×
×

الحملة ضد حراس السيارات: رواية الحراس ورأي القانون! 2/2

قدّمنا في الجزء الأول (تجدون رابطه في أسفل المقال) شهادات لمواطنين مغاربة من مدن مختلفة، وتذمرهم من سلوكيات حراس السيارات المزعجة والمستفزة، والتي تقع أحيانا تحت طائلة القانون: الضرب والجرح، التهديد والابتزاز أو السب والشتم…. والقتل كما حدث في فاس قبل أسابيع.
في هذا الجزء الثاني، نقدّم سردية الحراس، ونمنحهم الحق في التعبير عن وجهة نظرهم، لكي نعالج الموضوع بشكل مقبول لا ينتصر لطرف ضدّ آخر…

رمادُ الحكاية

تحت شمس مراكش الحارقة التي تصبّ لهبًا فوق قبعة القش على رأسه، يتحدّث أحمد لمرايانا بحرقة، وهو يحاول أن ينقل سرديّة أخرى، “مغيّبة”، من وجهة نظره.

يشدّد أحمد على أنّ في التّعميم ظلما ورغبة في صرف الانتباه عن مشكل أعمق، وهو الفراغ القانوني الذي يؤطر مهنة حراسة السيارات.

نحن لا نفرض تسعيرةً على أيّ كان، نترك سخاء المواطن يكون هو الفيصل. هناك من يهرب دون أداء مستحقات الحراسة، وهناك من يشتمنا ويخاطبنا باحتقار: “سير تخدم”. لماذا لا يعتبرون عملنا هذا مهنة؟ ولماذا لا يطالبون معنا بصيانة كرامتنا وحمايتنا القانونية من الشّركات والأشخاص الذين ندفع لهم ثمن الكراء يوميًّا”.

يدفعُ أحمد 60 درهما يوميًّا لشركة تحتكرُ مرائب الشوارع القريبة، وتتراوح أرباحه اليومية بين 50 درهما وقد تصل إلى 200 درهم في اليوم، حسب حركيّة السّيارات التي تركن وتغادر بسرعة، والتي تستغلّ الفضاء لوقت طويل.

يكتري أحمد بيتا بمبلغ 800 درهم شهريًّا، ويعيلُ أسرة تتكوّن من طفل وطفلتين إلى جانب الزّوجة. الطفل وشقيقته يدرسان في المدرسة الابتدائية، وأختهما الكبرى تدرس في الاعدادي. مبدئيا، يشتغل أحمد في الحراسة من الثامنة صباحا حتى الثامنة ليلا، وأحيانا قد يتجاوز الوقت المحدد للعمل. لذلك، يختم قائلاً: “كلنا واكلين الدقة، وكلنا عندنا ظروف، ومخاصناش نحگرو الدراوش  خاصنا ندافعو عليهم وعلى حقهم باش كلشي يلقا باش يعيش”.

في ذات الاتجاه، نقابلُ عمر، وهو حارس سيارات بحيّ أكدال بالرباط. لا يتردد هذا الحارس في الحديث إلى مرايانا والمصارحة بأنه على بيّنة بما يجري في الافتراضي من حملات مستنكرة.

يتحدث إلينا عمر وعيناه مشدودتان صوب الشارع لئلا تغادر أية سيارة مركونة دون دفع ثمن الحراسة: أقضي معظم وقتي بهذا الشّارع، ولا أستخلصُ الإتاوة إلا منه، ولا أنسحب إلى شوارع أخرى مجاورة كما قد يفعل بعض الحراس. أشتغل هنا منذ 6 سنوات وبنيت علاقة ثقة مع الساكنة التي باتت تعرفني جيدا.

يضيف عمر قائلا: ما أريد التعبير عنه أنه علينا النظر للوضع على نحو شمولي وعقلاني، فنحن أيضًا نعاني جراء هذه الفوضى، ونتعرض للاستغلال من طرف اللّوبيات. لنتخيل أن من الحراس من يشتغل بشارع لمدة سنوات، ثم تأتي الجماعة وترغب في تقنين تلك المنطقة وترسم فيها أماكن للركن، وتحضر حراسا تابعين لها. ما مصير من اشتغل هناك؟ وماذا سيفعل حينها بعد هدم كل جهوده؟

يختم المتحدث متحسّراً: للأسف، نحن من نكون في فوهة النّار حين نصطدم مع المواطنين. طيلة زمن اشتغالي، صادفت كلّ أشكال الناس: السّخي والبخيل، والعصبي والهادئ، اللبق والوقح… تعلمتُ التعامل مع كل مزاجات المغاربة، ولا أفرض على أحد أية تسعيرة معينة، أقبل كل ما تفضل به المواطنون.

يتفق محمد العلوي، الباحث في علم الاجتماع، مع ضرورة تقنين هذا العمل، مشددا أنّ عملية التقنين “تتطلبُ إحصاءً لإدماج كل العاملين السابقين وتكوينهم وتأطيرهم. فلو تم تقنينها وتسعيرها وتضريبها، ستستفيد المجالس البلدية من مداخيلها، وسيشتغل الحراس بعقد عمل يحمي كرامتهم وحقوقهم، وتكون هناك شروط صارمة في اختيارهم. هكذا، ستنتهي هذه الفوضى والعشوائيّة التي تسمح للوبيات وشركات معينة أن تحتكر الشوارع بعديد من المدن، وأن تتاجر بعوز هؤلاء الحراس”.

يضيف العلوي لمرايانا: “من الضروري أن نعرف أنه لا ينبغي أن نثق ثقة عمياء بمظلومية حراس السيارات، فهم ليسوا ملائكة. ويكفي أن تكون لنا سيارة ونتعامل معهم يوميًّا، لنفهم حجم الاعتداء النفسي والمالي الذي تمارسه الغالبية الساحقة منهم على المواطنين، دون رحمة وبنوعِ من الجشع المُفرط. لذلك، لابد من انتقائهم بعناية، وأن يخضعوا جميعهم، وبدون استثناء، للتكوين التواصلي والأخلاقي”.

رأي القانون؟ 

على إثر ما يجري من حملات افتراضية معارضة، تحرّكت السلطات والمصالح الأمنية في العديد من المدن لطرد وتمشيط الشوارع من الحراس الذين لا سند قانوني لبقائهم في تلك الشوارع وأزقة المدن. كما تم اعتقال العديد منهم وتقديمهم للعدالة بتهم جنحية وجنائية، منها احتلال الملك العام والابتزاز والسب والقذف والتهديد بالسّلاح وعرقلة السّير.

يقدّم لنا الباحث في القانون علي أرجدال إضاءة بهذا الخصوص، حيث يقول إنّ القانون يمنحُ الحق للجماعات الترابية، ممثلة في المجالس المنتخبة، لتدبير عملية احتلال الملك العمومي مؤقّتا، وذلك حسب مضامين القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات، ويدخل ضمن ذلك ما يتعلق طبعا بتدبير أماكن الوقوف المؤقت للسيارات.

يضيفُ الباحث أنّ تفويض هذه المهمة يتمّ في إطار صفقة عمومية، ويُمنحُ بموجبها تدبير هذه العملية لإحدى الشركات الفائزة بالصفقة، على أساس أن الجماعة حددت مسبقا أماكن الوقوف المؤقت للسيارات، ويتم تحديد التسعيرة بشكل توافقي بين الجماعة والشركة المسؤولة.

بالتالي، فالشركة التي تدير هذه الأماكن تقوم بوضع نقاط أداء في أغلبية الشوارع، ولها رخص مراقبة الأداء من طرف عمالها الحاصلين على رخص من الجماعة.

غير أن الأمر يطرح مشاكل قانونية كثيرة، وفق ما يفصله أرجدال، ذلك أنّ وجود حراس السيارات في أماكن الحراسة، ومطالبتهم المواطنين بأداء مبالغ مقابل الركن أو الوقوف المؤقت، دون تبيان أي صفة قانونية توضح هوية الحارس، يعد، حسب مقتضيات القانون الجنائي، جنحة نصب واحتيال يعاقب عليها طبقا للحالة التي ضبط فيها الحارس المفترض، وذلك باستعمال جميع وسائل الإثبات بما فيها شهادة الشهود والتصوير؛ وتزيد هذه العقوبات عندما يصل انتحال الصّفة مصحوبًا بالتّهديد والوعيد من الحارس المفترض، مما يعرضه للسجن.

من ناحية أخرى، يرى عبد العزيز خليل، الباحث في العلوم القانونيّة، أنّ الأشخاص الذين يقومون بالحراسة دون أن تكون لهم علاقة بشركة معينة، يخاطرون ويضعون أنفسهم في وضعية خارج القانون؛ فإلى جانب انتحال الصّفة، هم يقومون بجنحة التزوير أو التزييف، خصوصا حين يعملون على ارتداء سترة صفراء لتبيان هويتهم، أو تعليق شارات كأنها رخص تُعهد إليهم بمُوجبها مهمّة الحراسة.

هذا، مع العلم أنها غير صادرة على نحو قانوني، وإنما تم صنع تلك الشارات أو تزوير بعض الوثائق لحمل السائقين على الاعتقاد بمشروعية عملهم. وهذا الفعل يعرضهم للمساءلة القانونية وكثير منهم يستسهلون ذلك، وليس لهم وعي بالقانون أصلاً.

في النهاية، يبدو أنّ المشكل بنيويّ، والقانون وحده هو الذي من شأنه إنهاء هذا اللغط، بتقنين الظاهرة، وبحماية حقوق كلّ المواطنين على حد سواء.

لقراءة الجزء الأول: مرايانا في قلب الحملة ضد حراس السيارات: لكن… من يتحمل المسؤولية؟ 1/2

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *