×
×

من البحرين، محمد الصياد يكتب: أوروبا حُبلى… والوليد الموعود مجهول الأصل والهوية

أوروبا التي لطالما عرفها العالم، تبدو وكأنها تشارف على الاختفاء. وهناك كثيرون في هذا العالم من الذين ذاقوا مرارات هذه القارة، ربما يسارعون للرد على مثل هذه الفرضية، بالقول إن هذا ليس سيئاً على أية حال.

الدكتور محمد الصياد اقتصادي بحريني
محمد الصياد (*)

أوروبا كانت ولازالت تسمى القارة العجوز، والتي أخذت اسمها من النسبة المرتفعة لكبار السن مقارنة بالتعداد الكلي لعدد سكان القارة “Aging population”؛ وقِدَم حضاراتها، كالإغريقية والرومانية والبيزنطية؛ وانتمائها أصلا للعالم القديم، مثلها مثل قارة آسيا وإفريقيا.

ومادام الشيءُ بالشيءِ يُذكر، فسوف نتذكر هاهنا كيف غضبت فرنسا، وإلى حد ما ألمانيا حين عيَّر وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد في مارس/ آذار من عام 2003، أوروبا، بنعته إياها بالقارة العجوز، رداً على موقفها الرافض للمشاركة في غزو العراق. والواقع أنها قارة كهلة وتزداد كهولة، وذلك برسم البيانات الإحصائية للمنظمات الدولية.

في سبتمبر/أيلول من عام 2006، كان الاقتصادي الأيرلندي ديكلان كوستيلو “Declan Costello”، وزميله الاقتصادي الإيطالي المتخصص في استدامة المالية العامة، جوزيبي كارون (Giuseppe Carone)، قد توقعا، في بحث أعداه لصالح صندوق النقد الدولي، بأن تتضاعف نسبة المتقاعدين إلى العمال في أوروبا بحلول عام 2050، من أربعة عمال لكل متقاعد إلى عامِلَين لكل متقاعد. كما توقع ويليام فراي –  “William H. Frey، المحلل في معهد بروكينغز للأبحاث “Brookings Institution”، أن يزداد متوسط العمر في أوروبا من 37.7 عاما في 2003 إلى 52.3 عاما بحلول عام 2050، بينما سيرتفع متوسط عمر الأمريكيين إلى 35.4 عاما فقط، (هذا المتوسط المنخفض في أمريكا، صار ممكنا فقط، بطبيعة الحال، بفضل المهاجرين من أمريكا اللاتينية على وجه الخصوص). أما ماير جيوجيجان كوين “Máire Geoghegan-Quinn”، المفوض الأوروبي السابق للبحوث والابتكار والعلوم، فقد أدلى بتصريح في عام 2014، قال فيه بأنه بحلول عام 2020، ستكون أعمار ربع سكان أوروبا عند مستوى 60 عاما أو أكثر. وسيؤدي هذا التحول في التركيبة السكانية إلى تغيير جذري في الاقتصاد وسوق العمل والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي. أيضا، فإن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تقدِّر بأن أعمار 39% من القوى العاملة في أوروبا تتراوح ما بين 55 و65 سنة.

لذلك يقال بأن أوروبا حُبلى بشيء ما، لا أحد يعرف ما هو، هل هي الحرب أم هو السلام؟ هل هي تتجه شرقا أم غربا، باتجاه الشمال أو الجنوب؟ هل ستكون ولادتها جنيناً ميتاً أم نهضة ثانية؟ هل هي البداية أم هي النهاية؟

باختصار، لدى أوروبا شيءٌ ما يبدو أنها مصممة على إخراجه. الحديث لا يتعلق بالماضي الذي يجب أن تنساه الى الأبد، نحن بصدد الحاضر الذي سيولد منه المستقبل الأوروبي المجهول. القارة ذاتها تبدو مائعة، مُنبِئة بنذر القادم المنتَظَر. قبالتها تبدو القارتان، الآسيوية والإفريقية، اليوم، من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، أقرب لبعضهما البعض من أي وقت مضى؛ كما أن الولايات المتحدة لم تعد بعيدة كما كانت من قبل. أما أوروبا التي لطالما عرفها العالم، فتبدو وكأنها تشارف على الاختفاء. وهناك كثيرون في هذا العالم من الذين ذاقوا مرارات هذه القارة، ربما يسارعون للرد على مثل هذه الفرضية، بالقول إن هذا ليس سيئاً على أية حال.

يثير فضول المراقب لتحولات بلدان هذه القارة العجوز منذ أواخر القرن الماضي، تحول الكتل السياسية في بلدانها، بلدا بعد آخر، إلى ما يشبه الرمال المتحركة. فكل اقتصاد من اقتصاداتها متماسك “بفضل” أدوات مالية مشكوك فيها، وقوانين شريرة مناهضة لقوة العمل النشطة اقتصاديا واتحاداتها النقابية، وأيضا “بفضل” سياسات التقشف والاستدانة بلا سقوف، وطباعة النقود الحكومية الإلزامية “Fiat money”، من دون أن يتوفر لها أي غطاء من الذهب أو الفضة أو الإنتاج السلعي. ما يعني افتراضاً نزع شرعية الرأسمالية الأوروبية. ليس هذا وحسب، بل إن القارة العجوز حاولت حل مشكلة كهولتها باستغلال المهاجرين. لكن هؤلاء سرعان ما تحولوا هم أيضا الى كبش فداء لتلك الكتل السياسية المتناطحة، التي تعلم علم اليقين أن المشكلة لا تكمن في المهاجرين الذين أصبحوا هدفاً للرأسمالية الأوروبية في طورها المتغول عنصريةً ووحشية، وإنما في انخفاض معدل المواليد، وتواطؤ المخمليات الليبرالية مع بيروقراطيات السلطة الرأسمالية، في دفن ثقافة التنوع المعادِلة للديناميكية، وإعادة بعث ثقافة الرجل الأبيض الاستثنائي، أو الرجل الخارق، السوبر مان الذي روج له الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، لتغدو أيديولوجية النازية والفاشية فيما بعد. وهي أوهام تجاوزتها الغالبية الساحقة من المجتمعات الجديدة الصاعدة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

لكن أوروبا القرن العشرين تتشبث بالقرن الحادي والعشرين مثل رجل يائس يتمسك بأحزمة الحياة. أيديولوجية الإمبريالية، متمثلة في الرجل الأبيض، والحرب الباردة، المقرونة بالهستيريا البيضاء، لا تريد أن تغرق في نهاية المطاف. كذلك هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأوروبية (الاتحاد الأوروبي). ومع ذلك، فإن القرن الحادي والعشرين لا يستطيع تحمل ثقل أوزان هؤلاء الأوروبيين المتغطرسين. فإذا لم يطردهم القرن الحادي والعشرون، فلسوف يغرق هو نفسه أيضًا. وإذا أراد القرن الحادي والعشرون أن يولد فعليه رفضهم. وهو ما يفعله على كل حال. المهاجرون والانتخابات يفعلان ذلك أيضا. لأنهما قابلة الطفل الأوروبي الجديد، بغض النظر عن طبيعته وهويته. ومع ذلك، لا تشكّوا في ذلك مطلقا: المهاجرون سيتولون إعادة تمدين أوروبا وتحضرها، والانتخابات تقوض أوروبا.

إهالة التراب على الليبرالية الأوروبية المتعجرفة

لقد شكل الشيوعيون والفاشيون والديمقراطيون المسيحيون، الجزء الأكبر من القرن العشرين الأوروبي. لقد ذهبوا جميعًا الآن، وفي الفراغ لا يوجد شيء سوى المهزلة. لكن هناك مخطط لشيء مختلف.

يتدافع رفض الأوروبيين لليبرالية ونسلها النيوليبرالي. لكن الأحزاب السياسية الجديدة أو البديلة، سواء من اليسار أو اليمين الراديكاليين، التي يصوتون لها، لم تُصب سوى الفشل في الارتقاء إلى مستوى بياناتها النقدية. النقطة المهمة هي أن 50% أو أكثر من الأوروبيين قد سئموا من الرأسمالية الليبرالية. وهذا يعني أنهم سئموا من الاتحاد الأوروبي. إنما ما الذي سيتمخض عنه ذلك؟ هذا ضرب تخمين لأي مراقب.

نظرة خاطفة على بانوراما السياسة في أوروبا الآن، ستكشف لنا عن تناقضات فوّارة. برلمانات مُعلقة “Hung parliaments”، وتحالفات كبرى للتحايل على أزمة نخب حاكمة، ودولة أمنية تتزين بديمقراطية دولة موجهة “State controlled democracy”، وانفصاليون نزقون، وردة قاتمة نحو أيديولوجيات زمن الوحشية، العنصرية والنازية والفاشية، عنوانها. الأحزاب السياسية الجديدة وتلك التي تم نبذها من قبل، تعمل على إعادة إنتاج ذات السرديات المستَهلكة. وأقوى هذه الأحزاب هي تلك التي تشكك في كيان الاتحاد الأوروبي.

حزب البديل في ألمانيا، بوديموس “Podemos” في إسبانيا، سيريزا “Syriza” في اليونان، حزب القانون والعدالة “Law and Justice Party” في بولندا، حزب الحرية في النمسا “Freedom Party”، حزب فيدس في المجر “Fidesz Party”، حركة خمس نجوم في إيطاليا “Five Star Movement”، والتجمع الوطني “National Rally” في فرنسا، كلها ​​أحزاب ساهمت في إهالة التراب على الليبرالية الأوروبية المتعجرفة.

وعندما تضيف إلى هذا المزيج القديم من المناهضين للإمبريالية مثل حزب الشين فين “Sinn Féin” في إيرلندا، والامبرياليين الجدد مثل حزب الجمهورية إلى الأمام “La République en marche”، في فرنسا برئاسة إيمانويل ماكرون، فإن مفهوم الأوربة يصبح مضطرباً ومعطوباً. ويكمل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتمرد إقليم كاتالونيا الأسباني، وحزب رابطة الشمال الإيطالي، والمتطرفون الماليون في هولندا وفنلندا، صورة الفوضى السياسية الأوروبية؛ والوحدة الهشة القائمة، والتي ستتحول قريبا إلى شيء من الماضي.

مؤخرًا، لخص الرئيس البولندي أندريه دودا الأمر بشكل مثير ولعله فاضح، عندما قال إن الاتحاد الأوروبي يشبه “قوة احتلال في بولندا”. وهذا هو بالضبط الشعور الذي ينتاب معظم الأوروبيين العاديين تجاه الاتحاد الأوروبي اليوم، وهم لذلك يريدون الخروج منه. إنهم يريدون شيئا جديدا.

الطبقة السياسية التي تحتكر السلطة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، والتي ذُعرت من صعود قوى تجرأت على المساس برمز قداستها، الرأسمالية الليبرالية، سارعت لشحذ سكاكين آلتها الدعائية لمهاجمة هذه القوى المناوئة للهيكلية الأوروبية التقليدية، فرمتها بأقذع الأوصاف التسقيطية، مثل الشعبويين الأغبياء، وأعداء أوروبا، والمتطرفين الأغبياء.

لكن هذا القذف التشهيري لم يصمد طويلا أمام الحقائق، لأنه يجيء من صوب إمبراطورية أوروبية ليبرالية تقوم على الحروب الخارجية والمذابح الخارجية. إنه يأتي من ليبرالية عنصرية بطبيعتها. هي لعبة تَلعب طوال الوقت على المخاوف الشعبية، مثلها مثل كليشة الحرب على الإرهاب، على سبيل المثال. إنها الليبرالية التي جسدت ذاتها في الداخل والخارج باعتبارها رمزاً لسياسات التقشف والحروب. إنها هي الأخرى غبية، الصفة التي ألصقتها بمنافسيها الخارجين من تحت عباءتها، بل هي بالإضافة الى غبائها، مجرمة بكل المقاييس.

في حقيقة الأمر، فإن الليبراليين “الموالين لأوروبا” هم الأكثر غباءً في أوروبا. إنهم من يدافعون عن القيادة الأمريكية، ومن أجلها يلعبون الروليت الروسي مع روسيا بدون توقف. إنهم المتطرفون المتعصبون الذين يعرضون حياة الأوروبيين للخطر اليوم. لقد دفعت حلول السوق والحلول العسكرية بأوروبا إلى مستنقع غير عقلاني. مستنقع يكون فيه “اليمين المتطرف” أكثر منطقية من “الوسط المتطرف”.

وعلى الرغم من أن أقصى اليسار يبدو الأكثر عقلانية بين أحزاب النخبة الأوروبية الحاكمة، إنما في ظل الشعور بالوقوع في مستنقع الغرق يكون تلبد الغيوم، لا مناص منه. ولما كان الغضب راح يعتمل في نفوس معظم الأوروبيين جراء شعورهم بأن الدولة ونخبتها الحاكمة وبنوكها ومؤسساتها تسرق جيوبهم، فقد ارتفعت شهيتهم للمواجهة. لكن مشكلة الأوروبيين الناقمين، أنهم مقسمون طبقيا بين شرق/غرب من ناحية، وشمال/جنوب من ناحية ثانية. في الشرق والشمال يسود الاتجاه اليميني الذي اختار المهاجرين ليكونوا كبش فداء لفشل بلاده في وقف تدهور أحوال مواطنيها. بينما يميل الغرب والجنوب ناحية اليسار الذي يركز على الضفاف ويترك المنبع والمجرى والمصب. ولكأن الواحد منهما يكمل الآخر، اليمين يكمل اليسار.

ورغم الضجيج والصخب الذي تثيره أحزاب النخب الأوروبية الحاكمة، يمينها ويسارها، خصوصا في مواسم التناطح الانتخابي، فإن سبيلها الوحيد للخروج من هذا المستنقع، ومن عنق الزجاجة، هو الهجرة. فأوروبا غدت كما أمريكا، موطن المهاجرين من كل أصقاع الدنيا، حتى بات المهاجرون يشكلون اليوم أساس المجتمعات الأوروبية. إنهم الطبقة العاملة الأساسية التي تقوم عليها أوروبا بأكملها الآن. الأمر لا يتعلق فقط باللاجئين السوريين الذي احتلوا عناوين الأخبار في أوروبا والعالم بعد عام 2013 وما بعده بسبب الحرب الكونية التي شنها الغرب ضد سوريا لتغيير نظامها الحاكم؛ وإنما بملايين اللاجئين الاقتصاديين الذين ظلوا بعيدين عن عناوين الأخبار الرئيسية، والذين جاؤوا الى أوروبا من كل حدب وصوب، من الفلبين والصين والبرازيل ونيجيريا والبلدان المغاربية، وبلدان شبه القارة الهندية (الهند، باكستان، بنغلاديش، نيبال، بوتان، سريلانكا وجزر المالديف)، وغيرها من البلدان المنتمية لقارات شعوب الدول النامية الثلاث: آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

في البدء، كان هذا واضحا بشكل جلي في باريس ولندن. أما الآن، فكل من وطأت قدماه مؤخرا أراضي البلدان الأوروبية، بما فيها بلدان الشمال الاسكندنافي، سيجد أن احتلال المهاجرين لمشهد الحياة اليومية، مُعمم في كل مكان تقريبا في أوروبا. من مدريد وبرلين ودبلن ومالمو وميلانو إلى مئات المدن الأوروبية الأخرى، صغيرها وكبيرها، التي صارت تصدح بثقافات ولغات بلدان العالم التي استعمرها ونهبها الأوروبي الأبيض على مدى أكثر من خمسمائة سنة، منذ عام 1415 حين دشن البرتغاليون عصر الاستعمار الأوروبي الطويل بغزو سبتة بالمغرب.

لقد غدت أوروبا اليوم بوتقة انصهار كما أمريكا. وعلى الضد من عجرفة متعصبي التفوق الأبيض في أوروبا، لا يمكن للقارة العجوز التخلص من لون بشرتها الجديد. ومع ظهور أوروبا الجديدة، فإن القارة التائهة، سوف تمتزج أكثر فأكثر مع قارتي إفريقيا وآسيا. فهنالك تحدث ثورة ثقافية بهدوء لا يعكره سوى نعيق النخبة الأوروبية المتعجرفة التي لازالت مسكونة بوهم تفوق العنصر الأبيض.

كانت أوروبا القرن العشرين بمثابة كارثة صُنعت في أوروبا. فلتنس أوروبا أمر الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأوروبية، ولتتحد مع العالم بدلاً من ذلك. وهذا سيحدث على أية حال سواء شاءت أوروبا ذلك أم لا. لكن، كلما أسرعت أوروبا في الوعي والتسليم بهذه الحقيقة، كلما كان تحولها إيجابيا وسلسا، وكان ذلك سببا لتسهيل تغيير العالم للأفضل. فالحقيقة المرة التي يجب أن تعيها نخبها السياسية، أن أوروبا تتفكك، وعليها التكيف مع الواقع، والعودة إلى ما كانت عليه من قبل على الدوام، بوصفها مجرد امتداد لآسيا وإفريقيا. انها ليست جزيرة، أو وحدة فريدة. إن شغيلة العالم من خلال هجرتهم إلى أوروبا ومزاولتهم لأعمالهم هناك، يثبتون ذلك. إن أوروبا التي ستولد لن تكون سوى أوروبا جديدة لا تحتمل ثقل ثقافة رجلها الكولونيالي البغيض. وهذا شيء يستحق الاحتفال به.

* محمد الصياد اقتصادي بحريني عمل سابقاً مستشاراً في وزارة النفط مسؤولاً عن ملف المفاوضات المتعددة الأطراف الجارية في إطار منظمة التجارة العالمية ومفاوضات تغير المناخ المتعددة الأطراف. صدر له حديثاً ترجمة لكتاب الاقتصادي الأمريكي جوزيف ئي ستيغليتز المعنون “السقوط المدوي – الأسواق الحرة وغرق الاقتصاد العالمي”.

 

مواضيع قد تهمك:

 

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *