×
×

الأراضي السلالية: حين أوشكت القبائل على الانفجار في وجه الدولة المغربية! 2\3

تابعنا في الجزء الأول (تجدون رابطه في أسفل المقال) أصل مشكل الأراضي السلالية مع الاستعمار، وصعوبة حلحلة المشكل إبان عقود من الاستقلال بفعل الفوضى في التدبير.
في هذا الجزء، نرصد تراكم الخروقات والقضايا بكلّ جهات المغرب بخصوص ملف الأراضي السّلاليّة، حتى أصبح السّلاليون بركانا وشيك الانفجار يهدد باحتقان اجتماعي… فتدخلت الدولة.

خلال العشرية الأولى للقرن الحالي، وبعد “ثورات الربيع الديمقراطي”، أصبح الملف في صدارة المواضيع السّياسية والاقتصادية والاجتماعية… سيما حين لوحظ أنّ الاهتمام بالعقار يتزايد، بالخصوص العقار التابع للجماعات السلالية.

خروقات بالجملة

تجدر الإشارة أنّ الاختلالات التي سنعرضها في هذا الصدد، تعود إلى ما قبل القانون الجديد 17-62.

أثناء البحث في هذا الملف، وجدنا أنّ هناك شواهد إداريّة مُنحتْ من طرف السّلطات، دون أن تمرّ من المراحل القانونيّة المنصوص عليها، ولم تُعرض على نواب أراضي الجموع من أجل دراستها وإبداء الرأي فيها، واعتبر ذووا الحقوق بأن في ذلك انتهاكا لحقوقهم، كما حدثت ابتزازات كثيرة لسلاليين، بهدف دفعهم للتّوقيع عن شهادات للتفويت بالغصب.

يرى بعض السلاليين أنّ الصّراع يضمرُ بين طيّاته ما هو سياسي، حيث سيطَرت وزارة الدّاخلية على الملف ونصّبت نفسها حكماً، واعتُبِر ذوو الحقوق قاصرين عن تدبير شؤونهم… وهذا مشكل بنيوي في ملف الأراضي السّلاليّة.

أخطر من ذلك، فتحديد الحدُود بين القبائل أدّى إلى مُواجهات عنيفة كادت تتطور لمجازر ونزاعات دمويّة بين الجماعات السلالية المتاخمة لبعضها، بنواحي إقليم الرّاشيدية مثلاً، ومناطق أخرى كثيرة من المغرب. حتى أن قبيلة أيت خباش بأسامر انقسمت إلى فئات، كلّ فئة تطالب بجزء من الأرض، كما يوضّح محمد حمدان، أحد ذوي الحقوق بالمنطقة لمرايانا.

أدت هذه المشاكل الكثيرة إلى وصول هذه الملفات إلى ردهات المحاكم. الباحث حميد الله زغنون قال في تصريح لوسائل إعلام دولية إنّ النزاعات التي “تتعلق بأراضي القبائل السلالية، وصلت بحسب الأرقام المتداولة، إلى أكثر من 7600 قضية معروضة أمام المحاكم حتى عام 2019، كما أنّ أهمية أراضي الجموع ومساحاتها الكبيرة، والتي لم تخضع للترسيم القانوني، تبيّن صعوبة ضبط هذا الملف من طرف السلطات”.

هناك وثائقُ تفويت تمّ التّوقيع عليها من طرف بعض النواب السّلاليين، من دون العودة إلى الجماعة المعنيّة. حدث هذا مؤخراً نواحي مدينة كلميمة، وهؤلاء النّواب يقبعون في السّجن الآن، وفق ما يشرحه بدر دجّان لمرايانا. إضافة إلى استيلاء أفراد على هكتارات هامّة للمنفَعة الخاصّة نواحي الغرب والقنيطرة.

كثير من النواب السلاليين أميّون ومسنّون، يخضعون للتّعيين في ظروف غامضة ولأسباب ريعيّة واضحة. جلّهم يسهل التّلاعب بهم أو التواطؤ معهم. باسم بعضهم، حدثت تفويتات لمافيا العقار بأثمنة بخسة، ضيّعت على الدّولة والجماعات السّلالية موارد مالية مهمة، كما حدث في أكادير وميسور في مطلع الألفيّة.

الحسين الملكي شرح الأسلوب “الماكر”، الذي تنهجه لوبيّات العقار في التفويت، عبر ما يسمى بالوساطة القانونية؛ إذ تتواطأ شركات العقار مع جماعات محلية ومؤسسات عمومية، فتقوم الجماعة المحلية بالحصول على الأرض بصيغة المنفعة العامة، ثمّ تعيد تفويتها لشركات العقار، بتحايل على القانون.

وجدت وزارة الداخلية نفسها في مأزق، خصوصاً حين انهارت ثقة القبائل بجدوى “الوصاية”. كيف لا؟ وأهم الأراضي تمّ الاستيلاء عليها من طرف لوبيّات العقار بأثمنة جد بخسة.

مافيات العقار ولعابها السائل على الأراضي السلالية جعلت الملف أكثر حساسيّة، حتى أنّ خبراء مثل الحسين الملكي رجّح سنة 2014 أنّ المسألة شائكة ولها خطورة أمنيّة على البلد.

بعد عرضّ كلّ هذه الخروقات، لابد من التنبيه إلى كون هذا الملف خضعَ، قسراً، للاستعمال السّياسي والسّياسوي معاً. فباتت الجماعات السلالية قنبلة موقوتة قد تنفجر في وجه الدولة في أي وقتٍ ممكن، وقد يحدث الصدام بين القبائل فيما بينها أو بينهم والدّولة، وهو ما دفع الدولة إلى التدخل سريعاً لاحتواء الوضع.

الدولة واحتواء الوضع

من أجل تهدئة هذا البركان وشيك الانفجار، الذي أساء إلى جوهر السّياسات العموميّة. ارتأت الدولة ضرورة إدماج هذه الأراضي في عجلة التنمية الاقتصادية للبلد، وخلق استفادة أكبر للاقتصاد الوطني عبر استغلال هذه الأراضي.

لذلك، أطلق المغرب سنة 2014 حوارا وطنيًّا يهمّ هذه الأراضي السّلالية. تمخّض عن هذا الحوار، مرة أخرى، توصيات، لكن… يبدو هذه المرّة، أنها لن تكون حبراً على ورق كما جرى من قبل مع المناظرة الوطنية المنعقدة سنة 1995.

مراجعة الترسانة القانونية، كان من أهمّ التوصيات التي خرج بها الحوار الوطنيّ.

دخل الملك محمد السادس على الخط، وخلال المناظرة الوطنية للعقار سنة 2015 بالصّخيرات، طالب، في رسالة موجهة إلى المشاركين، بإيجاد حل نهائي لإشكالية الأراضي الجماعية والسلالية، وجعل الأراضي السلالية مساهمة في التنمية، في إطار مبادئ الحق والعدالة الاجتماعية. كما دعا إلى تمليك الأراضي الجماعية لذوي الحقوق مع مجانية التمليك، إلى جانب إعادة النظر في التدبير المؤسساتي لهذا القطاع العقاري.

كانت الانطلاقة الفعليّة “للإصلاح” واردة في خطاب الملك محمد السادس في أكتوبر 2018؛ إذ كانت خطوة هامّة لإعادة صياغة النصوص القانونية المنظّمة للأراضي والجماعات السلالية، بغاية جعلها حلقة ضمن مسلسل الأوراش التنموية الكبرى.

صدر قانون 62.17 المتعلق بالوصاية على الجماعات السلالية، وقانون 63.17 المتعلق بمسطرة التحديد الإداري والمتدخلين في عملية التحديد لأراضي الجماعات السلالية، وأخيرا القانون رقم 64.17 الذي غيّر بعض مقتضيات الظهير المنظم للأراضي الواقعة بدوائر الري.

نص القانون 17-62 على وضع شروط لاكتساب عضوية في جماعة سلالية، فنص المرسوم رقم 937-19-2 في المادة الأولى منه على أن إعداد لوائح أعضاء الجماعات السلالية، ذكوراً وإناثًا، يجب أن يستند على معايير ثلاثة وهي:

1ــ الانتساب للجماعة السلالية المعنية؛

2ــ بلوغ سن الرشد القانونية؛

3ــ والإقامة بالجماعة السلالية.

من أهم المكتسبات التي جاء بها القانون الجديد، هو الاعتراف بحق المرأة في الأرض، فضلاً عن تحديد سنّ الاستفادة في 18 سنة، بعدما كانت الاستفادة في السابق، تشمل حتى الأطفال في عمر اثنتي عشرة سنة، وكذلك التدبير والتنظيم القانونيين لتعيين نواب الجماعة السلالية. ذلك أنّ القانون حدّد أنه يتمّ اختيار نواب الجماعة السلالية، الذين لا يمكن أن يتجاوز عددهم عشرة أفراد، إما بانتخابهم أو باتفاق الأعضاء في الجماعة السلالية، أو بتعيينهم بقرار عاملي.

أمّا المشكل الذي لازال مطروحاً إلى اليوم، فيتعلّق ببند الإقامة. يقول بدر دجان، وهو أحد المرشحين لنيابة الجماعة السلالية بكلميمة، إنه “لابد أن يستفيد حتى من انتقل إلى العيش في مكان آخر داخل المغرب أو خارجه، لأنه يتحدّر من الجماعة السّلالية وينتمي إليها. لهذا، لا يجبُ أن يحرم من حقّه في الأرض”.

دجان يؤمنُ بالعدل في كليّته كما يقول، لذلك هو يرى أنّه “حتى من جاء للجماعة السّلالية وأقام فيها وساهم في حركيّتها وتنميّتها، لابد أن يستفيد أيضاً”.

أمّا أحمد كنون، رئيس الهيئة الوطنية للجماعات السلاليّة، فيقول إنّ “الهيئة وضعت تأويلاً ديمقراطيًّا لبند الإقامة الوارد في القانون الجديد، مراعين في تأويلنا موقفا ثابتا وواضحا، يهمّ علاقة الترابط والارتباط الوثيق بين الجماعة السلالية والمنتسبين إليها بغير الانتفاع منها أو الإقامة بها”.

وفق ما أكده كنون لمرايانا، فإنّ السّلطات المحلية “في بعض المناطق رحّبت بتأويلنا، ولازلنا نستمرّ في تكريس التنسيق مع سلطات الوصاية لتجنب فرض هذا الإجراء، لأنه ليس من الممكن القبول بالتمييز أو بتجريد ذوي الحقوق من حقّهم، فقط لأنّهم هاجروا من الجماعة السّلالية”.

فيما يتّصل بأهم نقطة، وهي تمليك الأراضي السلالية لذوي الحقوق، فمدير الشؤون القروية بوزارة الداخلية عبد المجيد الحنكاري، يشرح في حوار له مع جريدة الأخبار: “لنأخذ مثلاً حالة شخص من ذوي الحقوق شرط أن يكون سلاليًّا. نفترض أن هذا الشخص تم إحصاؤه في لائحة ذوي الحقوق وتمت المصادقة عليها من طرف السلطات المختصة. ونفترض أنه يستغل قطعة أرضية فلاحية، ليست رعوية وليست واقعة داخل المدن أو الضواحي وليست مسقية (أرض فلاحية بورية). ونفترض أن هذه القطعة يمكن أن تشكل استغلالية فلاحية تساعده في العيش الكريم.

إذن، وفق القوانين الجديدة، فإن هذه القطعة الأرضية تشكل نواة التمليك. في هذه الحالة، نقوم بربط الاتصال بهذا الشخص، لأنه وفق القوانين السابقة، له فقط حق الانتفاع، وهذا الحق لا يباع ولا يشترى، ونقترح عليه الحصول على ملكية هذه الأرض مجانا بدون مقابل. ولكن بشرط تجويدها والرفع من قيمة الاستغلال، فبمجرد استغلال هذه الأرض يصبح الشخص مالكا لها، وبعد سنة أو سنتين يحصل على رسم الملكية العقارية”.

ستكون، إذن، الملكيّة مرتبطة باستغلال الأرض. الحنكاري يضيف، موضحا: “لماذا نقترح مدة معينة للاستغلال، قبل التمليك؟ حتى لا نشجع المضاربة العقارية والريع وحتى لا نشجع التمليك من أجل التمليك فقط، لأن الهدف الأسمى من عملية التمليك هو خلق الثروة ومناصب الشغل، وخلق دينامية فلاحية بالعالم القروي”، يقول مدير الشّؤون القرويّة.

لم يقبل كثيرون بهذه الإجراءات، واعتبروا أن ذلك إن كان ممكنا من النّاحية القانونية، فهو مستحيل من الناحية العملية في الميدان في مناطق كثيرة. ذلك أنه لازال هناك تضارب في المصالح، بل رجّحوا أن ذلك بمثابة إدامة لعصب المُشكل.

في الجزء الثالث والأخير، نرصد حالة المرأة السلالية والحق في الأرض، بين العرف والقانون.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *