×
×

موسيقى كناوة بالخملية… تلك الأهازيج العابرة للزّمن! 1\2

التّجربة الكْناوية لا تقتصر فقط على الموسيقى والرّقص والغناء، بل هي ممارسة فنية طقوسية ومعتقدية متعددة الجوانب ومركبة العناصر…

هناك… بعيداً عن العالم بأسَامر، وتحديداً بالخمليّة، الواقعة على بعد أميالٍ من مرزوكة، تنتصبُ دار كناوة. بناية طينيّة تخبرُ كلّ زائِر أنّ للرّقص معنى آخر، وأنّ الكِتابة بالجَسد جدّ مُمكِنة على الإيقاعات الكناويّة.

وأنت تدخل دار كناوة بالخملية، تحيطُ بك أعلام الدّول الأفريقيّة جنوب الصحراء، إلى جانب العلم المغربي. تواجد الأعلام الأفريقية، إحالة رمزية على كونها تُعتبرُ مهداً لهذا الفنّ الفريد، والذي تجسّده فرقة “البامبارا” ممارسةً أباً عن جدّ.

مرايانا زارت دار كناوة، وعاشَت أجواءً استثنائيّة تهتزّ على أثيرها “القراقب”، المعروفة محليّا بـ”قربشلة”، وتُقرعُ فيها الطّبول و”الجَامبي” وتعزفُ فيها آلة “الكمبري”، في إيقاعات مضبوطة، وداخل فضاء مدثّر باللّون الأزرق.

مكانٌ مغلق، إلاّ أنّه ممتدّ… يتّسع لمئات الزّوار الباحثين عن دفء المُوسيقى الكناوية، كتجربة صُوفية ورُوحيّة صِرفة، تعلو بالإنسان نحو مرتبة أكثر “سمواً” و”صفاء”.

الذين يعرفون مرزوكة، نادراً ما يعرفون مكانا، أقلّ شهرةً، يسمى الخملية؛ هذا المكانُ، مع ذلك، يتوارى خلفه غنى ثقافِي وهويّة موغِلة في الأصَالة وإرث حضَاري عظيم، يُطوّعُ الأرواحَ ويجذبُ النّفوس، ويستَحقّ أن يُبرز…

في هذا الملفّ، مرايانا تسلّطُ الضّوء على نشأة هذا الفن وتطوّره بالمغرب؛ وكيفية وصوله إلى ذاكَ المكان القصيّ بـ”الجنُوب الشّرقيّ”، فضلاً عن الأداء المتناغم بين الفرقة… وأيضا كيف تمكّنَ من الحفاظ على بقائهِ يقاومُ، حتى انتزع اعتراف اليونسكو بالموسيقى الكناوية، ضمن التّراث اللاّمادي العَالمي في دجنبر 2019.

في محاولة لمطاردة النّشأة!

يكونُ دليلنا، في هذه المحاولة، الأستاذ الجامعي الباحث، ابراهيم اجهبلي، الذي تخصّص في ذاتِ الموضوع، واستنفد مختلف جوانبه.

اجهبلي وجدَ أنّ الجذور التاريخية والأصول الطقوسية للطائفة “الكناوية” بالمغرب تعودُ إلى إفريقيا جنوب الصحراء، أو السّودان الغربي (يقابله البيضان)،”وذلك بشهادة العديد من الدراسات والأبحاث حول المنطقة، التي أكدت وجود إمبراطورية عريقة كمالي وسونغاي وغيرهما بها. حيث ازدهرت التجارة وبرزت أسماء لمدن لها وزن تجاري وحضاري وإشعاع علمي وثقافي، مثل مدينة تمبكتو وكاو وغيرهما؛ وذلك عبر حركة القوافل التجارية التي كانت جسرا للعبور الإنساني والتّواصل الثّقافي“.

وقتئذٍ، كان للمسالك التجارية وقوافلها أثر كبير في التبادل والتواصل بين نقاط متفرقة من الصحراء جعلت عناصرها تتداخل، وحاجاتها تتكامل، ومن بينها طريق الحرير وطريق الملح الذين اعتبروا أهم مناطق العبور بين البلدان، إذ أدخل طريق الملح إلى منطقة شمال إفريقيا عناصر ليست بالقليلة من السود، الذين أتت بهم القوافل التجارية عبيدا يباعون في أسواق خصصت لهم.

كما دخلت بلاد المغرب أفواج من العبيد عن طريق الحملات العسكرية أيضًا أو على شكل هدايا للملوك والسّلاطين وغيرهم.

أما بخصوص استقرار العبيد الكناويين “أو عبيد لالة ميمونة” بمنطقة الخمليّة، فيوضح اجهبلي لمرايانا، أن “جذور إقامة الموسم في قرية “الخملية” حسب المبحوثين الذين أجرينا معهم المقابلات من أعضاء الطائفة الكناوية، تعود إلى ما تمت وراثته عن الأسلاف في أرض السّودان الإفريقية، والذين كانوا يقيمون احتفالات خاصّة بهم”.

غير أنه، في الخملية، حسب المتحدّث، ترسخ الموسم في المتخيل الرّمزي لها بما ذكرته الأسطورة/ الحكاية الأصل المتداولة، التي تقول:

“إنه بعد أن زاد عدد العبيد في سجلماسة بفعل التّجارة الصحراوية، كانت القوافل تجوب الصّحراء في اتجاه السّودان ذهابا وإيابا طوال السنة، ولا تتوقف إلا للتّزود بالمياه وما تحتاجه أو للاستراحة. بعد مدة، كان العبيد يقيمون احتفالاتهم في العراء ليلا، فيضربون الطبول و”القرقبات”، تيمنا واقتداء بمؤسس زاويتهم “سيدنا بلال” وإرث أجدادهم؛ وكانت امرأة مسنة تحط بجوارهم، وهي حسب قولهم من أصل منيعي، -أي من قبائل ذوي منيع- تنتظرأن يرحبوا بها ويطعموها.

في موعد العشاء، كانت موائد الكسكس توزع على كل الحاضرين من العبيد وغيرهم، إلا تلك المرأة المسنة، فحزنت وأحست بالغيظ واليأس من ذلك، ثم أصبحت تصرخ في وجههم وتدعو الله أن يأخذ لها بحقها من العبيد.

على إثر ذلك، هبت ريح عاتية مرسلة من عند ربها عقابا لهم على بخلهم، فامتدت عاليا حتى دفنت كل العبيد، وهم الآن يرقدون في سافلة الرمال العالية.

بعدها، أذاعت هذه المرأة حديثهم بين الناس، لتأتي مجموعة أخرى من العبيد إلى المنطقة لتحيي ذكراهم وتعمل على تحيين الحدث، وذلك بإقامة “صدقة” حتى لا يفعل بهم ما تم فعله بالمجموعة الأولى”…

تُروَى الأسطورة بشكل آخر، يضيفُ الباحثُ، في إطَار علاقة بالآخر، انطلاقاً من علاقة العبيد بالمجموعة المحاربة في المنطقة، وهي قبائل “ذوي منيع” البربرية اللّسان، التي كانت تجمعهم معهم علاقة “العبد بالسّيد”، انطلاقاً من كون هذه الأخيرة، هي من كان يقود العمليات التّجارية في سجلماسة.

يحكي المبحوثون عن هذه العلاقة بقولهم في شكل حكاية أصل، يوردها اجهبلي في حديثه مع مرايانا، ومفادها:

“في عهد السيبة التي عرفتها المنطقة، كان قطاع الطّرق ينتشرون بكثرة على طول المسالك التجارية، وكانت قافلة تجارية تعبر المكان الذي يعقد فيه العبيد احتفالاتهم، فاقتربت منهم طلبا للضيافة وخوفا من قطاع الطرق ليلا، إلى أن أرست بجانبهم.

حين حلول الموعد الذي توزع فيه موائد (قصعات) الكسكس، تناول الجميع عشاءهم إلا هذه القافلة، فأحسوا بنوع من الغيظ واليأس، فدعوا الله أن يأخذ حقهم من هؤلاء العبيد، فإذا برياح قوية تندلع فجأة، وامتدت عاليا حتى السماء ودفنت العبيد كلهم، في أكوام الرمال، فأذاع التجار حديثهم…”.

يتّضحُ إذن أنّ أمر استقرار كناوة بالخملية فيه جانب أسطوري اعتمدت عليه الذاكرة الكناوية لتثبيت تواجدها وملكيتها للمكان.

كناوة… أية أبعاد سوسيوثقافية؟

نستمرّ مع الباحث ابراهيم اجهبلي، في هذا الصّدد، ليوضّح لمرايانا كيف أن التّجربة الكْناوية لا تقتصر فقط على الموسيقى والرّقص والغناء، بل هي ممارسة فنية طقوسية ومعتقدية متعددة الجوانب ومركبة العناصر. فكناوة جماعة عرقية، ووحدة اجتماعية، تتخذ من القوى الغيبية ومن الأصول التاريخية والحضارية، مرجعيتها المعتقدية والفنية.

كناوة، المتواجدة اليوم بالخملية، هي ثقافة إفريقية الأصُول، مغربية المنبت، شعبية المظاهر، تشكل فنا شعبيًّا أسهم في إغناء المورُوث الثّقافي المغربي، وإذكاء هوّيته الدّينية واللّغوية والإثنية… ولها من الخُصوصِيات الثّقافية ما يحفظ هويتها المتفردة في الأداء والتعبير عن مختَلف مظاهِر الحَياة، يقول اجهبلي.

ذلك الحفظُ لا يتأتى، عملياً، وفق الباحث، إلاّ انطلاقا من تنظيم داخلي محكم بين أفرادها وعناصرها. من ذلك، حرصُها على إقامة المواسم السنوية سواء في الخملية أو جبل لالة ميمونة بالمنطقة. فضلاً عن اعتمادها على عدة تعابير رمزية من رقص وغناء وموسيقى ولباس وإقامة حفلات الجذبة أو الحضرة وما تتطلبه من حضور عناصر طقوسية، من بينها الألوان والبُخُور والذّبائح…

الموسيقى عند الجَماعة الكناوية بالواحة، ” ترمزُ إلى أشكَال الاتّحاد مع العَالم العُلوي، انطلاقاً من دعوة “المُلوك”/”لرْياح”، لمشَاركتها عبر أشْكال البخور والقرابين المقدّمة إليها، فتصِير الموسيقى عندها فنا متكاملا من حيث العناصر، تعبر عن أشكال تعاطي الإنسان مع بيئته ومحيطه، في استدماجه لمختلف المؤثرات الخارجية والداخلية، ولا ينفصل فيها الأداء عن المؤدين (الراقصين)، إذ تلعب الأكسسوارات المرافقة لها أدوارا مهمة هي الأخرى، من “لباس وحركة وعادات… في شكل مركب”.

لكن، يفصّلُ المتحدّث، سُرعان ما يدمجُ الحضور، أو الجمهور، هو كذلك، خاصّة في طُقوس اللّيلة الكنَاوية، التي تتّخذ من المُوسيقى أداةً لتهيِيج الرّاقص وإدخَاله عالم “المسّ” و”التّلبس” بمفهومه الأنتروبولوجي. في حين تحتفظ الموسيقى الكناوية بجانب دنيوي مرح تغيب فيه كل تلك التأثيرات الروحية، وهو ما نشهده في بعض الاحتفالات كالأعراس والولائم وغيرها.

يجملُ اجهبلي قائلاً بأنّه، من حيثُ جانبها الفني، فهي ترتبطُ بالإيقاع في الغَالب على حساب اللحن، وتعرف الخصائص الفنية المميزة لها محليا بـ”الركب الفيلالي”، أي النمط الخاص بتافيلات.

في الجزء الثاني، نرصدُ الموسيقى الكناوية بالخملية كتجربة روحيّة، فضلا عن سبر أغوار تمكنها من الحفاظ على أصالتها، دون تزييف أو تحريف… إلى اليوم!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *