×
×

من مصر، حسام جاد يكتب: مفهوم الحجاب عند فاطمة المرنيسي… أيقونة علم الاجتماع العربي

حل منطق الحجاب المنتصر، ذلك الذي يُعلي من قانون الاغتصاب القبلي، محل عقل المؤمن الذي أكد عليه القرآن، كأمر لا غنى عنه كي يميز بين الخير والشر، وأصبح منطق الحجاب هو القاعدة التي ألقت بظلالها كنمط اجتماعي وحضاري على مدار خمسة عشر قرنا، وهو تلك القطعة الهشة من سياجنا التاريخي الذي فرضناه على أنفسنا، تلك القطعة التي يطالب المحافظون بالتمسك بها كلما دار الحديث حول الديمقراطية وحقوق الفرد وحرية المرأة.

إنها أيقونة علم الاجتماع المغربية، التي كرست حياتها لاختراق التابوهات الاجتماعية الجامدة التي تغلف المجتمع العربي بظلالها، ما جعل من فكرها وتفكيرها ازعاجا للسلطات الدينية والسياسية على السواء.

وهي أحد أهم نماذج الكتابة النسائية العربية، التي تنوعت تجربتها الفكرية ما بين الفكر الديني والسياسي والفكر الاجتماعي واللقاء الحضاري، والتى أثرت المكتبة بغزير إنتاجها: “الحريم السياسي – سلطانات منسيات – هل أنتم محصنون ضد الحريم؟ – شهرزاد ليست مغربية – الإسلام والديمقراطية – نسـاء علـى أجنحـة الحلـم”…

فاطمة المرنيسي من مواليد 1940 بمدينة فاس المغربية، أستاذة محاضرة بجامعة محمد الخامس بالرباط المغرب بعد أن تخصصــت فــي العلــوم السياسية فــي جامعــة ”الســوربون“ فــي فرنســا، قبــل أن تنتقــل إلــى جامعــة ”برانديز“ بالولايات المتحدة الأميركية، حيث نالـت شهادة الدكتوراه فــي علــم الاجتماع بعــد إنجــاز أطرُوحتهـا فــي العــام 1973 ، بعنــوان ”مــا وراء الحجــاب: الجنــس كهندســة اجتماعيـة“.

فاطمة المرنيسي

حصدت المرنيسي تكريمات وجوائز عالميــة عــدة أبرزها: جائزة أستورياس الإسبانية في الآدب فــي العــام 2003، جائــزة إراســموس الهولنديــة عــن محــور “الديــن والحداثة” فــي العــام 2004، كما دُشن فــي العام 2016 كُرسـي باسمها فــي جامعـة محمـد الخامس، وكُرسيان آخـران باسـمها فـي مكسـيكو سـيتي وبروكسـل. أغمضت المرنيسي عينيهـا فــي 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 مغـادرةً مسـرح الحيــاة تاركةً لنا إرثًـا وفكـرًا يحفران اسمها كإحدى أبرز عالمـات الاجتمـاع فـي المنطقـة العربيـة علــى مـدى أجيـال.(1)

تبنت المرنيسي مشروعا فكريا يعتمد على مقاربة نظرية تستدعي من خلالها تاريخ المجتمعات العربية الإسلامية وتراثها الفقهي؛ لإعادة قراءته قراءة تفكيكية نقدية تبحث من خلالها عن الجوانب المضيئة في تاريخ المرأة ومساهمتها في القرار السياسي، وترصد مظاهر الدونية وأسباب التهميش التي تعاني منها النسـاء، عبر تتبع التسلسل التاريخي من جهة، وتحليل الأثر النفسي والاجتماعي من جهة أخرى، بهدف معالجة وضعيات النساء والعلاقات بيـن الجنسيـن عبر التاريخ الإسلامي، وتفكيك أسس النظام البطريركي في الثقافة العربية الإسلامية، ومُواجِهة المُخيلة الذكورية.

فاطمة المرنيسيتركزت دراساتها على قضية المرأة بصفة خاصة، وما تتعرّض له من أشكال القهر والظلم والاستغلال والعنف والتمييز الجنسي والقانوني، انطلاقا من فرضية كون المرأة هى المفتاح الرئيسي في عملية دمقرطة المجتمع وتقدمه، وفقا لما عبر عنه بوضوح عبد الهادي عباس في مقدمته لترجمة كتابها “الحريم السياسي”، بقوله:

“قضية المرأة في المجتمع العربي، من أبرز المسائل المطروحة على ساحة الفكر في هذا المجتمع. علاجها من مختلف الزوايا مفتاح لحل الكثير من العقد الأخرى، وقد تبين لي في معرض دراسة قضية المرأة في الحضارة العربية الإسلامية، أن هنالك مفاهيم وأحكاما فسرها الفقهاء في القرون الوسطى ما تزال سائدة وكأنها حقائق أزلية، مع أنه كان يمكن تفسيرها باتجاه تقدمي إنساني.” (2)

لقد نجحت المرنيسي في تحويل قضية المرأة إلى مواضيـع قابلة للبحث والتحليل والنقد، معتمدة في ذلك على المناهج التي يُؤطرها الفكر النسوي، ما جعل لمقالاتهـا عـن المـرأة وقـعا كبيـرا في بلدها الأم، وأصبح لمنشوراتها عن الإسلام صدى واسعا في البلدان العربية، فلم يكن ليتقبل أهل السلطة والسلطان قولها بأن: “النص المقدس لم يجر تداوله فحسب، بل إن تداوله هو خاصة بنيوية لممارسة السلطة في المجتمعات الإسلامية. فكل سلطة، منذ القرن السابع عشر، لم تكن تبرر إلا بالتدين، ودفعت المغامرات السياسية والمصالح الاقتصادية إلى تصنيع أحاديث كاذبة. إن الحديث المختلق هو شهادة تثبت أن النبي كان قد قال أو فعل ذلك، الأمر الذي يسمح على الفور بإضفاء الشرعية على مثل هذا، وحسب الضغوط السياسية؛ لدرجة أنه، منذ الأجيال الأولى، شعر الخبراء بضرورة إنشاء علم لكشف الأحاديث المصنعة”.(3)

لقد تسبب ذلك الانتشار الواسع الذي حققته أفكار المرنيسي في حظر تداول إنتاجها الفكري وكتاباتها داخل بعـض الـدول العربية، نظرا لما تحمله كتبها من فكرها التقدمي وجـرأة أطروحتهـا، وهـو مـا دفعها إلـى إصـدار باكورة كُتبهـا باسم مستعار، “فاطنـة أيــت الصبـاح”، الذي صــدر فــي فرنســا بعنــوان “المــرأة فـي المخيـال المسـلم” وذلـك فـي العـام 1982 قبل أن تتجـاوز هـذا المنع و تبـدأ بالنّشـر باسمها الحقيقي. (4)

الحجاب كهندسة اجتماعية

تبدأ المرنيسي قراءتها لكتب التراث العربي التاريخي والفقهي بتتبع المواقع الاجتماعية للنساء في مجتمع “الجاهلية” والبُنية التي حكمت حياتهم الجنسية، اعتمادا على ما حفظ لنا التراث العربي المكتوب من معطيات غزيرة حول العائلة في فجر الإسلام، ومؤلفاته كـ “طبقات” ابن سعد، و”أسد الغابة” لابن الأثير، وكتابات الطبري، التي تزخر بمعلومات عن الحياة الزوجية لمئات من الصحابة والصحابيات، إلى جانب حياة النبي العائلية التي أولى إليها المؤرخون أهمية خاصة والتى تعد منبعا غنيا بالمعلومات.

فاطمة المرنيسيمن خلال تحليل منهجي دقيق للتغيرات الطارئة على النظام العائلي والممارسات الجنسية التي سادت مجتمع “الجاهلية” والتي تبرزها المعطيات التاريخية أكثر اختلافا وتنوعا(5)؛ فإن المرنيسي تؤكد على أن نظام الزواج كما أقره الإسلام قد استهدف قطيعة مع تلك الممارسات، حيث القاعدة الأساسية للزواج في الإسلام أن يُنسب الولد لأبيه، وهو ما لم يكن ممكنا دون أن يشتبك مع مصير النساء العَبدات.

من ثم، تنتقل المرنيسي للسياقات التاريخية التي صاحبت نزول آيات الحجاب داخل المدينة وما تُعانيه من أحداث حرب أهلية وفقا لتعبير المرنيسي، بالنظر إلى موقع نزول آية الحجاب كجزء من سورة الأحزاب التي تعني تحالف القبائل، وتصف من بين ما تصف حصارهم للمدينة، وما يعيشه الإسلام في العام الخامس من الهجرة من أزمة حربية فادحة لم تنته إلا في ربيع العام الثامن. وعليه، فإن قراءة العارض الذي نزلت فيه آية الحجاب –ليلة عرس النبي على زينب بنت جحش– يجب إعادة وضعه في سياقه، ضمن فترة يُخيم عليها مخاوف الفشل الحربي، وتملأها الشكوك من تراجع أخلاقي لسكان المدينة. فلم تكن هذه الآية سوى أمرا سلوكيا للصحابة بالتهذيب الذي ينقصهم في التعامل داخل منزل النبي.

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا” [الأحزاب: 53]

لم يلتفت أحد من الفقهاء إلى كون الدين الوليد الذي اختبر حربيا وعورض من قبل بعض سكان المدينة يتعرض نبيه لإساءات عديدة، إذ يعالج القسم الأخير من الآية موضوعا آخر يمكن فهمه أيضا ضمن قواعد التهذيب داخل المجتمع الوليد، فقد جاء الأمر بمنع المسلمين من الزواج من نساء النبي بعد موته، كنتيجة لما يتعرض له النبي من عدوان شفهي وتهديدات تخص زوجاته، من بعض سكان المدينة؛ وهو ما يعكس لنا بوضوح أزمة المجتمع الوليد، والوضع المشوش الذي أنتج الحجاب كحل لشبكة من المنازعات والتوترات داخل المدينة. وعلى ذلك فإن قراءة سريعة للنص القرآني غير كافية.

“يستحيل فهم آية دون الوقوف على قصتها وبيان أسباب نزولها، وأخطأ من قال لا فائدة له، لـجريانه مجرى التاريخ، ومن فوائده الوقوف على المعاني وإزالة الإشكال… وليس هناك مانع من تعدد الأسباب، والجمع بين الروايات المتعارضة”، مقدمة السيوطي، لباب النّقُول في أسباب النزول.

Voile الحجابلم تكن هذه الآية الوحيدة المتعلقة بما يدور في المدينة خلال هذه الفترة، لكنها كانت الحلقة الأولى من السلسلة التي أحدثت شرخا داخل الحيز المجتمعي الإسلامي. شرخ كرست له كتب الفقه على مدار قرون وخصصت له فصولا تحت اسم “نزول الحجاب”، وإن كان الفقهاء يستعملون عبارة “نزول الحجاب” لتغطية حدثين متزامنين؛ لكنهم لا يلتفتوا إلى كونهما وإن كانا يمران داخل سياق زمني واحد، لكنهما يعبران عن قضيتين مختلفين تماما، أولا من جهة كونه ستارا ماديا أسدله النبي بينه وبين رجال أطالوا الجلوس على عتبة غرفة زواجه. ومن جهة أخرى كونه وحي من السماء إلى النبي يحتاج منا عملية تتبع سجل تاريخي عقلاني، ويفرض علينا التساؤل عن الظرف الذي كان فيه النبي يعيش بين نسائه وأصحابه، وفي أي أمكنة، حتى يضطر إلى حماية نفسه كضرورة حتمية.

كان هناك شخص اسمه عبد الله بن سلول، من قبيلة الخزرج، وكان الأكثر حقدا على النبي محمد، وهو نفسه الذي عمل على إشاعة “حادثة الإفكضد عائشة وصفوان. اعتاد هذا الشخص على إجبار إمائه على الممارسة الجنسية، رغبة في التمتع بهن وأملا أن يلدن له الرقيق. بدأت شكواهن تصل إلى النبي، وجاء القرآن استجابة بالنصح للذين يمارسون هذه التجارة، “وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”(6).

تؤكد الآية على ما تبقى من “بغاء” منظم فى المدينة، ويبدو أن النساء العَبدات منذ البداية قد خُفضن إلى مستوى مهنيات جنس، بل إن أي إمرأة ليست أرستقراطية تحميها قبيلتها هى إمرأة في خطر دائم، خطر الرق والوقوع في الأسر، خطر الملاحقة من الرجال.

لذلك، فإن نزول هذه الآية قد حرم أمثال عبدالله بن سلول من مصادر مالية يجلبها استرقاق النساء. إلا أنه، وبالنظر إلى حال المدينة في ذلك التوقيت، بدأت النساء المسلمات تتعرضن لعنف وأذى ممنهج داخل شوارع المدينة، باعتباره مكانا كان يسمح فيه بطلب التزاني ويعج بالملاحقات من قبل الرجال، الذين تعللوا -حين استُّعلم النبي عن سلوكهم- بأنهم لا يتعرضوا سوى للإماء، لاعبين على اختلاط هوية النساء في المدينة.

“وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ، لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلً” [الأحزاب].

حسب لسان العرب، فإن كلمة “جلباب” غامضة لحد كبير، حيث يمكن أن يدل على قطع مختلفة من الملابس، تتدرج من القميص البسيط وحتى الثوب الأوسع كـ الملحفة، يغطى به صدر المرأة أو رأسها، وقيل أيضا جلباب المرأة ملاءتها التي تشتمل بها. على الرغم من الغموض في لفظ “جلابيبهن”، يظل الإدناء منها لا يمثل إضافة عنصر ثياب جديد، ولا يتعدى كونه طريقة جديدة للملابس القديمة ذاتها؛ بهدف التميز على المستوى البصري عن الإماء. من هنا، وخلال فترة مضطربة في بداية تواجد الإسلام داخل المدينة، تعلن آيات الحجاب من سورة الأحزاب على هذه الدرجة من الاستثنائية والخصوصية.

مفهوم الحريم والحدود

كأحد المفاهيم المفتاحية لفهم جوانب شتى من الحضارة الإسلامية، تَخلُص المرنيسي إلى “مفهوم الحجاب” ثلاثي الأبعاد، أولهم هو بعد “رَؤي” يعني الحجب عن النظر، ذلك أن الفعل حجب يعني الإخفاء، والبعد الثاني “فراغي” ويعني الفصل، والحجب هنا يعني إقامة حد فاصل، أما البعد الثالث فهو بعد “أخلاقي” مشغول بالمحرم أي الممنوع، وإن كان البعد الأخلاقي انعكاسا لنظام فكري مشغول بالحقيقة المجردة، على عكس الرَؤي أو الحيزي المنشغلين بالواقع الحسي الملموس، إلا أن الأبعاد الثلاثة دائما ما تتقاطع، لتنتج وعينا الاجتماعي، إذ أن الحيز الخبئ أو المستور بحجاب هو حيز لا بد أن يكون محرما.

معجم لسان العرب يشرح لنا أن كلمة حجب تعني “اخفى بستر”، والستر لا شك يتم بستار، والستار عمليا هو الذي يقسم “الحيز / الفضاء” إلى قسمين، ويخفي أحدهما عن النظر؛ ومن ثم، تتبنى المرنيسي “مفهوم الحجاب” باعتباره الركيزة الأساسية التي شكلت ثنائية وعينا الفاصل للعام عن الخاص، وأسست داخل وعينا مفهوم “الحريم/الحدود”؛ حدا فاصلا يُنتج ثنائية الداخل/الخارج، بحيث يمثل فضاء الداخل “الأنثوى المحظور” فضاء أَسر المرأة، حيث الحرملك والحريم وما يكتنفه من امتثال لمعاناتها وإقصائها عن المجال العام، أما فضاء الخارج “الذكوري المفتوح” فهو فضاء الرجال حيث العمل خارج البيت، وامتلاك المجال العام. تلك الثنائية الذهنية التي كرست دائما لدونية المرأة ووضاعتها.

وكذلك باعتباره طريقة لرقابة الجنس وحماية لبعض أصناف النساء “أزواجك وبناتك ونساء المؤمنين” من أضرار وعنف الغير في خضام حرب أهلية، طريقة ألقت بظلالها على فكرنا عبر تراكم فقهي، وقع في فخ تعميم الخاص، وتسيد الاستثناء، مُشكلا بذلك البنية البطركية لمجتمعتنا، سامحًا لها بالبقاء والاستمرار عبر تاريخنا، “فإذا كان الحجاب جوابا على اعتداء جنسي، على التعرض، فإنه في الوقت نفسه مرآته، إنه يركز ويعكس هذا الاعتداء بالاعتراف أن الجسد النسوي هو عورة، جسد عطوب بدون دفاع“(7).

في النهاية، فإن منطق الحجاب لدى المرنيسي هو انتصار لـمنطق منافقي المدينة الذين لم يتصوروا المرأة إلا كموضوع للعنف والشهوة، ونزول إلى تقسيم النساء إلى صنفين بواسطة الحجاب، نساء حرات لا يمكن التعرض لهن، وإماء يمكن التعرض إليهن واغتصابهن، و إقرارا بمبدأ الرقابة الاجتماعية القبلية لتنظيم الرغبات، محل مبدأ الرقابة الذاتية، الذي أعلى منه النبي محمد منذ بداية دعوته؛ حيث أن الإسلام يتأكد كدين عبر آيات القرآن المحملة بمجموعة من الإشارات التي يجب العمل على فك رموزها باستخدام العقل، العقل الذي يؤسس للمسؤولية الفردية، كسلطة للرقابة الذاتية، على حساب السلطة القديمة التي احتكرت الرقابة لصالح القبيلة.

هكذا، حل منطق الحجاب المنتصر، ذلك الذي يُعلي من قانون الاغتصاب القبلي، محل عقل المؤمن الذي أكد عليه القرآن، كأمر لا غنى عنه كي يميز بين الخير والشر، وأصبح منطق الحجاب هو القاعدة التي ألقت بظلالها كنمط اجتماعي وحضاري على مدار خمسة عشر قرنا، وهو تلك القطعة الهشة من سياجنا التاريخي الذي فرضناه على أنفسنا، تلك القطعة التي يطالب المحافظون بالتمسك بها كلما دار الحديث حول الديمقراطية وحقوق الفرد وحرية المرأة.

من أين تكتب المرنيسي – وبأي لغة؟

فاطمة المرنيسيمن الصعب تحرير أجندات البحث الخاصة بدراسات الشرق الأوسط الحديثة والدراسات الأكاديمية الصادرة عن المراكز الغربية من قبضة الجيوسياسية؛ تلك التي لا تزال تلقي بظلالها على العالم العربي النيو-استعماري وما بعد الاستعماري، الذي كان وما زال عُرضة قوية لتدخلات أجنبية متعددة منذ إنهاء الاستعمار مع منتصف القرن العشرين. لذلك، فقد ركزت معظم الدراسات العربية طاقتها النقدية في الرد على “الغرب”، خاصة حينما يتعلق الأمر بالإسلام، ومعارضة التدخل العسكري الغربي، ومواجهة العنف المعرفي والوجودي الذي تمارسه بعض القوى الامبريالية على غرار العلمانية الاستعمارية والليبرالية والنسوية.

كذلك، فإن تلك الدراسات النقدية التي وقعت في أغلبها بين قبضة طابع إبستمولوجي ضدي يتمركز حول التفسير بالغياب “فكر ما بعد العام 1967″، قد غاب عنها إنتاج أدوات مفاهيمية نقدية تهدف إلى الإحاطة بصيَغ السلطة التي تدور داخل مجتمعاتها، وغفلت عن تفسير أشكالها تلك السلطة المؤثرة فيها، بما يشتمل على بُنية الأنظمة الاستبدادية في فترة ما بعد الاستعمار ومعارضتها أيضا؛ بما في ذلك منطق الولاءات الأهلية “الطائفية والعرقية والمناطقية والعائلية” ومناوءته؛ وأشكال الإقصاء والسلب الاقتصادي ومقاومتها، بالإضافة إلى آليات عمل النظام الأبوي والإقصاء الجندري ومحاولات التحرر من قبضتها، وهو تحديدا ما انشغلت به المرنيسي.

لكن مرنيسي التي اختارت البحث في علل انحطاط القطاعات النسائية في المجتمعات العربية داخل تراثنا الإسلامي وتاريخنا العربي قبل أن تبحث في علل التقدم الغربية، جاءت مجمل كتاباتها لكي تستهدف كسر وضعية الثبات الذي تعيشه المرأة العربية، باللغة الفرنسية. بل كان الغرب هو ملاذها الأول للفكاك من سطوة الأنظمة الاجتماعية والسياسية العربية، حيث تلقت تعليمها في جامعاتُه، وأصدرت باكورة كتاباتها من فرنسا، باسم مستعار.

ما يطرح أمامنا عدة تساؤلات حول المسائل ذات الصلة بالموقع واللغات كجزءٍ لا يتجزأ من النقد العربي المعاصر؛ فهل يوفر الموقع الجغرافي للمفكر سبلًا مختلفة للنقد، أو أنه يقف حجر عثرة في وجهه؟ وكيف ذلك؟ وإلى أي مدى تسهم لغة المفكر “أحادية/متعددة” في رسم ملامح فضاءاته الفكرية والأنماط النقدية التي يتبناها، وكيف يُسهم الموقع المؤسسي لإنتاج الفكر ودائرة تداوله في استيعابه واستخدامه؟

كما تطرح حالة النفي والنفي المؤقت التي أنتجتها استبدادية أنظمة ما بعد الاستعمار والحروب الأهلية؛ سؤالنا حول من يتعين إدراجه تحت مظلة المُنظرين العرب المعاصرين، في محاولة للفكاك من استراتيجية الانقسام بين مركزية “النظرية المجردة” التي يتم إنتاجها في بلدان الشمال، و”الحقائق الملموسة” الموجودة على أطرافها ببلاد الجنوب.

المراجع

(1) محاضرات فاطمة المرنيسي، سلسلة المحاضرات السنوية، المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، 2020، ص12

(2) فاطمة المرنيسي، الحريم السياسي، ترجمة: عبدالهادي عباس، دار الهادي للنشر والتوزيع،  دمشق، د.ت، ص5

(3) فاطمة المرنيسي، الحريم السياسي، ص19

(4) محاضرات فاطمة المرنيسي، ص11

(5) فاطمة المرنيسي، ما وراء الحجاب، ترجمة فاطمة ازرويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1988، ص 41،  55؛ وعن طبيعة الحياة الجنسية في مجتمع الجاهلية، وتأثيرات فترة فجر الإسلام، انظر، فاطمة المرنيسي، الحريم السياسي، ص 220-222

(6) قرآن كريم، سورة النور، آية 33

(7) فاطمة المرنيسي، الحريم السياسي، ص 220

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *