×
×

“لا أشعر بالندم، لأنني مارستُ حقا طبيعيا”… قصص مغربيات تخلين عن “عذريتهن” 1\2

عذريّة أو بتوليّة… أو قل، مأساة حقيقيّة في بعض المُجتمعات “التقليدية”. نساءٌ قتلن باسم العذريّة و”الشّرف”. في تلك المجتمعات، العذريّة تعني، ببساطة، “الشّرف”.
نساءٌ تعرّضن للإقصاء والنّفي والاعتِداء… بسبب العذريّة أيضاً. نساءٌ عانين من الضّغط والعنف والتّحرّش… بسبب “العذريّة” مجدّدًا.

لكن… في هذا الملف، نعرضُ قصصاً حقيقيّة لمغربيّات تخلّين عن عذريتهنّ (أو لنقل غشاء بكارتهن)، بمحضِ إرادتهنّ. شهاداتٌ تقدمها مرايانا، بأسماء مستَعارة. ولا شكّ أنّ هذه الشهادات تبرزُ من ناحية أخرى، أنّ الانفلات من قبضة الثقافة والذكوريّة، لا يعني دائماً القُدرة على المواجهة.

… ثمّ تبقى الغاية من هذا الملف هي كشف الغطاء عن شقّ ظلّ، ربّما، محتشماً في هذا الموضوع: اختيارات فرديّة تقاوم وتُحجِّم التّصوّرات المُستبدّة عن أجساد النساء! مقاومة وتحدي يتمان أحيانا بسلاسة… وفي أحيان أخرى، بمخاض موجع تسكنه الهواجس والتساؤلات.

وجدان: البكارة… ليست هديّة!

تفصحُ وجدان، 23 سنة، عن كون لحظة افتضاض البكارة التي عاشتها قبل أربع سنوات تقريباً، لا تعني، بالمُطلق، أنّها قدّمت عُذريتها “هديّة” للشّريك، الذي اختارته بعنَاية وحبّلكي تعيش معه هذه التجربة. لذلك، تقول وجدان: إنها كانت لحظة حميمَة بالنّسبة لي. أهديتُ تلكَ الخطوة لنفسي وجعلتها فارقةً في حياتي أنا حصراً.

“كانَ ذلك في علاقة رضائيّة؛ وبإرادتي وبرغبتي تمّ ذلك. الأمر تمّ ببساطَة ولم أستحضر أيّة أفكار خارجيّة أو تصوّرات معيّنة. كانت لحظةً من الاحتِفاء بفردانيّة مطلقة العنان. أحسستُ أنّه كان الوقت المناسب والشّخص المُناسب، فحدثَ ذلك دون تخطيطٍ أو تفكير مُسبق. أقصدُ أنّه كان ممكنًا أن يحدُث مع ذلك الشّخص أو شخص آخر بدا لي مناسبًا وأحببتُ أن أقاسمه تلك اللّحظة. إنّه جسدي وتلكَ المشَاعر والأحاسيس الجنسيّة تعنيني بالضّرورة”، تقول وجدان.

ثمّ تضيف: لم يراودني شُعور أنني أقترفُ إثمًا، ولا حتى كان الأمر احتجاجاً، ضد الأبويّة، عن طريق الجَسد أو ما شابه، كما يُشَاع عندَ البعض. أجدُ، حين أستحضرُ تجربتي، أنّه من سوء الحظّ أن يُقال إنّنا نحاربُ الذكوريّة بالتّخلي عن عذريّتنا! أنا مؤمنة على الدّوام أنّ النّضالات النسويّة قد تُؤخذُ بعيداً عن الأمور الشخصيّة؛ أعني أنّ إنهاء العذرية، مثلاً، مسألة تخصني ولا تخصّ المجتمع!

تجملُ وجدان حكايتها، مؤكّدة: إنها رحلة شخصية تعيشها بمفردك وتحتفي فيها بخصوصيّتك. ربّما قد أكون فكرتُ وقتها خارج التّصورات الذكورية التي تكبّل حرية المرأة وسيادتها على جسدها، لكن، صراحةً، لم أفكر في مقاومة تلك التّصورات، ببساطة لأنّها لا تعيشُ معي.

إشراق: لا أؤمن أنّ العذرية هي الشرف!

بدون تلعثم في الحديث، وبلغة فصيحة، تتحدّث إشراق، 22 سنة، عن لحظة تخلّيها عن عذريتها حين كانت تبلغ من العمر 19 سنة، أي قبل سنتين ونيف.

إشراق تعتبرُ، في حديثها لمرايانا، أنّ المسألة ارتبطت بعوامل ثقافيّة، لأن الشريك كان أجنبيًّا مقيماً بالرّباط. تقول: من قبل، لم تتبادر إلى ذهني نهائيًّا فكرة التّخلي عن العذريّة. كنتُ موقنةً أنني “سأحتاجها” مستقبلاً من أجل الزّواج. هكذا نشأتُ وهذا ما تمّ تلقيني إيّاه. إنّما، ستنكسرُ كلّ الأعراف المجتمعيّة حين أحببتُ بشدّة رجلاً من خارج ثقافتي.

كما تفيد إشراق: نظراً لكونه من ثقافة أخرى وبيئة أخرى، كنتُ مرتاحة أن نناقش كلّ شيء ولا شيء بالضرورة. نتجول في غابة الطّابوهات بكلّ أمان معًا. لذلك، كان من السهل التواصل بشأن أي موضوع حتى العلاقة الحميمة، أي الجنس. كان تمريناً ذاتيًّا، لأنني لأول مرة أطرح الأسئلة وتطرَح عليّ بالمقابل، وأجيب بلا خوف من أن أحاكم بأني فتاةٌ دون أخلاق، كما كان ممكنا أن يحدث لو كان الأمر يتعلّق بعربيّ أو مغربي، ربّما.

في ختام شهادتها، تصرّح المتحدثة: لم أكن أستوعبُ جيدا الرّوابط التي يقيمُها المجتمع بين الجنس والشّرف، أو دعني أقول بين العذريّة والشّرف. وما كان يثيرني أكثر، أنّ المجتمع لا يلوم الرّجل، وأن هذا الأخير يستطيعُ أن يفاخر بعلاقاته الجنسيّة المتعددة، حتى أمام زوجته. هناك، أدركتُ أن الثّقافة غير عادلة وأنّ ثمّة خللاً ما. لهذا، لا يداهمني أي شعور بالندم على الفعل بحد ذاته، لأنني مارستُ حقًّا طبيعيًّا. الشخص ربما لم يكن مناسباً لأنه كان يكذب كثيراً، وهناك انهارت لديّ الكثيراً من الصّور المثاليّة، التي نرسُمها حول الأجانب، بفعل خصاصٍ ما… في ثقافَتنا.

كيف نسائل العذرية… كتكوين نفسي؟

لا يريدُ الأخصائي في العلاج النفسي والجنسي، أبو بكر حركات، أن ينطلق في تفسيره دون التّأكيد على أنّ العذرية لا تعني بالضّرورة غشاء البكارة أو الإيلاج الطّبيعي، بل كلّ علاقة جنسية تجمع طرفين، فهي تضعُ نقطَة نهاية لتلك العذريّة، سواء كانت بطريقة سطحيّة أو فمويّة أو شرجيّة أو ما شئنا. وهي بلا شكّ تعني الطّرفين وليس المرأة وحدها كما شاع في المخيال العامّ والشّعبي.

تعليقاً عن عذريّة المرأة وقرارها الشّخصيّ في إنهائها، وعلاقتها بالشهادات التي نعرضها في هذا الملف، فحركات يرى الأمر كعلامة على تطوّر الوعي لدى شريحة من النّساء المغربيات، وتعمّق معرفتهنّ بجسدهنّ وبأنه ملكٌ لهنّ. وهي سيرورة ستفضي في المُستقبل إلى تدمير كلّ الأفهام التقليديّة والعُرفيّة، التي تحتكر المرأة في جسد، أو تختزلها في غشاء البكارة.

بحسب ما ذكره حركات لمرايانا، فالمرأة أصبحَت، اليوم، تمتلكُ وعيًا واستقلالاً، وتشتغل في السّوق بكامل حرّيتها. لم تعُد عرضة للعُنف الاقتصاديّ بتلك الحدّة كما الماضي. بالتالي، هذه العوامل تؤدي إلى اندحَار كلّ فكْرة نكوصيّة تحاول تطويقِها.

“باتَت نظرة المرأة في موضوع الجنس، تحاول أن تجد موطِئ قدم مُتكافئ مع الرّجل حتى على هذا المُستوى. فهي تنظر إلى الرّجل، اليوم، ككيَان مُتسَاو معها. وإذا كان سيتفوّق عليها بموضوع البِكارة، فهي مستعدّة للانفِلات من هذا القَيد. الوقت والمكان والشّريك وطبيعة العلاقة، هي من تحددها. إنّه، بشكل أدقّ، سعي نحو استعادة السيطرة على جنسانيّتها التي كانت مسلُوبة لقرون من طَرف الثّقافة الأبويّة”.

من ناحية أخرى، تعليقاً على الشهادات التي تقدمها مرايانا، يجدُ محسن بنزاكور، الأخصائي في علم النّفس الاجتماعي، أنّ الحالات المُقدَّمة تعكسُ نزاعاً بين القرار الشّخصي والقَناعات الشّخصية من جهة، والرّغبة في الانتِماء لثَقافة أو لمجتَمع معيّن من جهة ثانية. والصّراع بينهُما ليس سهلاً، خصوصا حين يطرح شرخاً بين الاختيار كرغبَة شخصيّة، وبين الخوف والمعتَقد.

يلتقطُ الأخصائي النفسيّ نقطة مهمّة مفادها أنّ البنت، في الثّقافة المغربيّة، نهيّؤها على أنّ أسمى شيء في جسَدها هو بكارتها. لكن، حين تصل إلى مستوى معيّن من المعرفة والتّجربة، سيما باعتبار التّجربة مسألة جوهريّة في حياة الإنسان، لدرجة قد تعْبرُ الثقافة والتّقاليد، فهنا، تطرح الفتاة أسئِلة “بكْرا”؛ وتتخذُ قراراً وفق خلفيّات مسكُوت عنها، أي أنّها تلجأ إلى إنهاء العذريّة كرهان لإثبات الذّات. إن الفتاة، لحظتها، تفكّر أنّها فَوق القُيود المجتمعيّة.

في هذا السياق، يضيفُ الأخصائي النفسي، قد نقرأ هذه الصّعوبة وفق الخريطة التي وضعها سيغمُوند فرويد للبنية النّفسية وصراعاتها من خلال الأنا والهو والأنا الأعلى. هكذا، يغدُو الهو، هو الرّغبة في الحياة والاحتِفاء والخصوبة، إلخ. والأنا الأعلى يعكس تلك الثّقافة والقيود وتلك التّصورات الجاهزة التي تفكّر داخلها الذّات. هذه الخريطة قد تجعل عمليّة الفهم جد معقدة، لأننا قد لا نستوعب جيدا منطق الذات وكيف تفكّر. وهذا، بكلّ تأكيد، إن أخذنا إنهاء العذرية في العمق الإنساني والنّفسي والثّقافي والجنسَاني، وليس كخُطوة عابرة من أجل إحساس جنسي أو شهوة.

لنأخذ مثلاً الشّهادات الواردة في هذا الملف: الملاحظُ أنّها تمّت بأسماء مستعارة. ماذا نفهم هنا؟ ببساطة، نستوعبُ أنّه حدث تصالحٌ مع الذّات، ولكن لم يقع بعدُ تصالح مع المُجتمع. هنّ يعرفن أنّ هناك خطُورة عليهنّ. وثمة بالضرورة رهاناتٌ، يسعين إلى حفظها، منها استقرارهن الاجتماعي، واستقرارهن في عملهم ونظرة الآخر لهن، فهناك من قد يعتبرها سهلة المنال بفعل ذلك…

ومنه، يفيدُ بنزكور بضرورة ملاحظة، أنّهن في أغلب تصريحاتهنّ، ركزن على أنّهن قمن بعلاقة جنسية طبيعيّة، لكن في ظلّ تخفٍّ عن المجتمع. إنهنّ يعدن اجترار الصراع الذي تعيشه غالبية المجتمع المغربي. إنهن، بشكل ما، يجعلننا نعثُر على تلك الازدواجية التي تحكمنا في كلّ شيء. يمكن القول إنّها طبيعة كلّ مجتمع يعيشُ مرحلَة انتقاليّة من مجتمع تقليديّ محافظ، نحو مجتمع حداثِي ومجدّد، وتنعكسُ على أفراده.

مع ذلك، بنزاكور يعدّ مقاومة الذّكورية تفكيراً جميلاً وجيدا… أن تحملنه الفتيات، وأن يرفضن تدخل الثقافة الأبوية في حياتهنّ واختياراتهنّ. غير أنّ الأخصائيّ ينظرُ إلى الأمر في كلّ سياقاته الممكنة، ولا يتمنى أن يتخذ الأمر نزوع ردّ الفعل، وإلاّ سيكون ذلك خطراً على المرأة، وتنفّذ أوامر الذكوريّة دون أن تدري… لماذا؟

يجيبُ المتحدّث: لأنّ المجتمع غير جاهز بعد لتقبّلها، وقد تصبح الفتاة مقصيّة داخل ذات المُجتمع وسينظُر إليها الجميع نظرة احتقار. الفتاة التي تواجه الذكوريّة بصفة رسميّة لا خوف عليها، لأنها واعية بهذه الحرب التي تخوضها. لكن أن تقاوم الذكوريّة بشكل من التّخفي، فهذه مخَاطرة قد تجعلها ضحية لتلك الذّكوريّة التي… تقاومها!

في الجزء الثاني، سنقدم شهادات أخرى مصحوبة بتفسيرات جنسانيّة وسوسيولوجيّة لهذا الاختيار!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

  1. leyona

    good

  2. tajrib

    good

  3. jalal

    fatiha

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *