×
×

الإدمان في المغرب… مجلس الشامي يعرض أرقاماً خطيرة حول السلوكيات الإدمانية!

في مطلع سنة 2022، عمل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على تشخيص ظاهرة الإدمان بالمغرب، وعرض لسلوكات خطيرة ملفوفة بحقائق صادمة ومعطيات مثيرة للقلق حول السلوكات الإدمانية للمغاربة.
في هذا المقال، نقدّم بعضًا من هذه المعضلات، التي لم يجرِ الاعتراف بها بعد، ولا يتم التكفل الفعلي بها من طرف هيئات الحماية الاجتماعية ومعالجتها بوصفها أمراضًا تستدعي تدخلاً عاجلاً!

واقع الإدمان بالمغرب؟

تقرير الشامي الذي عرض على الجمعية العامة للمجلس في قراءة أولى في 29 نونبر 2021، قبل أن تتم المصادقة عليه في الدورة الموالية للجمعية العامة يوم 29 دجنبر 2021، قال إنّ العالم يشهد تناميًّا للسلوكات الإدمانية، سواء تلك المرتبطة باستخدام مختلف المواد ذات التأثير العقلي والنفسي (التبغ، السكر، الكحول، المخدرات، وغيرها)، أو بممارسة أنشطة تنطوي على خطر إدماني كبير ألعاب كالرهان، ألعاب الفيديو، الأنترنت وغير ذلك.

دراسة مختلف مظاهر الإدمان تكشف أن الظاهرة متفشية ومتعددة الأشكال. أحدث المؤشرات والمعطيات المتوفرة عن هذه الوضعية المثيرة للقلق، تؤكد أنّ حجم تعاطي المواد ذات التأثير النفسي والعقلي يقدّر بـ4.1 في المائة من عدد المستجوبين في إحدى الدراسات. كما يناهز الاستهلاك المفرط للمخدرات والإدمان عليها 3 في المائة، بينما يقدر الإفراط في استهلاك الكحول بـ 2 في المائة والإدمان عليها بـ1.4 في المائة.

التقرير دقّ ناقوس الخطر، صريحاً، حين أفاد أنّ عدد الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات عن طريق الحقن، يقدّر بـ18.500 شخص؛ مع تسجيل معدل انتشار مرتفع في صفوف الأشخاص المصابين بالالتهاب الكبدي (57 في المائة) وكذا بداء فقدان المناعة المُكتسبة (11.4 في المائة). مع الإشارة أنّه، في المغرب يوجد زهاء 6 ملايين من المدخنين، منهم نصف مليون من القاصرين دون سن 18 سنة. ويجري استهلاك 15 مليار سيجارة كل سنة، علمًا أن محتوى السجائر في المغرب من النيكوتين والمواد السامة أعلى من الكمية الموجودة في السجائر المرخصة بأوروبا، كما أن 35,6 في المائة من السكان معرضون للتدخين.

تضيف الدراسة أنّ ما بين 2.8 إلى 3.3 مليون شخص يمارسُ ألعاب الرهان، علما أن 40 في المائة منهم معرضون لخطر الإدمان على اللعب؛ فضلاً عن تنامي الاستخدام الإدماني للشاشات وألعاب الفيديو والأنترنت في بلادنا، وخاصة في صفوف المراهقين والشباب.

في تعليق المجلس على هذه المعطيات، يجد أنّ هذه السلوكات الإدمانية تنجم عنها انعكاسات خطيرة على الأشخاص المعنيين بها في سلامتهم النفسية وصحتهم الجسدية. إضافة إلى أنها تشكل، في الوقت نفسه، بالنظر لتكاليفها الباهظة وانعكاساتها التي قد تكون وخيمة جدا، معضلة حقيقية تلقي بظلالها على توازن العلاقات بين الأفراد وأسرهم وعلى دخلهم ومواردهم المادية، وعلى الوضعية الصحية والنفسية للمجتمع ككل؛ وبالتالي، تكون لها تداعيات سلبية على إمكانات وديناميات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمغرب.

أكثر من ذلك، يذكر التّقرير أنه، على الرّغم من وضع القطاع الحكومي المكلف بالصحة لاستراتيجية وطنية لمكافحة الإدمان تهم الفترة ما بين 2018 و2022، فإن السلوكات الإدمانية لا تحظى لحد الآن بالقدر الكافي من الاعتراف والتكفل بها من قبل هيئات الحماية الاجتماعية والتعامل معها بوصفها أمراضأ رغم إدراجها في قائمة منظمة الصحة العالمية. علاوة على ذلك، فإن السياسات العمومية في هذا المجال تظل غير كافية، في ظل هيمنة المقاربة الزجرية المرتكزة في محاربة الإدمان على إطار تشريعي متقادم ولا يوفر الحماية اللازمة.

الأطفال والشباب: معضلة الإدمان!

ينطلق التقرير من تعريف تضعه اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة للطفل. والطفل، وفق هذا التعريف، هو كل شخص يقل عمره عن سن الثامنة عشرة. وتعرّف منظمة الصحة العالمية المراهقة بكونها فترة النمو العقلي والجسدي التي تمتد ما بين 10 و19 سنة. بالنسبة للطب النفسي الخاص بالأطفال، تنتهي فترة المراهقة في سن 25 سنة، وهو متوسط السن الذي تتوقف فيه قشرة الفص الجبهي في الدماغ عن النمو، وهو العضو الذي يتحكم في السلوكات والقدرة على اتخاذ القرارات.

تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يجد أن هذه المرحلة من الحياة تعتبر حساسة لعدة اعتبارات، حيث يكون الطفل والمراهق فيها غير مكتسبين بعد لكل قدراتهما على الاستقلالية والتحكم في الذات وبالتالي يعانيان من الهشاشة إزاء عدة أشكال من الإدمان.

على غرار البالغين، يضيف التقرير أن السلوكات الإدمانية في صفوف الأطفال والشباب تنقسم إلى فئتين، هما الإدمان على المواد المشروعة وغير المشروعة، ثم الإدمان بدون استخدام مواد معينة، لاسيما الإدمان على الألعاب والمحتويات الإباحية أو الجنس.

في شروحاته، يقول التقرير إنّه من بين الاضطرابات السلوكية “شديدة الخطورة” لدى الأطفال التي قد تؤدي لاحقا إلى سلوكات إدمانية، تنبغي الإشارة إلى “اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه” (Hyperactivité)، والذي يشمل نطاقا واسعا من الاختلالات المعرفية والسلوكية (لا يزال هذا الاضطراب غير معروف بالقدر الكافي ولا يتم تشخيصه والتكفل به في المغرب). ويذكر هنا أن ما بين 30 إلى 50 في المائة من المراهقين المتعاطين للمواد الإدمانية يعانون من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

هذا، وبحسب آخر البحوث التي أنجزها القطاع الحكومي المكلف بالصحة حول هذا الموضوع، والتي ينقلها التقرير، فإن تعاطي المؤثرات العقليّة في صفوف المراهقين المتمدرسين لا يقل خطورة، حيثُ، في هذا الإطار، بلغ معدل انتشار تعاطي التبغ 9 في المائة، كما أن 7.9 في المائة من التلاميذ المتراوحة أعمارهم بين 13 و17 سنة هم مدخنون، علمًا أن 63.3 في المائة منهم بدأوا التدخين قبل بلوغ 14 سنة.

الخطير أنّ 9 في المائة من المستجوبين صرّحوا أنهم استهلكوا القنب الهندي مرة واحدة على الأقل في حياتهم (64 في المائة بدؤوا استهلاکه قبل بلوغ سن 14 سنة). كما أفاد 13.3 في المائة من المستجوبين أنهم سبق أن جربوا استهلاك الكحول، بينما صرح 5 في المائة منهم أنه سبق لهم استهلاك المؤثرات العقلية؛ كما أن 1.4 في المائة منهم سبق لهم استهلاك الكوكايين.

من جهة أخرى، بدأ الاستخدام الإدمانيّ للشّاشات وألعاب الفيديو والأنترنت يتنامى في بلادنا، رغم أنّ هذه الإشكاليّات لا تحظى بالاهتمام حاليًّا. ويشير التقرير أنّ دراسة وبائية أجراها مكتب دراساتي خاص في سنة 2020 على عينة من المراهقين تتراوح أعمارهم بين 13 و19 سنة بالدار البيضاء، بيّنت أن 40 في المائة يستخدمون الأنترنت بشكل يخلق لهم العديد من الإشكاليات وأن حوالي 8 في المائة يوجدون في وضعية إدمان.

توصيات ومقترحات

بناء على تشخيصه للوضع، أوصى التقرير، الذي أعده وصادق عليه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في آخر دورة له في سنة 2021 في إطار إحالة ذاتية، بالاعتراف بالإدمان، سواء باستخدام مواد مخدرة أو ممارسة إدمانية، بوصفه مرضا يتطلب علاجًا قابلاً من النّاحية القانونية للتكفل به من طرف هيئات الضمان والتأمين الصحي والحماية الاجتماعية.

كما طالب بضرورة مراجعة الإطار القانوني المنظم للتغطية الصحية وتحيينه، بما يمكّنُ من توضيح طبيعة اضطرابات الإدمان والتحديد الدقيق لتصنيفاتها المعتبرة أمراضاً تتطلب علاجات؛ فضلاً عن مراجعة القانون الجنائي، بما يسمح من جهة بالتطبيق الممنهج للمقتضيات القانونية التي تمنح متعاطي المخدرات الحق في الخضوع للعلاج، ومن جهة أخرى، العمل على تشديد العقوبات ضد شبكات الاتجار في المخدرات والمواد غير المشروعة.

التقرير اقترح، كذلك، توجيه نسبة ثابتة من مداخيل الدولة (10 في المائة) التي يتم استخلاصها من الأنشطة المشروعة التي قد تسبب الإدمان (التبغ، الكحول، رهانات سباق الخيول، اليناصيب، الرهانات الرياضية) نحو العلاج والبحث والوقاية.

جدير بالذكر أن هذه المواد والخدمات تحقق رقم معاملات يبلغ أزيد من 32 مليار درهم، أي ما يمثل نحو 9 في المائة من المداخيل الجبائية للدولة و3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.

أيضًا، من ضمن توصيات المجلس أن يتمّ الاعتراف القانوني باختصاص علم الإدمان وبالشّهادة الجامعية الممنُوحة في هذا المجال واعتماد الأنظمة الأساسيّة للمهن المُرتبطة بهذا الاختصاص (المعالجون النفسيون، والمعالجون المهنيون، وغيرهم)، وذلك بما يمكن من تعزيز الموارد البشرية العاملة في هذا الميدان.

إضافةً إلى تعزيز موارد المرصد المغربي للمخدرات والإدمان والعمل على التتبع والنشر المنتظم للمعطيات المتعلقة بانتشار الإدمان على المواد ذات التأثير العقلي والنفسي والإدمان على أنشطة معينة وأشكاله وآثاره وطرق التكفل به.

واقترح المجلسُ إطلاق مخطّط وطني للوقاية من الإدمان ومكافحته في الوسط المهني؛ وإحداث هيئة وطنية للتقنين التقني والأخلاقيات ومراقبة أنشطة المؤسسات والشركات العاملة في مجال ألعاب الرهان، وذلك من أجل الوقاية من السلوكات الإدمانية والتصدي لها؛ وكذلك تعميم الولوج إلى العلاجات البديلة للمواد “الأفيونية” على مستوى جميع المؤسسات السجنية وضمان إمكانية الولوج إلى العلاجات لفائدة أي شخص ممن يبدي رغبة في ذلك.

مقالات  قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *