×
×

علي اليوسفي: فرنسا: اللائكية المحجبة 1\2

يتعلق الأمر بإصرار بعض مسلمات فرنسا على ارتداء الحجاب بدعوى أنه من فرائض دينهن الذي لا يَكمُل ولا يصح إلا إذا وارت المرأة شعرها تحت قطعة القماش تلك. هذا الإصرار يقابله تأكيد بعض من نصبوا أنفسهم حماة للائكية، على أن التمسك بارتداء ذلك الرمز الديني الإسلامي في الفضاءات العمومية والعامة خرق لمقتضيات قانون 1905 الذي ترتكز عليه خصوصية الجمهورية الفرنسية.

من يتتبع الإعلام الفرنسي هذه الأيام، يتوهم أن جمهورية الأنوار قد حلت مشاكلها السياسية والاجتماعية ولم يعد لها ما تناقشه ما عدا الجدال والمزايدات، مع حاملي لواء ما يتراوح ما بين 25٪‏ و30٪‏ من مسلمي فرنسا، الذين يصل عددهم الإجمالي إلى حوالي ستة ملايين ونصف المليون مسلم، أي ما يناهز عشر مجموع سكان فرنسا.

يتعلق الأمر تحديدا بإصرار بعض مسلمات فرنسا على ارتداء الحجاب بدعوى أنه من فرائض دينهن الذي لا يَكمُل ولا يصح إلا إذا وارت المرأة شعرها تحت قطعة القماش تلك. هذا الإصرار يقابله تأكيد بعض من نصبوا أنفسهم حماة للائكية، على أن التمسك بارتداء ذلك الرمز الديني الإسلامي في الفضاءات العمومية والعامة خرق لمقتضيات قانون 1905 الذي ترتكز عليه خصوصية الجمهورية الفرنسية.

“فرهاد موسْرُوخافار”: “منذ حدث “كْراي”، انتبهنا إلى أن المشكلة الدينية التي اعتقدنا أنها حلت منذ الستينيات، يمكن أن تبرز من جديد، وأن هناك مشكلة مرتبطة بمكان المسلمين داخل المجتمع الفرنسي”.

لا نود هنا العودة إلى الخوض في موضوع بطلان دعوى أمر الله النساء بالحجاب، فقد عالجنا ذلك في مقالات سابقة على موقع مرايانا، نذكر من ضمنها: “الجذور التاريخية للحجاب” “الحجاب والإسلام“، “الإسلام والحجاب: إخراج الآيات من سياقها“و “تحجيب النساء حماية للذكور من شهواتهم؟“. كما عالجناه في برنامج “مختلف عليه” على “قناة الحرة”.

أما الذي يعنينا اليوم، فهو موقع الحجاب من اللائكية الفرنسية. بمعنى آخر؛ السؤال عما إذا كانت اللائكية الفرنسية تتعارض مع ارتداء النساء الحجاب وفي أية حدود.

اقرأ أيضا: من تاريخ الخمر: العصر الأموي… الخليفة يريد إحداث مقصف على الكعبة ليشرب فيه الخمر مع ندمائه! (الجزء السادس)

ليس هذا السؤال وليد اللحظة، وإن كان قد طفا على سطح الإعلام من جديد يوم الجمعة 11 أكتوبر 2019، أثناء انعقاد مجلس جهة “بورغونْيْ – فْرانْشْ كونْتي”، حيث هاجم مستشار جماعي عن حزب التجمع الوطني، أمًّا محجبة كانت تعتزم مرافقة تلاميذ قسم ابنها في رحلة مدرسية لاكتشاف المؤسسات.

ءهذا المستشار اشترط، لقيام الأم بهذه المهمة التطوعية، أن تخلع حجابها.

مما زاد الطين بلَّة أن الرئيس المنتخب حديثا على رأس حزب الجمهوريين طالب يوم الإثنين الموالي، 14 أكتوبر 2019، بسن قانون يمنع ارتداء الحجاب أثناء مرافقة الرحلات المدرسية.

هذا المطلب يعني في حد ذاته أنه لا يوجد قانون يؤطر هذه المسألة، وهو ما سنبين خطأه.

فرانسواز غاسبار: “حدث “كْراي” جعل الأسس الِلائكيةٍ أكثرَ تشددا؛ ولكنه طور أيضا فكرة أن الإسلام في صراع مع هذه القيمة [اللائكية]”.

لكن، قبل أن نخوض في ما تنص عليه القوانين، سنبدأ بمحاولة فهم سبب تلقف وسائل الإعلام بلهفة لهذا الموضوع، وحِدَّة الجدال التي رافقته ولا زالت، وذلك بوضعه في سياق ما راكمته فرنسا بهذا الخصوص منذ ثلاثين سنة قبل اليوم.

تعود قصة أول ظهور لجدال الحجاب في فرنسا إلى ما حصل بإعدادية ” لْواز” [L’Oise] بـ “كْرايْ” [Creil] شمال باريس، خريف سنة 1989، عندما رفضت كل من التلميذات ليلى وفاطمة وسميرة خلع حجابهن (غطاء الرأس)، فقرر مدير الإعدادية “غابرييل هافيز” طردهن من الإعدادية معتبرا الحجاب رمزا دينيا لا محل له في مؤسسة تعليمية.

لكن المراهقات الثلاث سيعُدن إلى متابعة دراستهن بالإعدادية يوم التاسع من أكتوبر بعد اتفاق مع والديهن على أن يخلعن الحجاب قبل ولوج باب المؤسسة ويرتدينه بعد خروجهن منها، مع اشتراط توقفهن عن “سلوكهن العدواني” تجاه التلاميذ المسلمين الأقل انضباطا “للتعاليم القرآنية”.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي: الخبز أو الحرية؟

لكن هذا الحل التوافقي لم يمنع مختلف وسائل الإعلام من تحويل الحدث إلى جدال سياسي، حيث انقسم الفرنسيون إلى مساند ومعارض لدخول الحجاب إلى مدارس الجمهورية. بل إن الأمر تجاوز الحجاب ليطرح السؤال عن موقع الدين الإسلامي في فرنسا، ومدى إمكانية اندماج المهاجرين أو الفرنسيين من أصول إسلامية فيها.

من يتتبع الإعلام الفرنسي هذه الأيام، يتوهم أن جمهورية الأنوار قد حلت مشاكلها السياسية والاجتماعية ولم يعد لها ما تناقشه ما عدا الجدال والمزايدات، مع حاملي لواء ما يتراوح ما بين 25٪‏ و30٪‏ من مسلمي فرنسا

بهذا الصدد، يقول عالم الاجتماع “فرهاد موسْرُوخافار” لصحيفة الفيغارو: “قبل هذا الحدث، لم نكن نتحدث عن الإسلام. منذ حدث “كْراي”، انتبهنا إلى أن المشكلة الدينية التي اعتقدنا أنها حلت منذ الستينيات، يمكن أن تبرز من جديد، وأن هناك مشكلة مرتبطة بمكان المسلمين داخل المجتمع الفرنسي”.

أما عالمة الاجتماع والعمدة السابقة لمدينة “دْرو” [Dreux]، فرانسواز غاسبار، فقد اعتبرت في حديث لصحيفة ليبراسيون سنة 2017 أن “حدث “كْراي” جعل الأسس الِلائكيةٍ أكثرَ تشددا؛ ولكنه طور أيضا فكرة أن الإسلام في صراع مع هذه القيمة [اللائكية]”.

أما على المستوى السياسي، فقد ارتأى “ليونيل جوسبان”، وزير التربية الوطنية آنذاك، محاولة منه لوضع حد لهذا الجدال الإعلامي، أن يطلب من مجلس الدولة الحسم في الموضوع. وقد جاء في تقرير رجال القضاء أن “التعبير عن القناعات الدينية لا يمكن أن يمنع في المدارس طالما لم يشكل عنصر ضغط، أو استفزاز، أو تبشير أو دعاية”، وطالما لم يعرقل سير الأنشطة. نتيجة لذلك وجهت مذكرة للمدرسين تترك لهم حق تقرير قبول أو رفض الحجاب في أقسامهم. هذا ما يعني أن الدولة الفرنسية بدل أن تحسم الموضوع، تركته تحت رحمة التقديرات الشخصية للمدرسين ومديري المؤسسات التعليمية، مما أدخل هؤلاء في مواجهات مباشرة مع آباء التلميذات المتمسكات بارتداء الحجاب.

في الجزء الثاني، سنتابع مختلف التفاعلات حول النقاش الدائر حاليا في فرنسا وتداعياته على اللائكية الفرنسية، لكن أيضا على مسلمي فرنسا.

شاهد أيضا: فيديو: ألفة يوسف تقول: الحجاب ليس فرضا في الإسلام

 

لقراءة الجزء الثاني: نقاش الحجاب في فرنسا: اللائكية والجهل والتطرف 2\2

تعليقات

  1. Jawa

    لا علاقة الحجاب بقيم العلمانية لو كان كذلك لطلب من الراهبات ان ينزعن حجابهن فور الخروج من الكنيسة .. المشكل هو كره الصليبين والصهاينة للاسلام كدين واسلوب حياة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *