×
×

من ظاهر النص إلي باطنه. ابن عربي، الحبّ والتّسامح في الصوفية 2\3

رأينا في الجزء الأول كيف تطورت حركة التصوف منذ بدايتها الجنينية مع حركة الزهد في القرنين الأول والثاني، وكيف تطورت، عبر مراحل، إلى أن بلغت شكلها الأعلى: التصوف النظري أو التصوف الفلسفي.
في هذا الجزء الثاني، نقتفي كيف سعى المتصوفة إلى تأويل النص الديني، والمحتوى الأيديولوجي لهذه المحاولة، ثم نعرج على استنطاق معنى التسامح والتعايش عند مشايخ الصوفية.

يعرّفُ ابراهيم محمد ياسين التصوفَ الفلسفي أو النظري بأنّه شكل آخر من أشكال التصوف، يختلف من حيث المفهوم والجوهر عن التصوف السني الذي ظهر عند المدارس المعتدلة التي اعتمدت القرآن والسنة النبوية مصدرين من مصادر التصوف، کالمدرسة القشيرية والجنيدية ومدرسة أبو حامد الغزالي وغيرهم.

بشكل أدقّ، يغدو “المقصود بالتّصوف الفلسفي ذلك التصوف النّظري الذي يعمد أصحابه إلى مزج ذواتهم الصوفية بأنظارهم العقلية”[1]، مستخدمين في التّعبير عنه مصطلحا فلسفيا ينتمي إلى الفلسفة وعلم الكلام أكثر مما ينتمي إلى التّصوف. يميل بعض الذين أرخوا للتّصوف الفلسفي إلى الاعتقاد بأنه اتجاه ظهر في القرنين السّادس والسّابع الهجريين، خصوصاً مع ظُهور الصوفي محيي الدين بن عربي.[2]

التأويل الصوفي… الظاهر والباطن!

حسين مروة يفكّك مسألة الظاهر والباطن، معتبراً إياها فرعاً لنظرية المعرفة الصوفية، أو هي نتيجة كان لابد أن ينتهي إليها منطق هذه النظرية.

بالنسبة لمروة، فإن الصّوفية حين أخذوا بمفهومهم الخاص للمعرفة، على أنها اتصال بالله مباشرة دون وسائط، وحين خصوا أنفسهم بهذا النوع من المعرفة، بادعاء أنهم أولياء الله خاصة، وأن الله، بحكم هذه الولاية، يظهر لهم ما لم يظهره لأحد من العالمين، أصبح من المحتم أن يقودهم منطق الأشياء هذا، إلى ادعاء كون الفهم الذي يفيض عليهم من “عين الجود” الإلهي مباشرة، من شأنه أن يمنح معرفتهم “الذوقية” تفرداً في “رؤيا” صفات الوحدانية، أي مفهوم التوحيد، على نحو يعجز عنه الآخرون من فلاسفة عقلانيين ومتكلمين ومن فقهاء وأصوليين.

مما لا يمكنُ القفز عليه، أنّ الصّوفية “كانوا محكومین، مع ذلك، بواقع لا يمكنهم الانفلات من حكمه، هو أنهم مسلمون، وأن الإسلام هو المنطلق والإطار لتفكيرهم ولسلوكهم”. [3]

هذا الأمر دفع الكاتب إلى التساؤل: كيف يمكنهم، إذن، أن يتفردوا، أو يظهروا تفردهم “بالفهم”، و”الذوق” و”الرؤيا” لأمور تدخل في أسس النظام الإسلامي السائد، أو في مقولاته ومفاهيمه ومسلماته المسيطرة؟ وكيف يحددون موقفهم، إذن، من القرآن بوصف أنه وحي إلهي نزل على النبي ليكون وسيطا بين الله والعالمين، ثم بوصف أنه نصوص مقدسة تسجل (وثائق) الشريعة أو “الدستور” للنظام الاجتماعي المتمثل بدولة الخلافة، أي الدولة التي تعتبر نظامها الاجتماعي – السياسي نظاما إلهيا له قداسة النصوص الدينية نفسها، وله قداسة الشريعة التي تحتويها هذه النصوص؟

كان ثمة واقع موضوعي يحكم وجود الصوفية وقتئذ، وكانوا في الوقت ذاته، مطالبين بمواجهة تلكُم الأسئلة بشكل لا يجافي واقعهم.

لعلهم أدركوا أن سبيل ذلك لا يتحقق إلا في خضمّ مفهومي: الظاهر، والباطن، وعبرهما يتاح للمتصوفين البقاء ضمن هذا الواقع، ومن الثورة عليه في وقت واحد.

…هذه هي العملية المركزية في كل التجربة الصوفية من حيث التقويم الفكري والإيديولوجي معا لهذه التجربة في العصر الوسيط”. [4]

بهذا المعنى، تشحنُ نظرية المعرفة الصوفية بالعنصر الثوري، ضمن ذلك الزخم الهائل من ترهات التصوف واستحالاته، بل إن من أغرب المفارقات أن يأتي العنصر الثوري من هذه الاستحالات نفسها.

يحدد حسين مروة بدقّة، أنّ الصوفية اعتمدوا على مفهومي: الظاهر، والباطن، في التّعامل “مع نصوص الإسلام ذات الصفة المقدسة عند المسلمين (القرآن والسنة)، لإخضاع هذه النصوص للمضمون المتناقض مع نظرية المعرفة الإسلامية؛ وذلك بدعوى أن هذه النصوص تحمل وجهين من المعاني: فهناك الوجه الظاهر، وهو يتوجه إلى العامة من المسلمين؛ والوجه الباطن، وهو يتوجه إلى الخاصة منهم. والخاصة، هنا، في نظر الصوفية، هم الصوفية أنفسهم”.

يتساءل مروة: أفليسُوا هم، في دعواهم، خاصّة أهل الله الذين منحهم أسرار العلم الباطن المودع في القرآن والحديث؟

يخلص الكاتب أنّ هذا باب واسع أمامهم للخروج من حرج الموقف حيال نصوص الإسلام: من هذا الباب، يتاح لهم، من جهة، أن يقروها كنصوص جاهزة يأخذ بها المسلمون جميعا، ويأخذون بها هم، أي الصوفية، كسائر المسلمين… ويتاح لهم من جهة ثانية، أن يتصرفوا بها وفق طريقتهم بتأویل ظاهرها إلى باطنهم، ما دام مجال تأويل “الباطن” مفتوحا دون حدود.

من المعلوم أنّ توغّل الصّوفيّة في الباطن، أدى إلى قتل بعضهم كالحلاّج وعين القضاة الهمذاني والسُّهروردي… كما أدى إلى اتّهام معظمهم بالهرطقة والإلحاد.

روح التّسامح في التّصوف

محمد بن أحمد، الباحث في التراث الصوفي، يذهب إلى أنّ “التصوّف يعدّ من أهم المدارس الإسلامية وأكثرها اهتماماً بالإنسان، فهو يرى الإنسان نفحة الله في هذه الحياة. وهو مظهر تجليات الحق بصوره وصفاته، كما أنه محل تنزلات أنوار الحق وأسراره؛ وأن على الإنسان السير إلى الله من خلال استكشاف تلك الأنوار وتلك الأسرار والتفاعل مع تلك الصور والصفات الربانية التي تحلو بها الحياة وتطيب بها القلوب وتتزكى بها النفوس”. [5]

يتمخض عن هذا موقف أيديولوجي معارض للقراءات الأحادية للقرآن والسنة، التي كانت لها الغلبة وكانت سببا في الحروب الطائفية والمعارك الفكرية منذ مقتل عثمان.

كتكريس للثورة على مبدأ التعصب في الدين واحتكار قراءة النص الديني، يأتي شيخ الصوفية الأكبر محيي الدين بن عربي ويقول في أبيات، لازال كثيرون يستشهدون بها إلى اليوم كعنوان للتسامح والتعايش بين الأديان وتقبّل الآخر:

قد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي … إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

وقد صار قلبی قابلا كل صورة … فمرعی لغزلان ودیر لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف … وألواح توراۃ ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه … فالحب ديني وإيماني

مثال ذلك عن الحبّ، يقول محيي الدين: “مَنْ حَدَّ الحبَّ ما عَرَفَه! وَمَنْ لم يذُقْه شربًا ما عرفه! وَمَنْ قال: رَوِيْتُ منه ما عرفه! فالحب شُرْب بلا رِيٍّ”.

الحقّ أنّ بن عربي، لم يكن متفرداً بين الصوفية في تبنيه هذه الرؤية الرحبة المتجاوزة للتعصّب وضيق الأفق، المحلقة، بالنسبة للصوفي، في سماوات المحبة والمعرفة بالله؛ فقد أقرها من قبله، وأكدها من بعده، كبار الصوفية، كما يذهب محمد بن أحمد.

هذا الموقف الأيديولوجي، يوجد صداه واضحاً قبل بن عربي بأكثر من مائة عام، حيث كان الشيخ نجم الدين كبرى يرى أنه لا يمكن لإنسان أن يحتكر الصّلة بالله ويقصرها على نفسه، وهو ما تعبر عنه عبارته:

الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق… فلكل إنسان طريقه إلى معرفة الله، وليس من حق أحد أن يحجر على الآخرين ويزعم أنه وحده على حق والآخرون على الباطل.[6]

بما معناه… أنه قد تكون هناك طريقة أقرب إلى الوصول إلى الله، لكن ذلك لا يعني بطلان الطرق الأخرى.

يرى نجم الدين كبرى أن الطريق الأقرب إلى الله، محصورة في عشرة أصول: التوبة، الزهد في الدنيا، التوكل على الله، القناعة، العزلة، ملازمة الذكر، التوجه إلى الله، الصبر، المراقبة، الرضا.

لعلها أصول تنشغل بالباطن وإصلاحه وترقيته، ولا تلتفت إلى الآخر لنفيه أو إلغائه… وهذا ما اعتبره الكثيرون نقطة قوة للتّصوف النّظري.

لكن ألا يبقى سؤال الأيديولوجيا حاضرا بخصوص كيف نظر المتصوّفة للشّريعة؟

هذا ما سنراه في الجزء الثّالث والأخير من هذا الملف.

هوامش:

[1]ابراهيم محمد ياسين، مدخل إلى التصوف الفلسفي – دراسة سيكوميتافيزيقية، الطبعة الثانية 2002.

[2]المرجع نفسه.

[3]مروة حسين، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، المجلد الثالث، دار الفرابي، الطبعة الثانية 2008.

[4]المرجع نفسه.

[5]محمد بن أحمد، عن ورقته البحثية: الحب الصوفي وأنثروبولوجيا التسامح – دراسة ابستمولوجية.

[6]المرجع نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *