×
×

قصص مغربيات نزعن الحجاب: نحو تفسير واقعي “للقهر” الرّمزي والاجتماعي! 1\2

صورهنّ متداولة بقوّة على مواقع التواصل الاجتماعي. تعرّضن للتّنمر والتّحرّش وانتهاك الخصوصيّة أحياناً، إلاّ أنهن لازلن يدافعن على قرارهنّ في… خلع الحجاب.
لا واحدة منهنّ تخفي صعوبة التّحول من مرحلة الحجاب إلى ما بعدها، وما يفجّره ذلك من إكراهات نفسيّة ومجتمعيّة. شهاداتٌ حيّة تقدّمها مرايانا لنساء يؤمنّ بأنّ نزعهنّ للحجاب كان اختياراً طوعيًّا وحرية شخصيّة خالصَة.

شهاداتٌ تتقاطع في مسلّمة واضحة: أنّ جسد المرأة ملك لها، ولا دخل لأيّ أحد فيه، بما في ذلك عائلتها وحتى مُحيطها أو مُجتمعها.

نهيلة: لا يدومُ الغصب…

نهيلة السعدي طالبة بالرباط تنحدرُ من مدينة أرفود بإقليم الراشيديّة، قرّرت أن تحكي لمرايانا قصّة تحولها من الحجاب القسري والمفروض إلى الحرّية. تقول إنّه “وقتئذٍ، وبعد نزع الحجاب، كثيرُون اعتقدُوا أنني لمّا بدأت أنشر بعض الأفكار التّقدّمية على حائطي، انسلختُ عن أخلاق المنطقة، وأنّني انجرفتُ مع إغراءات المدينة. لا ألومهم لكون الثقافة المحدودة في تلك المناطق، تجعلهم يعتبرون الحجاب هو منتهى أخلاق الفتاة”.

لا تخفي ابنة أرفود أنّ بُعدها عن العائلة، كان خطوة مفصليّة في قرار نزع الحجاب، مفسّرةً بقولها: “أردت أن أحتفي بأنوثتي وجمالية شعري، خصوصاً بعد حضوري لعدة ندوات بالرباط عن حرية المرأة والجسد، وتغيرت لديّ كثير من التصورات بفعل المطالعة التي أتاحتها لي الكلية. لطالما كنتُ أفاتحُ أمي في رغبتي بنزع الحجاب، إلاّ أنها كانت ترفض بالمطلق وبشكل قطعيّ”.

تختمُ نهيلة قصتها بالقول: منذ صغري وأنا أزدري ذلك القماش. ولا أنكر أنّني اعتبرتُ مجيئي للرباط فرصة لأحاكم كلّ الغصب الذي مورسَ عليّ. تقوَّت شخصيتي بفعل الاستقلال الذي تمتّعتُ به. تقبّلت العائلة ذلك على مضض لأنني دافعت عن اختياري، وساعدتني أخواتي في هذه المعركة. الآن، أعود إلى أرفود بشكل عاديّ ولا أعير النّظرات المستفزّة أيّة قيمة، رغم أنها كانَت تقتاتُ من هنائي في البِداية. والدي يحتّم عليّ عدم مُغادرة البيت كثيراً في العُطل التي أذهبُ فيها لبيتِ العائِلة، لهذا السّبب بالضّبط”.

أمينة: الخوف لم يرحمني!

“بما أنني أرتدي الحجاب منذ وقتٍ مبكّر، وتحديداً منذ السّنة الخامسة ابتدائي، كان من الصّعب على كثير من الناس في مُحيطي تقبّل اختياري الجديد. كان هُناك من يسألُ لماذا قرّرت ذلك؟ ولماذَا هذا الوقتُ بالضّبط؟ وهل كَان قراراً صائباً أن أخلع الحِجاب؟ حتى أنّ البعضَ قال إنّه الوقتِ الأمثل لارتدَاء الحجاب نظراً للبعد عن الأهل، بما أنّ الحجاب يفرض، من وجهة نظرهم، الاحترام الاجتماعيّ”… هكذا تستهلّ أمينة الخضري خرّيجة المعهد العالي للإعلام والاتصال، حديثها مع مرايانا.

الخضري ترى أنّ هذه الرّدود تقبّلتها نوعاً ما، لكنّ الخوف والضغط النفسيّ الذي عاشته بينها وبين نفسها، كان أصعَب مرحَلة حينَ قرّرت نزعَ الحجَاب. تقول: الثّقافة الشّعبية والدّينية المنغرسَة فينا منذُ نعومة أظفَارنا دفعتِني بعد هذا القرار إلى الاسْتشكَال: هل أنا أقترف خطأ ما؟ لكني لم أكترث كثيراً، ودافعتُ عن صوابية قَراري. آمنتُ أنه، كلّما تقوى مَوقفي النّفسيّ تُجاه ما أفعل، سأكون أكثر قابليّة للدفاع عنه أمام المُحيط والآخر.

تضيفُ أمينة: الغريب أنني لم أتعرض لتحرّش جنسي له علاقة مباشرة بنزع الحجاب؛ رغم أن بعض معارفي سوّقوا لي هذه الفكرة، على اعتبار أنّه، بعد نزع الحجاب، سيستَسهلني الذكور ويضاعفون رغبتهم في “الحصول عليّ”؛ وهو، في نظرهم، أمر يتحقق تلقائيًّا، مادمت تخليت عن طريقة لباسي القديمة، وبالتّبعة “تنازلت” عن القَواعد والمبادئ.

تقول أمينة إنها تستغربُ الربط بين نزع الحجاب والتّخلي عن المبادئ والأسُس السّليمة التي تربّينا عليها: “لا أجد قولا مقنعاً في هذا الصّدد. هو تغيير في الهِندام فقط ولسنا دائما مطالبين بتبريره للآخرين. والديّ تقبّلوني لأنّ ارتداء الحجاب كان اختياري في البداية، كما هو اختياري اليوم أن أخلعه”.

تجمل أمينة شهادتها لمرايانا بالقول إنها، حين خرجت أول مرة بدون حجاب، أحسّت بصعوبة تقبل نفسها في البداية، وبدأت تلك الصّعوبة تتعاظَم مع الأيّام. لكن، مع الوقت، تلاشى ذلك الخوف تماماً وأصبح هِندامها الجديد عاديًّا جداً. تقول بخصوص ذلك: “كنت أرتدِيه ثم أزيله في اليوم الموالي، وأعيدُه لكيّ أقلّص من حدّة الضّغوط النّفسية. كانَ نزع الحجاب تغييراً ضخماً في حياتي. لذلك، أتفهّم من يجدُون رفضاً بسبب نهجهنّ نفس الخيار”.

الخوف والقهر والغصب: أيّة تفسيرات ممكنة؟

يبدو لمرايانا أنّ الحجاب اليوم، أصبح موضوعاً ذا أهمية كبيرة بالمقارنة مع ما كان عليه الوضع من قبل. خصوصاً مع موجة المراجعات الكبيرة المطروحة راهناً، والتي تُحاول أن تحاكم التّصورات القَطعية فيما يتعلق بالحجاب، كمؤشّر للوقَار والعفّة والحُشمة، إضافة إلى بروز تأويلات حداثية تسعى لإدخال الحجاب في نِطاقه الطّبيعي، المتعلّق بالحُرية الشّخصية أساساً.

تبعاً لذلك، يقولُ المصطفى شكدالي، المختصّ في علم النفس الاجتماعي، إنّ القهْر أو الخوف، هو تسويغات نفسية للّغط القديم/ الجديد الذي يرافق الحجاب كإشارة للدين والانتماء والهوّية. بدأ هذا النقاش في الغرب أو في فرنسا مثلاً، ثمّ امتدّ إلى الوعي المغربي، وهو ما ساهم في فتح النّقاش من جديد، والوقُوف على مناحيه السّيكولوجية والسّوسيولوجية.

الملاحظُ حاليًّا أنّ الدّفاع عن الحجاب أصبحت له حجّة واحدة، مُستسَاغة، وهي الحرّية الفرديّة. لهذا، يجد شكدالي، في حديثه لـ”مرايانا”، أنّه لو نظرنا إلى الحجاب من الجانبِ الظاهريّ السطحي، فله دلالات دينية. إنه إحالة صريحة على تموقع أيديولوجي، يمكِن تسميَته في هذا السّياق بـ”التديّن”. ولا ننكرُ أنّه سَادت داخل مربّع الثّقافة الجاهزة أفكار من قبيل “حجَابي عفّتي”، وغيرها من المقولات النّمطية.

هذا التّصور الذي يتولّد عنه انتماء وتموقع، هو أصل المأساة تقريباً، لأنّه “بمجرد أن تنزع المرأة حجابها، فذلك معناه أنها تعيش ردّة حقيقية بالنّسبة للجُموع. إنّه صراع تديّني وأيديولوجي بطبيعَته. والواضح أنّ هذه الأفكار السّائدة، تخلق ارتباكاً أو قلقاً للفتاة التي تُحاول خلع الحجاب، لكونها تعرف جيدا كيف ينظُر مُجتمعها، نفسيًّا، إلى المرأة المحجبة وغير المحجبة، وخصوصا لتلك التي تخلع الحجاب بعد ارتدائه”، يقول المتحدّث.

بالنسبة للمختصّ في علم النّفس الاجتماعي، تتعرّض المرأة التي تخلع الحجَاب للقهر الرّمزيّ والانتقاد الحاد، على اعتبار أنّها تخلّت عن هويّتها وعن ضَوابط التّدين التي، ربّما، عُرِفت بها. إنّ المجتمع لا يرى في ذلك خطوة متقدّمة تتعلّق بالحرّية، بل يعتبرها ردّة ونكوصًا و… تراجعًا إلى الوَراء!

كيف نفسّر، إذن، سلوكات الضّغط الممارسة على المرأة التي تنزعُ الحجاب؟

ترى سعيدة الزين، الباحثة في علم الاجتماع، أنّ الأمر يمكنُ اعتبارهُ رفضاً مجتمعيًّا، أو بعبارة أخرى، النازعة للحجاب تبدو كأنها تناكف الظّاهرة الدّينية السّائدة في المجتمع المغربي: الإسلام. لذلك، يتم الإساءة إليها وقهرها بشكل مباشر أو غير مباشر.

الغريبُ في نظر المتحدّثة، أنّ دائرة الحصانة التي “قد” يخلقها الحجاب، تنهار ويتمّ إخراج هذه المرأة منها قسراً. إنها تعود إلى نقطة الصّفر في نظر المجتمع: المرأة عورة، المرأة فتنة. وربما تقسو حدّة الانتقادات بالنّظر إلى عامل الألفة، الذي استطاعت من خلاله المحجّبة بناء صورة أو نموذج للمرأة “العفيفة” و”الشريفة”و”الطّاهرة”، وفق التّصور المجتمعي الغالب. وهو ما يدفع الآباء المُتماهين مع هذا المفهُوم إلى غصب بناتهم على وضع الحِجاب.

وفق ما تفيده الزين، فإنّ الحجاب يشكّل لبعض فتيات العالم القروي والأسر “المحافظة”، جواز مرور نحو إتمام الدراسة. كأنها عملية مقايضة تتمّ في العالم القروي، بحيثُ ترتدي الفتيات في مرحلة الاعدادي والثانوي الحجاب من أجل إتمام المسار الدراسي، بينما غير المحجّبة قد تنقطع عن الدراسة.

يبدو الوضع جليًّا في النّسبة العالية للمحجبات على حساب الأخريات غير المغطّيات للرّأس في الأوسَاط التّعليمية. وهو نفسُ الأمر داخل بعض الأسَر المُحافظة في المَجال الحضريّ أيضاً.

بهذا المعنى، تعتبرُ المتحدّثة أنّ السلوكات الشاذة التي تتعرّض لها المرأة التي تنزع الحجاب، تبرزُ بوضوح أنّ الحجاب بات عابراً للبعد الديني إلى بعد اجتماعي. لقد رسم صورة للمرأة الطاهرة التي ترتدي الحجاب؛ وانتزع، بالمقابل، صفة الطهارة عن نظِيرتها غير المتحجّبة. إنها عملية قهر ناتجة عن بنية ثقافية لم تتجاوز النّظرة الكلاسيكية بعد، حين يتعلّق الأمر… بالحجاب!

في الجزء الثاني، نعرض قصصا أخرى لنساء خلعن الحجاب، ومحاولة لعقلنة فكرة الحجاب.

لقراءة الجزء الثاني: قصص مغربيات خلعن الحجاب: أيّ “عقلنة” ممكنة لفكرة الحجاب؟ 2\2

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *