي في الفترة ما بين ستينيات وثمانينيات القرن الذي مضى، بخاصة في السوسيولوجيا القروية.

في هذا البورتريه، نتعرف على بول باسكون، الباحث الذي وصفه البعض بالابن العاق للسوسيولوجيا الكولونيالية.

يول باسكون

ولد بول باسكون لأبوين فرنسيين في الـ13 من أبريل 1932 بقرية الضويات قرب مدينة فاس. كان والده مهندسا بالأشغال العمومية، عرف عنه الاهتمام بالعالم القروي والعداء الكبير تجاه نظام فيشي[1].

فاتورة هذا العداء سيسددها الابن بول حين حرم من والديه معا، بعدما أبعد والده إلى بودنيب (جنوب شرق المغرب) وفرضت الإقامة الجبرية على والدته بميدلت.

إلى حين إطلاق سراحيهما، عاش بول بداخلية مدرسية… مع ذلك، لم تثبط هذه المعاناة من عزيمته فيما يخص الدراسة.

اقرأ أيضا: عبد الكبير الخطيبي… “الغريب المحترف”

درس باسكون بثانوية “كورو” بالرباط، وقد كانت حينذاك حكرا على أبناء الفرنسيين وأعوانهم من الأعيان والقواد. الثانوية المعروفة الآن باسم ثانوية الحسن الثاني، حاز فيها باسكون على شهادة الباكالوريا في العلوم التجريبية عام 1949.

كان لباسكون ابنان رزئ فيهما معا إذ اختفيا في ظروف غامضة عام 1976، ليوجدا مقتولين بعد تسع سنوات؛ وقيل حينذاك في رواية للسلطات إن البوليساريو تقف وراء ذلك.

في ذات التخصص، واصل باسكون دراسته في الجامعة حيث حاز الإجازة عام 1956، قبل أن تحل لحظة التحول الكبير…

آمن باسكون بأن علم الاجتماع، وحده، العلم الذي يليق به؛ ذلك أنه يمكّن من تعرية أوجه التناقض التي تعتري المجتمع المغربي. ثم بعد عامين على الإجازة الأولى، توج باسكون شغفه بإجازة ثانية في علم الاجتماع.

في غضون دراسته للسوسيولوجيا، أنجز باسكون أول دراسة له عن الهجرة، كانت بعنوان “هجرة شلوح سوس (آيت وادريم) إلى جرادة”، ثم أعقبها بعدد من الأبحاث الميدانية لفائدة معهد العلوم الاجتماعية.

اقرأ أيضا: جاك بيرك… عالم الاجتماع الفرنسي الذي استغل استعمار المغرب لتغيير كليشيهات أوروبا عن العرب والإسلام 1\2

باسكون كان قد تزوج عام 1955 بامرأة تدعى جانين، أنجب معها ابنين. ثم، عامين بعد ذلك، قرر الإقامة الدائمة بالمغرب.

الفصل الثاني لحكاية باسكون مع المعاناة، كان حين رزئ في ابنيه معا، إذ اختفيا في ظروف غامضة عام 1976، ليوجدا مقتولين بعد تسع سنوات؛ وقيل حينذاك في رواية للسلطات إن البوليساريو تقف وراء ذلك.

آمن باسكون بأن علم الاجتماع، وحده، العلم الذي يليق به؛ ذلك أنه يمكّن من تعرية أوجه التناقض التي تعتري المجتمع المغربي.

يقول البعض إن المعاناة التي طالت باسكون، كان لوزارة الداخلية يد فيها أيضا. لكن النهاية آلت بفوز باسكون، الذي تمكن عام 1964 من الحصول على الجنسية المغربية.

أيا يكن، أبدى التاريخ رأيه البات حين اعتبر بول باسكون ابنا عاقا للسوسيولوجيا الكولونيالية في المغرب وفق البعض، مع الإجماع على كونه واحد من أهم علماء الاجتماع الذين طوروا البحث السوسيولوجي حول المجتمع المغربي، على قصر حياته.

حسب السوسيولوجي المغربي عبد الرحيم العطري[2]، فإن المشروع النظري الميداني لبول باسكون قد انطلق فعليا من أحضان الحوز، عام 1962، حين عين منسقا للدراسات العامة حول تهيئة الحوز الكبير، وعام 1964 مديرا للمكتب الجهوي لحوز مراكش.

بدأ باسكون منذ ذاك في تحضير أطروحة نيل دكتوراه الدولة في موضوع: “حوز مراكش، التاريخ الاجتماعي والهياكل الزراعية”، التي سيناقشها عام 1977، وستصدر عام 1983 في مجلدين.

اقرأ أيضا: فاطمة المرنيسي… أجنحة “واقع المرأة” الذي حلقت به إلى الحلم! 2/1

الانشغال بالعالم القروي أكثر ما عرف به باسكون، إذ أسهم عام 1969 في تأسيس مديرية التنمية القروية بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط، وأشرف فيها على الدراسات السوسيولوجية القروية.

أسهم بذلك باسكون، وفق السوسيولوجي المغربي محمد الدهان[3]، في تكوين جيل من الباحثين في وقت كانت فيها السوسيولوجيا كمعرفة علمية غير مرغوب فيها ومحاربة رسميا من طرف السلطة السياسية.

أحد أكثر المفاهيم طغيانا في أعمال باسكون مفهوم المجتمع المركب، الذي يراه الأكثر تعبيرا عن خصوصيات التشكيلات الاجتماعية بالمغرب.

واصل باسكون ممارسة أبحاثه وتأصيل المعرفة الميدانية عن المجتمع القروي، الذي أسس بشأنه إدارة للتنمية القروية بالمعهد عام 1983، ما أهله للحصول على صفة خبير لدى البنك الدولي ومنظمة الفاو (منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة).

كانت الحصيلة عددا من الدراسات والأبحاث، بعضها مشترك مع أساتذة آخرين، مثل “دراسات قروية” (تحقيقات حول القرية المغربية)، “بني بوفراح” (دراسة في الإيكولوجيا الاجتماعية لسهل ريفي)، “المسألة المائية بالمغرب”، “المسألة الزراعية بالمغرب”، وغيرها كثير.

اقرأ أيضا: المجتمع المغربي… محافظ أم منفتح؟ 2/1

أحد أكثر المفاهيم طغيانا في أعمال باسكون مفهوم المجتمع المركب. يقول محمد الدهان إن باسكون منذ 1967 اطمئن لهذا المفهوم بدلا من المجتمع النامي أو المجتمع التابع أو غيرها من التوصيفات، التي كانت حينها أكثر تداولا في النقاشات السياسية والعلمية، وذلك لاقتناعه بأنه المفهوم الأكثر تعبيرا عن خصوصيات التشكيلات الاجتماعية بالمغرب.

قضى باسكون بصحراء موريتانيا في حادث سير أثار جدلا كبيرا، أو كما قال السوسيولوجي المغربي عبد الكبير الخطيبي حينها متسائلا: “في الصحراء أيضا يمكن أن تقع حوادث مميتة!”.

أطروحة المجتمع المركب عند بول باسكون، تتأسس وفق العطري على التجاور والتداخل لمجتمعات عدة في المجتمع الواحد، بحيث تصير أنماط العيش والسلوك والثقافات متجاورة فيما بينها على الرغم من التناقض الصارخ الذي يبصم ثنائياتها المحتملة.

العطري يوضح هذه الأطروحة قائلا إن ثنائيات المجتمع المزيج، كالمقدس والمدنس، والأسطوري والواقعي، والعلمي واللاعلمي، والتقليدي والحديث وما إلى ذلك، تجد نفسها حاضرة فيه، في نفس اللحظة، دون أن يثير هذا الحضور المركب أي إشكال على مستوى سيرورة الحياة الاجتماعية، بل إن هذا التركيب يستحيل مع الوقت شرطا وجوديا لاستمرارية المجتمع.

بول باسكون وصديقه أحمد عريف.

خلاصة المجتمع المغربي لدى باسكون، وفق الدهان، أنه “مجتمع قائدي مخزني يسيطر على نظام قبلي في طور الاندثار، ويسيطر على نظام أبوي (بطريركي) ما زال قائما ضمن الخلية العائلية ومن خلال وضعية المرأة. لكن هذا النظام الإقطاعي برمته يدخل تحت سيطرة النظام الرأسمالي العالمي كما يتجلى ذلك في ميدان الإنتاج والتبادل”.

في الـ21 من أبريل 1985، وبينما كان بول باسكون ينجز مهمة لمنظمة الفاو، قضى في صحراء موريتانيا في حادث سير رفقة صديقه أحمد عريف… حادث أثار جدلا كبيرا حينها، حيث تم التشكيك في الرواية الرسمية، أو كما قال السوسيولوجي المغربي عبد الكبير الخطيبي حينها متسائلا: “في الصحراء أيضا يمكن أن تقع حوادث مميتة!”.


[1]  نظام حكم فرنسي امتد بين عامي 1940 و1944.
[2]  عن ورقة لذات الباحث بعنوان: “بول باسكون الراحل خطأ: عالم الاجتماع هو ذاك الذي تأتي الفضيحة عن طريقه”.
[3]  عن ورقة لذات الباحث بعنوان: “تركيبة المجتمع المغربي حسب بول باسكون”.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *