×
×

قصص مغربيات خلعن الحجاب: أيّ “عقلنة” ممكنة لفكرة الحجاب؟ 2\2

تابعنا في الجزء الأول (الذي تجدون رابطه أسفل المقال) قصة نهيلة التي فرضَت عليها عائلتها ارتداء الحجاب، وقصة أمينة والقلق الذي صاحب قرارها في نزع الحجاب.
في هذا الجزء الثاني والأخير، نقدّم قصّة أسماء التي تعرّضت للتنمرّ والتحرّش واعتُبرت “فتاة سهلة” بعد نزع الحجاب. كما نقدم قصّة سلمى التي تعتبرُ نفسها محظوظة، والتي لم تواجه أية ردات فعل سيئة بعد قرارها.

أسماء: خلعتُ الحجاب وخرجت “الوحوش”!

أسماء الدريبي، 21 سنة، تقول إنّها نزعتُ الحجاب سنة 2018، بعد مدّة 16 سنة من ارتدائه. تقول أسماء لمرايانا إنّها كانت في البداية مكتفية بخلعه والخروج به إلى الشّارع. لكن “في إحدى المرّات، أردت أن أشارك “اللوك” الجديد على صفحتي. بمجرّد أن نشرتُ الصّورة الأولى لي بدون حِجاب، تعرّضت لسيل من التّحرش في الخاص. قال لي أحد أصدقائي متظاهراً أنه يمزح: “خلعتِ الحجاب. إذن، متى تنزعين سِروالك”. حذفتُ الصّورة مباشرة. آلمتني الرّسالة كثيراً وبكيت بشدّة. أحسست بجرح عمِيق للغاية”.

أسماء، تتوقف كثيرا عند ملاحظة أساسية، وهي أنها تعرّضت للتّحرش بشكل مضاعف من طرف الذّكور المقرّبين جداً منها. “كأنني كنتُ أعاشرُ وحوشاً نائمة وتفجّرت مكبوتاتها بمجرد أن أزلتُ الحجاب. لم أفهم ما الذي يحدثُ، وكنتُ أفكّر في العودة إلى ارتدائه. لكنّ إحدى صديقاتي شجّعتني على ألا أعير للأمر قيمة كبيرة، وبأنّ الأمر يتعلق بي وبجسدي واختياري وأني أنا من يقرر”.

تتابع أسماء بمرارة: كنتُ أناقشُها في مسألة علاقة شعري بما يحدث، وكيف سيثير شعري شهوة رجل آخر. إلى اليوم، لم أجد إجابة منطقيّة. الشخصُ المريض أو المكبوت ينبغي أن يبتعد عنّي، لا أن يقرّر في جسدي إن كان مباحًا أم لا. عائلتي إلى اليوم لم تتقبّل ذلك. حين كنتُ أحاول إقناع أختي الصّغيرة بانتزاعه، كانت أمي تخاطبني بعنف: “خلي عليك البنت… ماشي خرجتي الطريق وباغا تخرجيها معاك”. (دعي أختك وشأنها، ضلالك لا يعني أنه يحقّ لك دعوة الآخرين إليه).

الواضحُ أنّ ما تعرضت له أسماء من طرف أصدقائها الذكور يدخلُ ضمن التحرّش الجنسي، وهو وفق ما أكده باحثون لمرايانا، لا يتعلّق بالحجاب أو أي نمط متحرر من اللباس، لأنه خللٌ في التّربية والسّلوك يرتبط، حصرا، بالمتحرّش وشخصيته، ولباس المرأة ليس السبب إطلاقاً. لكن، في نظر المصطفى شكدالي،  القول، الذي يحمل أيضًا نوعاً من التنمر، يُظهرُ مجدداً ذلك التقابل المعروف، والذي يفيد أنّ الحجاب قد تكون له دلالة “السّتر” بالنّسبة للبَعض، أي تلك الدّلالة السّطحية المتعلّقة بالعفّة.

من جهتها، تقول سعيدة الزين، الباحثة في علم الاجتماع، إنّ شهادة أسماء تظهر تمثل بعض الرّجال للمرأة وسيطرة الذكوريّة على تفكيرهم وسلوكهم بشكل كليّ.

وفق ما تفيده الزّين لمرايانا، فإنّ هذه الشهادة تظهر الشرخ البيّن في التفكير الذي لازال، إلى اليوم، سائداً، والذي يعتبرُ جسد المرأة أداة مثيرة للاستيهام والشّهوة والرغبة الجنسية. حسب هذا التفكير، يكون الجسد المغطى أقل فتنة، بينما “العاري” وغير المرتدي للحجاب، يشكّل موضوعًا جنسيًّا أو تغريراً ممكنًا من تلك المرأة.

بينما نحاول قراءة شهادة أسماء بمكنزمات السوسيولوجيا، وحضور اللباس في المخيال الشعبي المغربي والثقافة الكلاسيكية، ترى سعيدة الزين أنّ أصدقاءها، الذين تقول إنهم تحرّشوا بها، يعبرون عن تمثلاتهم لجسد أسماء، وكيف كان هذا الجسد المحجب بعيدا عن الفتنة، ثم تحوّل إلى محرّض على الشّبق بمجرد خلع أسماء للحجاب، رغم أنّ هذا التفسير يبقى نسبيًّا، لأن المحجّبات يتعرّضن للتحرّش بدورهن.

أسماء في هذه الحكاية أصبحَت موضُوعاً جنسيًّا، من منظور هذا التمثّل. فهِم المُتحرّشون، عن خطأ، أنها بنزع الحجاب، تعلن سهولة الوصول إلى جَسدها. هنا، نستطيع القول بأنّ اشكالية التحرش الجنسي في علاقتها مع الجسد غير المرتدي للحجاب، هي إشكالية ترتبِط بمنظور، لم يُصوّب بعد. إنه منظور يتعلّق بالمجتمعات الباطرياركية (الأبوية)، وكيف تحصر المرأة في كونها أداة جنسية لا غير، بدون رُوح أو فكر.

سلمى: كنتُ محظوظة!

سلمى الغزاوي، صحفية ومترجمة، تحكي قصّتها لمرايانا، مرجعة ارتداءها للحجاب إلى سنة 2011، وبعدها ظلّت ملازمة له لأزيد من تسع سنوات. قبل أن تتبدّل قناعاتها الدّينية المتشدّدة مع مرور الوقت.

تقول سلمى إنها “توصّلت إلى حقيقة مفادها أنه ليس من المهم فعلاً أن يكون هناك تمظهر خارجيّ لعلاقتها مع الله والدين. بدأتْ فكرة خلع الحجاب تلحّ عليها، لكنّها لم تجرؤ على أخذ هذه الخطوة، خوفاً من نظرة المجتمع إليها ومن المضايقات المحتملة، سيما وأنّها معروفة في مجال اشتغالها كفتاة محجبة”.

ثمّ تضيفُ: كنت أشعر بعدم الارتياح، وأتساءل: هل عليّ الاستمرار في ارتداء الحجاب كنوع من المهادنة مع المجتمع؟ ما هو الأهم، قناعتي وراحتي أم رضا المجتمع علي؟ وهل سأخشى رد فعل الناس أكثر من خشيتي لله؟

قبل أزيد من عام، ومثلما قررت فجأة ارتداء الحجاب، قررت خلعه وتحرير شعري. أذكر ذاك اليوم جيدا. كان يوم عيد ميلادي. على حين غرة، فاجأت أسرتي بقراري. بالتأكيد، كنت قد تناقشت معهم من قبل ولم يُبدوا معارضةً لنزعي للحجاب، مثلما لم يعترضوا سابقا على ارتدائي له”.

يومها، التقطت سلمى، كما تروي، صورة سيلفي وشاركتها عبر خاصية الستوري. لم تردها أية رسائل استفسار أو شتم أو شيء من هذا القبيل. كان الأمر مفاجئا بالنسبة إليها، ثمّ تساءلَت: لم ظللت مكبلة بأغلال الخوف من اتخاذ هذا القرار لفترة طويلة؟

بعدها، قررت سلمى أن تقُص شعرها… وأن تلتقط صورة جديدة لتغيير صورة البروفايل. تصرّح سلمى: ما إن شاركتها حتى بدأ جميع أصدقائي، وكل الذين يتابعونني، في التعليق. توجست في البداية، وإذا بي أفاجأ بأن كل التعليقات إيجابية. لم يأت أحد من أصدقائي (حتى المنحدرين من بلدان محافظة جدا) على ذكر مسألة خلعي للحجاب.

تختمُ سلمى حكايتها بأن محيطها احترم حريتها الشخصية. كانت التعليقات كلها على شاكلة: إطلالة جميلة، نيولوك رائع، إلخ. “قد أكون محظوظة! ما أنا واثقة منه، هو أن تجربتي تكاد تكون مغايرة لتجارب الفتيات الأخريات اللواتي قررن خلع الحجاب، ليصدمن بمحاكمة المجتمع لهنّ، وهناك أخريات أيضا فرض عليهن نزع الحجاب في نطاقات عمل معيّنة”.

نحو “عقلنة” الحجاب؟

هناك كثيرٌ من الجهود المعرفية المبذولة والدراسات التراثية والتأويلات الدينية، تجتمعُ لإفراغ موضوع الحجاب من كل التّصورات اللاّهوتية التي علقَت به. إنها محاولات مُؤَنسَنة لانتزاع الحجاب من قبضة التّيارات الأصوليّة. لذلك، تعتبر مرايانا أنّ الأصل هو تأهيل الحسّ المشترك نحو رؤية عقلانية للحجاب.

إنّ الحسّ المشترك، أو ما يعتقده عامّة الناس، يعطي للحجاب دلالات اجتماعيّة وتفسيرات ثقافيّة وتأويلات دينيّة، تجعل من الحجاب، في حالات كثيرة، فرضاً وإكراهاً وإلزاماً للمرأة، وتغييبًا لإرادتها الشّخصية، وفق ما يفسّره المصطفى شكدالي لمرايانا.

شكدالي يدعو إلى الانتباه إلى كون الأمر يمتحُ من وجهة نظر تديّنية خالصة، قد يكون الدّين نفسهُ بريئاً منها، لأن هناك نقاشا وخلافات فقهية. بينما سيكولوجية العوام تؤمن بالجاهز من الأفكار، وتعتبرُ الفتاة التي تنزع الحجاب وكأنّها خائنة لفهم اجتماعيّ ولحسّ مُشترك. الوضع هنا يغدُو عابراً لما هو شخصيّ، ويبلغ منطق التّفكير الجَمعي، الذي يُحاول أن يلغي ذاتية الفرد.

هذا يفسر، ببساطة، كيف أنّ الفتاة التي لم ترتد الحجاب منذ الوهلة الأولى، لا يُنظر لها بنفس الطّريقة. هي كذلك نشأت، بدون حجاب، وكذلك تكوّنت صورة الناس عنها، رغم أنّها، كشخص، لا دخل مباشر لها بتلك الصّورة التي يكونها عنها الآخرون. بالتالي، فهي لا تشكّل صدمة أو صداماً مع الجموع، لأن وضعها صار اعتياديًّا، يقول المختص في علم النّفس الاجتماعي.

هذا غير حاصل بالنّسبة لتلك التي تنزعُ الحجاب بعد ارتدائه، إذ تصبحُ مرتدّة عن صورة العفّة التي شكّلها عنها الوعي الاجتماعيّ.

هذه النّقطة بالذات ترتقي بموضوع الحجاب إلى مستوى غير عقلاني، يتجاوز الحرية الفردية، لاسيما عندما يتّصل بالدّلالات الأيديولوجية. لذلك، يعتبرهُ شكدالي صراعاً يتعلّق بالمفاهيم: المحجّبة و”المتبرّجة”؛ وهو الذي حمّل موضوع الحجاب دائماً أكثر مما يستحقّ، لأنه كان يمكن عوض التّعامل بهذا المنطق الفجّ مع المسألة أن تعتبر حرية وكفى.

أخيراً، بيّنت مرايانا من خلال الشّهادات المعروضة المخاطر النفسية والمجتمعيّة، التي قد تتعرّض لها المرأة التي تنزع الحجاب. وأكدّت الحكايات، بدون بياضات، أنّ خلع الحجاب هو في الغالب قرارٌ فرديّ حرّ، لا يعني أنّ المرأة حينها تُعلنُ كونها سهلة الإيقاع جنسيًّا.

لكنّ في النهاية كلّ ما يحتاجه الأمر… هو ببساطة تصويبُ الوعي السّائد!

لقراءة الجزء الأول: قصص مغربيات نزعن الحجاب: نحو تفسير واقعي “للقهر” الرّمزي والاجتماعي! 1\2

مقالات قد تثير اهتمامك: 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *