×
×

الموسيقى الكناوية بالخملية… دعوة للباحثين عن “السّياحة الرّوحية”! 2\2

بعدما رأينا في الجزء الأول كيف وصل الإرث الكناوي إلى الخملية وأبعاده السوسيوثقافية، سنحاول في هذا الجزء الثاني أن نرصد الاختلاف بين كناوة الخملية وكناوة الصويرة، من حيثُ الإيقاع واللباس، وكيف باتت الخملية، رغم كلّ شيء، قادرةً على خلق سياحة روحية خاصّة بها.

الذي يبدو أنّ الذين يتهافتُون للذّهاب لمهرجان الكنَاوة بالصّويرة كلّ صَيف، لا يعرفون الشيء الكثير عن موسِم الخملية… ربّما يرجع ذلك للتفاوت من حيثُ التغطية الإعلامية، وللهوّة بين المهرجانين من حيثُ المعدّات والجمهور وطرق التّمويل.

… هُناك الكثير ممن يزورون مرزوكة من أجل الاستشفاء بحَمامات الرّمال. لكنّ الذين يسمعون بدار كناوة، يأبون إلاّ الانتقال سريعاً، من السّياحة الاستِشفائية إلى سياحة روحية بالخملية، تلعبُ فيها الموسيقى الكناوية الدّور الأساس.

في دار كناوة، وغيرها، يحرصُ حمّاد محجوبي ومن معه على خلق فرجة، تحاول أن تكون استثنائية، يومياً، لفائدة زوار قدِموا من كلّ حدب وصوب، من المغرب، أو من العالم.

ما إن يبدأ العرضُ الكناويّ الصّاخب، حتى تتوزّع كؤوس الشّاي المحليّ بالأعشَاب على الحضُور، ومعها إناءٌ من البُندق واللّوز أحيانًا، يتجوّل به صاحبُ العمامة البيضاء على الزّوار. ملابسه تفوح منها روائح العطور الإفريقية… يخبرونك بهذا الفعل، ضمنياً، أنّ إيقاعات الموسيقى الكناوية وما يعتريها من شطحات دائرية ورقصات فرجوية، لا تحلو إلاّ مع الشّاي المحلّي.

… يقول الصحافي المغربي عزيز اجهبلي، وهو ابن المنطقة: “إن الموسيقى التي يتم عزفها في اللقاءات العابرة، تقتصر على جزء صغير من هذا التّراث العريض، وتتكون من أغاني وقصص، أبطالها شخوص أسطوريّة لها رمزيتها في الواقع المحسوس من مثل “بارا”، “عيشة وعويشة”، “بوكمية”… أما الذّخيرة الفياضة فيحتفظ بها رواد المجموعة، إلى وقت يتسع لاستعراض كل ذلك الزّخم من القصص والأغاني”.

كناوةالخملية… السّياحة الرّوحية!

ياسين مولدة، أحد أعضاء فرقة “البامبارا”، بالخملية، يذهبُ إلى أنّ فرادة الأهازيج المحلية لعبيد الخملية، تعودُ بالأسَاس إلى التّوزع الذي حصل للعَبيد الوافدين على المغرب.

على سبيل المثال، فإذا كانت الفُرق الكنَاوية الأخرى، بكلّ ربُوع الوطن، ترتدي أزياء حافلة بالألوان وتحتفي بالعين، وموسومة بالنّقش على الثّوب بـ”الودع”، فإنّ فرق الكناوة بالخملية، تأبى إلاّ أن تلبسَ عباءات وعمامات ناصعة البياض، بالإضافة إلى “الحمالة” و”الحزام”، باللون الأحمر. ولعلّ الرهان على الأبيض، يعتبرهُ البعضُ امتداداً دلالياً على الصّفاء والسّلم والسّلام والحرّية.

بالنّسبة للإيقاع، فياسين مولودة، الشّابّ العشرينيّ الذي ينتمي لفرقة البامبارا، يرى أنّ رهان التّجربة الكناوية بالصّويرة، يعتمدُ على “الهجهوج”؛ وهناك إيقاع آخر لدى الكناوة بالصويرة يُركّز على الطّبول. هذا الإيقاع يحملُ تسمية “العَادة”.

أمّا على مُستوى الخملية، فإنّ المَضامين المُوسيقية تتضمّن أهَازيج محلية أمازيغية، نظراً إلى الاحتكاك الثقافي، الذي حدث للعبيد الوافدين إلى الخملية، مع السكان الأمازيغيين هناك، سيما الرّحل. فتماهت هذه الموسيقى بالفلكلور الخبّاشي على وجه الخصوص.

يحكي ياسين مولودة لمرايانا تجربته في “تاكناويت”، معتبراً أنّه وُلد في بيئة كناوية، تحتّم عليه أن يكون ضليعاً في هذه الموسيقى الرّوحية، بعد أن وجد شقيقه الأكبر “موبوءاً” بعزفِ آلة الكنبري الكناوية… فكانت بدايته بتعلم القراقب، ثمّ حفظ الأهازيج الكناوية، وبعدها كان المرور إلى تعلّم القرع على الطّبول.

يقول مولودة إنّه من الضّروريّ أن يعرفَ النّاس أنّه، كي تصبحَ “مْعلّمْ”، في “تاكناويت”، فهناك تسلسُل مرحليّ. يبدأ المسار مع القراقب، ثمّ الطّبول، سواء الصّغيرة أو الكَبيرة، وفي النّهاية المرور مباشرة إلى آلة “الهجهوج”، التي لا يمكن بلوغها إلاّ بعد حفظ الأغاني وإتقان تحريك القراقب، وكذلك التّمكن في ضرب الطّبول.

يختمُ ياسين مولودة حديثه مع مرايانا، قائلاً بأنّه ليس من السّهل الانصهارُ في الفرقة، ذلك أن أي خطإ في الإيقاع قد يفسدُ عمل الفرقة كليةً. لذلك، حتى الأطفال حين يندمجون في الفرقة، يدركون أن العملية ليست مرادفاً للّعب، بل هي عملية معقدة، تستدعي قدراً كبيراً من الجدّية.

الأمرُ ذاتهُ يؤكدهُ حماد محجوبي “مْعلّم” فرقة “البامبارا”، ومؤسس دار كناوة الخملية… حيثُ يجدُ أنّ ضمان استمرارية الأداء “الكناوي” المُنسجم للفِرقة، يتطلبُ مجهوداً مضاعفاً، لتمكين الحضور من النفاذ إلى التّجربة الرّوحية للموسيقى.

هكذا، يتّضح أنّ كناوة الخملية، ليست إبداعاً فحسب، بل هي مجهود مضني، وتسلسل مرحلي متناغم، يتطلّبُ نصيباً مهمًّا من المِراس والدّربة.

ربّما ذاك هو السرّ في بقائه على قيد الحياة، يرثهُ جيلٌ بعد جيل.

كناوة الخملية… سرّ الصّمود!

ابرهيم اجهبلي، الأستاذ الجامعي الباحث، الذي طرق الكثير من جوانب التراث الكناوي بالخملية، يحاول أن يشرح لمرايانا السرّ الذي ضمنَ بقاء هذه الفرق الكناوية، رغمَ الطبيعة الصّعبة للمنطقة وضعف مواردها وتهميشها سياسيًّا.

اجهبلي يرى بأنّ المجموعات الكناوية بالخملية، استطاعت أن تُبقي موروثها الثقافي في منأى عن أي عناصر خارجية أو داخلية قد تشكل تهديداً لها، بفعل خصوصية المنطقة التاريخية وعزلتها الجغرافية، وبفعل حرص الفاعلين الطقوسيين الكناويين أنفسهم على تشريب ثقافتهم للأجيال الصاعدة، وكذا بفعل قدرتهم على رسم حدود إثنيتهم، حيث ظلت المجموعات الكناوية مجموعات مغلقة ومحدودة الانفتاح على محيطها.

هذا، طبعاً، يقول اجهبلي، دون إغفال اعتماد عناصرها في الآونة الأخيرة على النشاط السياحي بالمنطقة، والذي أسهم في خلق فرص عمل طيلة أيام السّنة في أغلب الأحيان، زيادة على انخراطها في العديد من المهرجانات الموسيقية والفولكلورية… حتى صارت العديد من الفرق والمجموعات الموسيقية تمتهن الفن الكناوي.

هذا السّياق “وضَع الفاعلين الطقوسيين، من داخلها، اليوم أمام خيار الانفتاح والانتقال من مجالهم المقدس نحو ممارسة إبداعية فنية محضة، بعيدة عن رموزها وأسرارها ودلالاتها المتفرّدة التي تقاوم كل دخيل على حساب تقديس الإرث والذاكرة“.

يضيفُ المتحدث أنّ استِجابة “الكناويين” كانَت بوتيرة مختلفة ومتباينة. من جهة، ثمّة كناوة القرى، أي نموذج كناوة واحات تافيلالت، الذين “استطاعوا” الحفاظ على تقاليد الممارسة الطقوسية الفنية الأصيلة، نتيجة عزلتهم المجالية والاجتماعية، بمعنى هامشية المناطق التي يتواجدون بها، وقدرتهم على الحفاظ على استمرارية نسلهم ونقائه عبر الزواج الداخلي.

ومن جهة أخرى، “هناكَ كنَاوة المدن، أي نموذج كناوة الصويرة أو مراكش… الذين صارُوا أكثر تأثرا بمختلف التّحولات والتغيرات التي مسّت طبيعة وبنية هذه الممارسة الفنية والطقوسية العريقة”.

يخلصُ اجهبلي في حديثه لمرايانا، إلى أنّ الملاحظ، اليوم، هو المفارقة الكبيرة بين هذه المجموعات الغنائية، أي كناوة المدن وكناوة القرى، أو بين الأولى التي قطعت أشواطا مهمة في مسار تحولها نحو النجومية والشّهرة والتألق؛ وبين الأخرى التي لا زالت ترزح تحت ثقل الماضي، وتراث تقليدي موقوف، لم يواكب هذه التّحولات… على الرغم من بوادر الانعتاق التي بدأت تظهر في الآونة الأخيرة، نتيجة خلق عدة تجمعات وتكتلات في إطارات تنظيمية من شأنها أن تزيد من فرص تنميتها.

في النهاية، يتّضح أن الخملية، تمكّنت أن تشقّ صمت أسامر بأهازيجها الكناوية، حتى بلغت المغرب والعالم متمكّنة، في ذلك، من المزج بين الأفريقي والأمازيغي في تجربة روحية فذّة، تشاركُ في رسم معَالمها النّساء أحياناً بكلّ حرّية.

تلك اللّوحة البصرية، الممتدّة في العين والإدراك، يتمّ تقديمها في قالب من التّعويذات، التي لا يفهمها سوى الرّاقصون وأعضَاء الفرقة.

لعلّ الفرق يكمنُ في كون الذاهبين للمكان، يعتقدون لوهلة أن تلكَ البيوت الطينية مجرّد أطلال خالية، لكن سرعان ما تعلو أصوات الأجراس المعدنية، أي القراقب، والطبول والكنبري… لتفصح عن المضمون “العلاجي” لوضعيات نفسية متباينة، والذي تقدمه هذه الموسيقى الرّوحِية لزُوارِها… القادمين من كل مكان في العالم!

مقالات قد تثير اهتمامك:

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *