×
×

ملف الأراضي السلالية: أحد أعقد ملفات المغرب المعاصر! 1\3

الأراضي السّلالية، كما جاء في الدليل الصادر عن مديرية الشؤون القروية، الصادر عن وزارة الداخلية، هي تلك الأراضي التي تمتلكها بصفة جماعية مجموعات من السكان المنتمين لأصل واحد أو سلالة واحدة؛ و، لذلك، تختص بمنفعتها تلك القبائل من أجل الرعي أو الحرث أو الكراء… أو التّمليك لذوي الحقوق لاحقاً.

حسب المعطيات الرّسمية، فإنّ الأراضي السلالية تشكّل وعاءً عقاريًّا في المغرب تقدر مساحته بـ15 مليون هكتار، فيما يصل عدد الجماعات السلالية على المستوى الوطني إلى حوالي 4563 جماعة، وعدد أعضائها إلى حوالي 10 ملايين شخص.

الاستعمار: من الخيمة خرج مائلاً؟ 

ابراهيم فوكيك، الباحث في تاريخ الأراضي السّلاليّة، يرى أنّ ملف هذه الأراضي خضع لسوء التدبير منذ وضع الإطار القانوني الذي يعنى بتنظيم وإدارة الأراضي الجماعية، خصوصا ظهير 27 أبريل 1919.

يضيفُ فوكيك، في حديثه لمرايانا، أنّه لابد من التأكيد على الطبيعة العسكريّة الأمنيّة لهذا الظّهير. لذلك، طُرح السّؤال: كيف يمكن الوصول إلى أراضي القبائل لتحقيق الهدف الرئيسي للاستعمار الفرنسي، دون التسبب في توترات كبيرة أو مواجهات عنيفة مع القبائل؟ في نفس الوقت، كيف يمكن الحدّ من وصول المعمرين من الدول الأجنبية الأخرى إلى هذه الأراضي العذراء والخصبة؟

 

بحسب فوكيك، فإنّ الوصول إلى أراضي القبائل المغربيّة، شكّل هدفاً أساسيًّا للوجود الفرنسي بالمغرب. وعت فرنسا جيداً أنها لا تستطيع مصادرة هذه الأراضي دون حدوث ردود فعل قوية من القبائل. الأراضي التابعة للمجتمعات القبلية لم تكن مخصّصة لمعاملات السّوق، فهي لا تباع ولا تشترى. كما أنها ليست مخصصة لعقود الكراء حينها.

لكن الاستيلاء غير المتناسب على الأراضي القبلية كان يهدد بإثارة توترات داخلية خطيرة وردود فعل خارجية قوية.

فرنسا، رغم كل شيء، كانت محكومةً بمنطق وروح “معاهدة الحماية” الموقعة في 30 مارس 1912، حيث سلطات الحماية مطالبة، مبدئيًّا، بـ”إدخال عديد من الإصلاحات على مؤسسة المخزن العتيقة”. لكن، في مسائل الأرض، يجب الاعتراف بحقوق الأراضي “على أساس قواعد وممارسات الأرض المطبّقة في المملكة الشّريفة قبل عام 1912″، يقول المتحدث.

السلطات الاستعماريّة، وفق فوكيك، فطنَت إلى عدم تكرار تجريد القبائل من أراضيها، كما حدث في الجزائر، إذ أدّى اقتلاع السكان والنزوح الجماعي من الريف إلى نشوب اضطرابات خطيرة في كل الجزائر. لذلك، في المغرب، سيكون لإعادة إنتاج السياسة الاستعمارية الجزائرية عواقب أكثر خطورة.

بهذا المعنى، يشكّل طرد السّكان من أراضيهم تهديداً بإمكانيّة أن تتقوّى صفوف القبائل “المتمردة” في ذلك الوقت، لا سيما في الريف والجنوب والجنوب الشرقي للمغرب، وقد يزيد المساس بحرمة تلك الأراضي من تأجيج النضالات المسلحة.

لجأت فرنسا إلى تقنين أراضي القبائل لكي تقطع الطريق عن المواطنين غير الفرنسيين من الوصول إليها، فالالتزامات الدولية لا تسمح لفرنسا بالتمييز بين مواطنيها ومواطني القوى الكبرى الأخرى، المنخرطة في “سياسة الباب المفتوح”، ومؤتمر الجزيرة الخضراء.

لا تستطيع القوة الاستعمارية، وفق فوكيك، أن ترفض لمواطني الدول الأجنبية ما هو مسموح به للمستوطنين الفرنسيين، من حيث حيازة الأراضي وبيعها، مثلاً. والانفتاح غير المعقلن وغير المنظّم لمعاملات ملكية الأراضي، يهدد بالتسبب في تدفق أعداد كبيرة من المستوطنين من قوى أجنبية أخرى، ولا سيما السويسريين.

يجمل الباحث بأنّ أندريه مسورور، الضابط السابق في تاهلة، أثار هذه المسألة سنة 1921،حين اعتبر أن الاتّحاد السويسري، برأسمال هائل، يشكل تهديداً خطيراً للأراضي المغربية. هذا القيد هو حجة إضافية لعبت لصالح قرار الحماية الفرنسية باختيار الحماية القانونية لما يسمى بالأراضي “الجماعية”. تلك الحماية التي تجلّت في ظهير 27 أبريل 1919

تعترف المادتان الأولى والثانية من الظهير للقبائل و”الفخدات”، بالملكية الكاملة لأراضيها ومنحها وضع الشخصية الاعتبارية. لكن تحت مراقبة الدولة، في شخص مجلس الوصاية، وتخضع لإمكانية نزع الملكية للمنفعة العامة.

من هذه الازدواجيّة بدأ المشكل بنيويًّا.

استمرار المأساة

بين عامي 1919 و1963، تمّ وضعُ عدّة ظهائر تروم تعديل وإلغاء بعض مواد هذا النّص. لكن،لم تعدّل لا فلسفته ولا جوهره في فرض وصاية الدولة على الأرض… هكذا، استمرّ “الحيفُ” واستمرت “المأساة”.

نعرضُ باقتضاب شديد، بعض الظّهائر التي عدَّلت ظهير 27 أبريل 1919 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية، بغية ضبط شؤون الأملاك الجماعية.[1]

ظهير 14 دجنبر 1920 (منشور بالجريدة الرسمية عدد 402 في 11 يناير 1921): الذي حدَّد القانون المطبق على تفويتات بعض الجماعات السلالية.[2]

ظهير 16 مارس 1926 (منشور بالجريدة الرسمية عدد 702 في 6 أبريل 1926) الذي غيَّر الفصلين 7 و8 من الظهير ونص على إمكانية تفويت حق التَّصرف في الجماعات السلالية بشروط.[3]

ظهير 29 يوليوز 1927 (منشور بالجريدة الرسمية عدد 774 في 23 غشت 1927) ونص على إمكانية استعمال مداخيل أكرية العقارات الجماعية في صفة عطايا للشركة الأهلية التي تختص بها الجماعة السلالية المعنية. [4]

ظهير 4 فبراير 1928 (منشور بالجريدة الرسمية عدد 805 في 27 مارس 1928) والذي أضاف ما يسمى بالإتفاقات في المخالطات الفلاحية كطريقة أخرى لاستغلال الأراضي السلالية.[5]

ظهير 11 أكتوبر 1937 (منشور بالجريدة الرسمية عدد 1313 في 24 دجنبر 1937) الذي أجاز تفويت الأراضي السلالية للدولة لإنجاز عمليات ذات مصلحة عمومية.[6]

ظهير 19 مارس 1951 (منشور بالجريدة الرسمية عدد 2051-18 بتاريخ 15 فبراير 1952) الذي أجاز للدولة اقتناء عقار جماعي بشرط المراضاة إذا اتفقت الجماعة ومجلس الولاية وإلا بنزع الملكية في حالة العكس. [7]

بعد حصول المغرب على الاستقلال، بادرت السلطات إلى إجراء تعديلات أخرى على ظهير 1919، قصد ملاءمته مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لمغرب ما بعد الاستقلال، وهذه التعديلات تمت بـ:

ظهير 28 يوليوز 1959: الذي أعطى الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية لوزير الداخلية. [8]

ظهير 30 يونيو 1960: الذي تم بموجبه فسخ التفويتات التي جرت استنادا على ظهير 19 مارس 1951. [9]

ظهير 6 فبراير 1963: الذي نظَّم مسطرة التقاضي بخصوص نزاعات الأراضي السلالية. [10]

ظهير 26 مارس 1963: الذي تمَّ بموجبه استرجاع الأراضي الجماعية التي كانت في ملكية المعمِّرين.

بالرّغم من كلّ هذه التّعديلات، حدثَ تعويم للنقاش، وظلّ “الظلم” و”الفوضى” موجودان، وظلت التّهمةُ موجهة دائماً… لظهير 1919.

بقي ضبط تدبير شؤون الأملاك الجماعية وتفويتها غير قابل للتقادم ولا للحجز ولا للتفويت (البيع) باستثناء الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية أو الجماعات السّلالية.

غير أنّه ثمّة نقطة مهمّة نبّه إليها الراحل الحسين الملكي، المحامي بهيأة الرّباط، في إحدى مداخلاته ضمن برنامج “مواطن اليوم”، وهي أنّه، ابتداءً من 1997، أصبحت مديريّة الشؤون القرويّة بوزارة الداخلية، تحلّ محلّ مجلس الوصاية… لذلك، حمّلها كلّ المسؤوليّة فيما حدثَ من فوضى باسم الملف في مطلع الألفيّة.

قبل ذلك، عاب الحسين الملكي، في مقال له على جريدة العلم، على القانون المنظم للوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وضبط تدبير شؤون الأملاك الجماعية وتفويتها، استعمال مصطلح “الوصاية”. وهو مصطلح، في رأي الملكي، له حمولة قانونية، بما تعني من نقصان الأهليّة لشؤون الجماعات وبما يتعارض مع قيم حقوق الإنسان الأساسية وقيم المواطنة.

لذلك، اقترح الملكي استبدال المصطلح بعبارة أقل حدة، من قبيل “النيابة القانونية” أو “الوكالة القانونية”، بما يعنيان من مفهوم يتلخص في التدبير التّشاركي للأراضي الجماعية.

هكذا، ظلّ ملف الأراضي السّلالية معقّدا وشائكاً ويحدثُ تصدّعاً. والأدهى حدثت كوارث تنمويّة وأمنيّة بسبب هذا الملف، فشكّل خطراً على السّلم الاجتماعي للبلد. كيف ذلك؟

هذا ما سنراه في الجزء الثاني من هذا الملف.

هوامش:

[1]المدونة القانونية المغربية، مقال:قراءة في القانون رقم 17-62 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها.

[2] المرجع نفسه.

[3] نفسه.

[4] نفسه.

[5] نفسه.

[6] نفسه.

[7] نفسه.

[8] نفسه.

[9] نفسه.

[10] نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *