×
×

نقاش الحجاب في فرنسا: اللائكية والجهل والتطرف 2\2

تابعنا في الجزء الأول من هذا الملف الجذور التاريخية لنقاش الحجاب في فرنسا وما طرحه من توترات منذ ثمانينيات القرن السابق.

في هذا الجزء الثاني، نتابع مختلف التفاعلات حول النقاش الدائر حاليا في فرنسا وتداعياته على اللائكية الفرنسية، لكن أيضا على مسلمي فرنسا.

كان طبيعيا إذن أن يتضخم الموضوع بين مكونات المجتمع الفرنسي، وخاصة بعد التفجيرات الإرهابية للحادي عشر من شتنبر 2001، والخلط الذي ترتب عنها في التصورات الجمعية بين الإسلام والإرهاب.

ءتلك التطورات على المستويين الداخلي والخارجي هي ما سيدعو “جاك شيراك”، رئيس فرنسا آنذاك، إلى تعيين وسيط الجمهورية “بيرنار سْتازي” على رأس لجنة لدراسة الموضوع. وقد أصدرت اللجنة إياها قانونا يحمل اسم رئيسها، دخل حيز التنفيذ منذ يوم 15 مارس 2004، ويقضي بمنع الرموز الدينية البيِّنة، ومن بينها الحجاب [غطاء الرأس] في مؤسسات التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، كما يمنع تلك الرموز على موظفي الدولة باعتبارهم ملزمين بالحياد.

لكن هذه الحيادية لا تشمل المرافقين، أي مستعملي الخدمات العمومية. ويفسر “نيكولا كادين”، المقرر العام لمرصد اللائكية، منع قانون 2004 الرموز الدينية البيِّنة على التلاميذ بأنهم “غير راشدين، وأنهم بصدد تحصيل أسس المعرفة”.

شاهد أيضا: فيديو. علي اليوسفي في برنامج “مختلف عليه”: حجاب المرأة ظهر في القرن الثاني عشر قبل الميلاد… وفي الإسلام، هو صناعة الفقهاء

إن اعتبار الحجاب فريضة دينية والتمسك به، هو ما أعطى فرصة ومدخلا لكل متطرفي فرنسا وغيرها من بلدان الغرب للهجوم على المسلمين وعلى المسلمات، واعتبارهم متطرفين وغير قابلين للاندماج في بلدان الديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان.

يعتبر “كادين” أيضا أن “قانون 2004 يهدف إلى السماح للتلاميذ بتكوين آرائهم الشخصية دون ضغط. علما أنهم، عندما يتخطون المرحلة الثانوية، ويصبحون طلبة في الجامعات، يمكنهم وضع الرموز الدينية إذا ما أرادوا ذلك، لأنهم سيكونون قد أصبحوا راشدين مسؤولين عن قناعاتهم”. يؤكد نفس المسؤول أن “الآباء غير معنيين بهذا المنع، وأن ارتداء الحجاب في الفضاء العام غير ممنوع”.

اقرأ أيضا: أحمد المهداوي يكتب: مذاهب فقهية… أباحت الإجهاض!

ضدا على كل الدعوات المغرضة، أقر مجلس الدولة سنة 2014 أن الآباء المرافقين للتلاميذ غير خاضعين للحياد الديني باعتبارهم “مرافقين عرضيين”.

ولو أن عضو مجلس جهة “بورغوني” احترم قرارات مؤسسات بلده، لما سمح لنفسه بالتهجم على أم بسبب ارتدائها الحجاب.

أما منع النقاب أو البرقع أو أي قناع يخفي الوجه تماما، فلا علاقة له بقانون 2004، وإنما هو مرتبط بقانون آخر صدر سنة 2010 في إطار قواعد الأمن العمومي والتفاعل الاجتماعي.

كادين: “قانون 2004 يهدف إلى السماح للتلاميذ بتكوين آرائهم الشخصية دون ضغط. علما أنهم، عندما يتخطون المرحلة الثانوية، ويصبحون طلبة في الجامعات، يمكنهم وضع الرموز الدينية إذا ما أرادوا ذلك، لأنهم سيكونون قد أصبحوا راشدين مسؤولين عن قناعاتهم”

ينبغي التأكيد هنا على أن قانون “سْتازي” يستمد روحه من مقتضيات قانون 1905 الذي تقوم على أساسه اللائكية الفرنسية، والذي يضمن حق “التعبير عن القناعات ما لم تربك الرأي العام أو تشوش عليه، كما يضمن حياد الدولة ومساواة الجميع، مهما كانت قناعاتها الدينية”.

لكن قانون “سْتازي”، وعلى الرغم من وضوحه، لم يمنع بعض متطرفي فرنسا من محاولة حجْب مقتضياته ومقتضيات قانون 1905، لمهاجمة الأمهات اللواتي يرافقن أطفالهن إلى المدارس أو في رحلات مدرسية، بل ومهاجمة الفتيات والنساء المحجبات عموما ولو كان ذلك في الفضاء العام.

بل إن بعض مروجي كراهية العرب والمسلمين، وعلى رأسهم زعيمة اليمين المتطرف “مارين لوبن”، التي تعلق على مشجبهم كل فشل السياسات الفرنسية الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى بعض وجوه اليمين الذين يحاولون اصطياد أصوات انتخابية في ماء “لوبن” العكر، وبعض أبواق ثقافة الكراهية من أمثال إريك زمور، الذين لا هم لهم إلا تجييش الفرنسيين ضد المسلمين… كل هؤلاء يخلطون عن سبق إصرار بين المرافق العمومية [الإدارات] والفضاء العام مثل الشوارع، والساحات العمومية، والشواطئ، إلخ.، ويدعون إلى منع الحجاب في كل الفضاءات حتى تعبر المسلمات عن اندماجهن في جمهورية الأنوار!

اقرأ أيضا: فرنسا: محاكمة مرشد جبلي لتقديمه شايا وملابس لطالبي لجوء أفارقة كانوا يعبرون جبال الألب

إن اعتبار الحجاب فريضة دينية والتمسك به، هو ما أعطى فرصة ومدخلا لكل متطرفي فرنسا وغيرها من بلدان الغرب للهجوم على المسلمين وعلى المسلمات، واعتبارهم متطرفين وغير قابلين للاندماج في بلدان الديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان.

لو أن عضو مجلس جهة “بورغوني” احترم قرارات مؤسسات بلده، لما سمح لنفسه بالتهجم على أم بسبب ارتدائها الحجاب.

صحيح أن هؤلاء العنصريين، إن لم يجدوا الحجاب، سيبحثون عن سبب آخر للتهجم على المسلمين. لكن، لو أن المسلمات تحجبن بوعيهن وإيمانهن، بدل تغطية رؤوسهن أو إخفاء أجسادهن وراء عباءات سوداء، ولو أن المسلمين امتنعوا تعففا عن الصلاة أيام الجمعة في المرائب [الغراجات]، وفي الشوارع والطرقات معتبرين أن للضرورة أحكاما، لانتزعوا من أيدي العنصريين عصيا هم مَنْ مدُّوهم بها لضربهم.

إن الجاهل يفعل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه. ما يعيشه المسلمون من ويلات اليوم إنما هو في معظمه نتيجة لحوالي نصف قرن من الأسلمة الإخوانية الوهابية التي أغرقتهم في قشور وشكليات لا تتعلق بجوهر الدين، أي دين، وإنما ألصقها بالإسلام فقهاء ذكوريون وما أنزل القرآن بها من سلطان.

إن القرآن براء ممن يرتدين الحجاب بدعوى تطبيق التعاليم الدينية المقدسة، كما أن اللائكية براء ممن يتخفون وراءها لتقييد حركات وسكنات مسلمي فرنسا. ولعل الضحية الكبرى وراء هذين التطرفين الإسلامي واللائكي هو التعايش بين مختلف مكونات الشعب الفرنسي.

إن هذين التطرفين التضليلين هما المسؤولان عن تحويل بلد كان المفروض فيه أن يقدم المثل الأرقى لحريات الرأي والتعبير إلى بؤرة للتوتر وجحيم للطرفين معا؛ المسلمين وغير المسلمين، وإن بدرجات متفاوتة.

اقرأ أيضا: مصطفى بوهندي لـ “مرايانا”: آن الآوان لأن تقود المرأة المسلمة خطبة الجمعة وإمامة المسلمين في الصلاة دون حرج ولا عقد 1/2

لقراءة الجزء الأول: علي اليوسفي: فرنسا: اللائكية المحجبة 1\2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *