×
×

من الولايات المتحدة الأمريكية، الأكاديمي المغربي مختار بوبا يكتب لمرايانا:الجنوب وسياحة “النّية” 2/2

تابعنا في الجزء الأول من هذا المقال (تجدون رابطه في الأسفل) ما يقدمه مختار بوبا، أستاذ الأصلانية والدراسات الثقافية بجامعة دارتموث، بالولايات المتحدة الأمريكية، عن الكيفية التي انتقل بها المهاجر المغربي (العائد) إلى خانة “الزبون الممكن أو المحتمل” في لوائح الوكالات والفنادق ومكاتب الدولة، وكيف يؤدي الشعور بالاغتراب في البلدان المضيفة إلى كثرة السفر والترحال والبحث عن العزلة.
في هذا الجزء، يقدم بوبا قراءة أنثروبولوجية لكرم سكّان الجنوب الشرقي الذي يتجاوز علاقات الربح والسوق، ويحتكم لـ”النيّة”، وكيف أن “سياحة النية” تؤدي إلى الارتباك عبر تداخل المنطق التجاري المحض مع الشرط الثقافي العميق.

يعيش الجنوب الشرقي علاقة صعبة ومتوترة مع الداخل (الدّاخيل) مند قرون، تجسدت في اختلاف أنماط العيش وتباين الأبعاد الرمزية الاجتماعية.  يتمثل ذلك بجلاء في صورة “صحراوا” الذين يتبعُ ذكرُهم في أي حديث في الداخل بعبارة “الله يعمّرها سلعة” [1] تجسيداً لخصال “النّية والأمانة والحشمة” [2] التي اتصفوا بها منذ زمن بعيد.

لكنّ الصحراوي يظل “بسيطا وخشنًا وسطحيًّا” في الوعي الحضري العام. فخصاله (البدوية) الحميدة هذه، غالبا ما تحول دونه و”الارتقاء والعلو والحنكة” التي يتميز بها صفوة القوم من الحضر [3]. وهذا استعلاء قديم لم تعد ترحمُه اللغة.

عندما يسافر المهاجر المغربي من الداخل إلى صحراء الجنوب الشرقي (أسامر)، فهو عادة ما يحمل معه بعض هذه الصور الثابتة في اللغة وفِي الأنساق التداولية (أمثال، حكم، صور فتوغرافية، الخ) بحيث تُملي عليه طرُق تفاعله مع المجتمع والفضاء المحليين. رغم أن أغلب هذه الصور تنم عن نوايا حسنة، إلا أنها تحمل ترسبات دلالية أكبر من اللغة، مما يساهم في تعقيد قنوات التواصل بين هذا الزائر والوسط الصحراوي المستضيف.

عموما، قد لا يعارض الصحراوي هذه التّمثلات، رغم أنه يعرف جيداً مصدرها وسيرتها، ولكن “آداب الكرم والضيافة” ربما لا تسمح له بالترافع ضدها (!) فيختفي مرة أخرى خلف صينية الشاي وروايات الأجداد، لعل طقوس السّرد تنتج ضيوفا أكثر تواضعا أمام عظمة الصحراء.

بعيدا عن الضيافة التقليدية، فإن السائح-الزائر اليوم يمكنه أن يتمتع بحرية تنقل أكثر وهو داخل فضاء السياحة وفِي الفندق، لأن علاقته بالمضيف (الممول)، مرتبطة نظريا بشروط التسوق، رغم أن معالم هذا المجال التواصلي والتجاري لا تزال في مرحلة التشكّل. نتيجة لذلك، فالفندقي عادة ما يتجاهل الخط الفاصل بين وظيفته كمزود، وصفته كمضيف، مما يعيد العلاقة بينه وبين السائح إلى خانة الصفر (حيز الضيافة) وخارج علاقات السوق؛ وهذا هو المجال المعتاد الذي تحكمه “الحشمة والأمانة والالتزام”: وضع يؤدي إلى إعادة إنتاج “سياحة النّية” التي تُربك السائح وتحصر حركته كضيف مرة أخرى، (الضيف ما يتشرّط).

رغم أنه لا يتأخر في دفع فاتورته، ورغم تجانس أنشطته مع لوائح الخدمات المؤدى عنها، كركوب الجمال والمبيت في المخيم (البيڤواك) وزيارة البحيرة إلخ، فالمهاجر يبقى “ولد لبلاد” وجدير بالكرم والضيافة داخل الفندق وخارجه في أرض “الله يعمرها سلعة”.

هكذا، يعاني المهاجر من المغايرة أينما حل، و”يُستغرَب” كلما برزت هويته المتنقلة. فهو البرّاني (الغريب)، الذي يجب التعامل معه كضيف أو عابر سبيل وليس كزبون. محلياً، فهو ينتمي إلى مجموعة سياح جدد غالبا ما ينعتون بـ”لعرَب”، وهذا مفهوم متداول يستمد دلالته من اختلافهم عن “الگوَر” (الأجانب) وليس من انتمائهم للعروبة. هناك تسميات أخرى قد تُجاور القدحية: “كحل الرّاس”و”المرّوك”و”الزماگرية”، ولكنها تعتمد على منطق التغاير نفسه الذي يحكم علاقة العين (الذات) بالآخر داخل مدارات الهوية والوطن والسياحة.

كثيراً ما يشوب الحذر العلاقة مع “لعْرَب”، لأن الفاعلين السياحيين والسكان المحليين، لازالوا يحاولون بناء نسق تواصلي فعّال ومهني مع هذه الفئة من الزوار، الذين لا يحترم بعضهم قوانين هذا الفضاء الاستثنائي الذي رحب بهم. رغم أن لوجستيك السياحة لا تستثنيهم عن غيرهم من السياح، إلا أن التواصل مع “لْعْرب” مقيد بحذرٍ عمّر قرونا طويلة ليس بسبب السياحة… بل بسبب الاختلاف.

للإشارة، فإن مجموعة أخرى، ربما أكثر عددا، تقصد الصحراء كل صيف من أجل “السياحة الاستشفائية”. هؤلاء الزوار المغاربة، يعرفون محليا بـ”ايت أسگال” (اسگال: الدفن – أي، الذين يأتون من أجل حمام الرّمال). وهؤلاء غالبا ما ينزلون في بيوت وغرف يكترونها من السكان المحليين، الذين يسهرون على كل عمليات التطبيب والاستشفاء لمعرفتهم بأسرارها. وهنا، وجبت الإشارة أنّه حتى زمن قريب، كان بعض أرباب الفنادق يرفضون إيواءهم بذريعة “عدم توفر الغرف”.

تعيش معظم العائلات في مرزوگة والقرى المجاورة من هذه الخدمات، التي تساهم بشكل كبير في ضمان دخل مادي، غالبا ما يكون هو الدخل الوحيد المتوفر خلال السنة، في غياب تام لفرص الشغل خارج مجال الضيافة. بعد الموسم الاستشفائي الصيفي، يتوقف كل شيء وتغلق جل المحلات في انتظار الموسم الموالي.

انتشرت سياحة الاستشفاء منذ ما يقرب نصف قرن، رغم أن طرق التداوي بالرّمال ظهرت مند أن احتك الإنسان الصحراوي بهذه الكثبان وتعلّم تأثيراتها على حياته وصحته. في وقت لاحق، تعلم كيف ينشر هذه المعارف ويعيش من ريع ممارستها. المثير هو أن العلاقة مع “السائح المستطْبِبْ” يسودها تصدّع أكثر من العلاقة مع السياح الآخرين؛ وذلك لأن هؤلاء لزموا حيّز الضيافة لقبول أغلبهم السكن داخل بيوت العائلات، وهو ما يثير جدلا واسع النطاق حول الأمن والنظافة والأخلاق و…التغيير الاجتماعي.

*. مختار بوبا، أستاذ الأصلانية والدراسات الثقافية بجامعة دارتموث، بالولايات المتحدة الأمريكية

هوامش:

[1]دعوة (أو صلاة) بدوام النعمة وتضمين لاستحقاقهم لها. في تباين عن “الله يعمرها دار” التي تطلق عادة على الفرد وليس على الصنف

[2]غالبا ما تستعمل العبارة من غير محذوف “نيّة وحدا” وتعني اختزالاً البساطة وعدم القدرة على معالجة الافكار المركّبة.

[3]هناك فرق بين البساطة في نمط العيش والبساطة في التفكير، المقصود هنا هو التفكير. انظر مقدمة ابن خلدون. آبن خلدون (1952) دار الارقم.  بيروت. ص 150

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *