×
×

حكايات نساءٍ تعرّضن لمحاولة الاغتِصاب… ضحايا يكسرن حاجِز الصّمت! 2\2

تابعنا في الجزء الأول من هذا الملف، حكايتين لمحاولتي اغتصاب بشعتين، وعرضنا أثرهما على الصحة النفسية للضحايا فيما بعد.

وقد أشرنا، في الجزء الأول، لكوننا، حين نروي حكاياتهن، فنحن نؤكد أنها ليست مجرد حكايات معزولة ومتفرقة. الاعتداءات الجنسية واقع يطال الآلاف من النساء في صمت. بسبب الخوف وبسبب التنشئة الاجتماعية وبسبب ثقافة مجتمعية تسقط اللوم على الضحايا في العديد من الحالات، لا يفضحن المعتدي.

حين نروي حكايات أربع نساء ضحايا العنف الجنسي، فنحن نسلط الضوء على جزء صغير من واقع موجع يرفض الكثيرون الاعتراف به… أو، وهذا الأفظع، يجعلون ضحاياه فيه…. متهمات!

لذلك، في هذا الجزء الثاني، نرصد قصتين مشابهتين في الحدث، مختلفتين في السياقات المتحكمة والآثار السيكولوجية الممكنة والوقائع المحيطة بما حدث.

مروة: أو الدّهشة المرضية…

تكاشف مروة، 22 سنة، مرايانا بقصّتها مع محاولة الاغتصاب، تقول:

كنتُ ممرّضة متدرّبة في المستشفى الذي يشتغل به، وكان يطلبُ مني كل مرة أن أقوم بمهام أكون فيها بجانبه، رغم وجود عدّة ممرضات في المستشفى. ذات مرّة طلب مني البقاء قليلاً لمساعدته، وعمداً حتى يغادر الجميع في ذلك الفضاء من المستشفى. وقف خلفي وأمسك ثدييّ بقُوة، فاندهشتُ مما يحدث ولم أستَوعب حتّى ما الذي يجري!

تضيفُ مروة: استدرتُ بسُرعة ودفعتُه وأنا في كامِل الإحساسِ بالرّهبة، لكنّه استمرّ رغم ذلك، وبدأ يقبّل عُنقي وأنا أقاومُ وقلبِي يدقّ بشَكل جنونيّ. دفعتهُ مرّة أخرى وهددتهُ بأني سأفضحه أمام الجميع، لكنّه عاود الإمساك بي وقبّل فمّي… فبصقتُ. ارتبكَ في لحظة ما وحاول تهدئة الوضع. قال إنه يحبّني، وليس عدلاً أن أقابله بكلّ ذلك الرّفض وإنّني بطلةُ استيهاماته الجنسية. قمتُ باستغلال الوضع حينها، وقلتُ له إنّه يمكنُ أن نفعل ذلك في مكان آخر وليسَ في مكان العَمل. حدّد لي نهاية الأسبوع كموعد لأزوره في بيته. هربت منَ المَكان بسُرعة وتخليتُ عن التدريب، ولم أستَطع فضح ذلك لأيّ كان حتى اليوم”.

تستطردُ المتحدّثة: الأمر حدثَ في 2019. لكن مؤخّراً، بعد مرور مدة طويلة على الحادث، كنتُ رفقة صديقاتي صُدفة في الشّارع. رأيته أمامي يمرّ وأحسستُ بصدمة قويّة. توقّفت ولم أستَطع التّحرك إطلاقًا، تجمّدتُ مكاني تماماً.

كتعليق على قصّة مروة، ترى الأخصائية في العلاج النفسي، غزلان زياد، أنّه على المستوى النفسي، فمواجهة مروة للجاني وجهاً لوجه تعيد الضحية إلى لحظة الاعتداء، أي اللحظة التي كانت فيها عاجزة تماماً أمامه. بمجرّد رؤيته يتوقّف الدّماغ، وهذا ما يسمى بحالة الدهشة بمعناها السّلبي، أو التدمير الفجائيّ للوظائف الحيويّة. إنها حالة نفسيّة من الموت الظاهر، الذي ينتجُ عادةً تحت تأثير صدمة عنيفة تصيبُ الذات.

وفق ما تفيده زياد لمرايانا، فإنها تبقَى حالة مفهومة علميًّا، بحيث لم يعد بإمكان الشخص التفكير، كأنّه أصبحَ مشلولاً، وتزداد هذه الحالة تدميراً حين يكون حقّ الضحية ذهب سدى، ولم تحصل على العدالة. بمجرد ترتيب الاختلالات بموجب القانون، وحين تقرر العدالة أنّ المعتدي مجرم وجاني، فهذا قد يساعد الضحية لتكون قادرةً على التفكير في الأمور وفهمها، والإحساس بكونها في مرحلة جبر الضّرر.

بالتالي، حين لا تكُون هناك عدالة، ليس هناك تعويض، وبالتّبعة ليس هناك جبر ضرر. هكذا، ليست هناك أمور بعديّة تقلل من وقع الحادثة نفسيًّا، والدماغ يبقى لصيقاً بلحظة الاعتداء، حصراً، وهو ما سيخلقُ أزمة نفسية، قد تتكرّر كلّما رأت الضحية من حاول اغتصابها.

أما محسن بنزاكور، فيعتبرُ أنّه تولّد لدى مروة نوع من القلق المرضيّ، بمعنى أن ذهنَها ارتبط بثُنائية أنه كلما تكرّر المثير كلما أعطانا نفس الاستجابة. المثير، هنا، هو الذكر، هو الخُلوة، هو فضاء العمل ذلك، والاستِجابة هي الخوفُ. قبلَها، كان الاطمئنان والرّغبة في ربط علاقة سليمة مع العالم الخارجي، الآن وقع مزج بين المُثيرات المذكورة، والتعرض لمحاولة الاغتِصاب. الذّاكرة الوجْدانية بدأت تكرّس لدى مروة نوعاً من الحِيطة والفوبيا في البنية الدّماغية.

هدى: حكاية الصّمت المُطلق!

التقت مرايانا هدى، 24 سنة، بالرّباط. لا تتردد هدى في الحديث، لأول مرّة، عن مُحاولة اغتِصابها.

تقول هدى: لستُ أدري لماذا إلى اليوم، لم أستطع إخبار أي أحد، لكنّ الأمر يعود لـ2016، بأحد مراكز الاتّصال. كان معي زميل غريبُ الأطوَار. كلّما مرّ بجانِبي، يضع يدهُ على ظَهري أو عنقي بطريقة مُريبة. لكنّه كان يظهر وكأن الوضع عابر ولا شيء يدعو للقلق.

تضيف هدى: في مرات كثيرة، كنا نتغذى معا وكان يتحرش بي لفظيًّا، لكنه يحاول فعل ذلك بشكل قد يبدو مؤدّبا! كان تحرشه غريبًا لدرجة أنّك لا تحسّه تحرشًا فعلاً، ولا تستطيع أن تستنكره. تقربنا من بعضنا وأصبحنا أصدقاءً، وبدأ يحكي لي أسراره. إلاّ أنه، ذات مرّة، وضع يده على مؤخرتي. تظاهرتُ بأن شيئا لم يحدث، ولسذاجتي وإيماني بصداقتنا، لم أقل أيّ شيء. ربما اعتقد هنا أن صمتي هو قبول لما يريد.

“في مرة أخرى، ذهبتُ للمرحاض بالعمل. حين تأكد أن أحدا لم يره، دخل وأنا أحاول إغلاق الباب، وقال: شْتْ، أريد أن أتحدث معك! لم أفهم أي حديث في المرحاض يمكن إجراؤه. لكنه سألني: هل أنتِ عذراء؟ فصفعته. بدأ يضحك، وأمسكني من أسفل مهبلي وبدأ يمرر يده لكي يثيرني أو يحرّض رغبتي ويده الأخرى على فمي حتى لا أصرُخ. قبّل عنقي وبدأ يعضّ جلدي خلف أذنيّ وأنا أحاول أن أنفلت من يديْه، غير أنه كان قويًّا جدًّا”، تقول هدى.

ثم تضيفُ هدى: أمسكتُ قضيبه الذي كان منتصباً. ووجهت ركبتي بقوة إليه حتى توقّف، وقال: مالك واش مابغيتيش؟ لست أفهم ما الذي جعله يفهَم أني أريدُ… إلاّ أني نجوتُ بأعجوبة بعد أن كنت عاجزة بالمُطلق. خرجتُ ولم ينتبه أيّ أحد من الزّملاء للخدوش التي على عنقي وآثار قبضته على كتفيّ. لم أستطع البوح بذلك لأحد، ولم أستَطع مغادرة عَملي، الذي كنتُ في حاجَة ماسّة إليه، ولكني لم أعد أستعمل مرحاض المركز نهائيًّا، حتى غادرت العمل نحو فرصة أخرى، لكن، إجمالاً، تأثّرت علاقتي بالزّملاء الذّكور كثيراً منذُ ذلكَ الحين!

حين طرحت مرايانا حالة هدى وسبب هذا الصمت المطلق على محسن بنزاكور، ردّ الأخصائيّ النفسي معتبراً أنّ الأمر يتداخل فيه العامل النفسي والعامل الاجتماعي والرغبة في الانتماء. ولننتَبه أنّ العامل الاجتماعيّ هو عامل أساسيّ في الصّدمة النّفسية بالضرورة. لأنّ حالة هدى تعني انتهاك حمِيميتها، التي هي بناء الذات. والاعتداء الجنسي (محاولة الاغتصاب) هو تدمير لذلك البناء الذي اشتغلت عليه طيلة سنوات حياتها.

يضيف المتحدث أنّ نظرة المجتمع لما يسمّى “سمعة المرأة” عادة ما تحمل فيه المسؤولية المطلقة للمرأة وإن كان هناكَ مُغتصب أو معتدي. فالمجتمع لا ينظر إلى المغتصب على أنه مجرم، بل يركز كل اهتمامه على المرأة التي فقدت بكارتها، خصوصاً أن هدى تعترف أنها كانت مسالمَة مع تحرّشه، فبالتالي كل من حكت له سيقول: “وا شفتي…نتي لي ضسرتيه”!

لو باحت بمحاولة الاغتصاب لعائلتها، لما استغل الأمر في تحطيم كرامتها أو إضعافها. لكن البوح قد يجعلها موضِع شكّ وتقادُ رأساً إلى الطبيب لمعاينة سلامة بكارَتها. وهذا يجعلها تكره نفسها، ويتحوّل الوضع من بعد اجتماعي إلى بعد نفسيّ، ويزيد من صمتها وتعتبرُه سرها الشخصي، ولا تفكر في فضح الجاني لإجهاض أي محاولة ممكنة يقوم بها في حقّ ضحيّة أخرى، يجملُ بنزاكور.

من جهة أخرى، تقول غزلان زياد، الأخصائية في العلاج النفسي، إنها خلال 13 سنة من الممارسة المهنية، لاحظت أنّ مئات الضحايا اللائي استقبلت، تحدّثن عن الاغتصاب لأول مرة.

ترى الطبيبة النّفسانيّة أنّه، لخرق حاجز الصمت والتحدث عن ذلك، يجب أن تفهم الضّحية ما الذي جرى أساساً. الضحية حين تكون في حالة صدمة، فإنّ الدماغ يتأثر، لا يجد تفسيراً للأمر… يتعمّق هذا التأثير بشكل أكبر في مجتمعنا الازدواجيّة حيث الجنس من الطّابوهات، والحاجة إلى تدريس التّربية الجنسية لازالت مطروحة.

تقول زياد إن “ما لاحظتُه أيضا في العلاجات، أنّ غالبية ضحايا الاغتصاب أو الذين يتعرضن لاعتداء جنسيّ خطير، حين أخبرن أمهاتهنّ، اعتُبرنَ “كاذبات”، وبأن ما حصل، ربّما، كان بإرادتهنّ. لذلك، فالضّحايا تقطعن الطّريق على مثل هذه التّصوّرات… بالصّمت”.

يمكن أيضاً تفسير ذلك على ضوء “حقيقة” أن “التربية الجيدة” للفتيات، والحفاظ على عذريتهن، هي مسؤولية الأمهات في مجتمعنا. بمعنى، أنّه يقع على عاتق الأمّهات ضمان بقاء بناتهن عذارى. وإذا تعرضت الفتاة للاغتصاب، فإن الأمّ تتحمل المسؤولية: ذلك لأنها لم تقم بعملها كأم ولم تحم ابنتها!”

هذه الفكرة، أيضاً هي عاملٌ أساسيّ في صَمت الضّحية، تقول زياد، خاصّة وأن الزوج (والد الفتاة) يخاطِر بالاعتداء عليهِما جسديًّا معاً. معظم الأمّهات اللائي صادفتُهنّ أثناء العلاجات قُلن لي: “كان علي إخفاء اغتصاب ابنتنا عن والدها، وإلا سيقتلنا نحنُ الاثنين”. لذلك، الأم الخائفة من المصير والمتوجّسة من العواقب، تحتّم على ابنتها الصّمت، وتلصقُ تهمة الكذب بابنتها لطيّ الصفحة.

… من خلال الشّهادات الحيّة التي قدّمتها مرايانا، لمريم وصفاء ومروة وهدى، يتضحُ أنه، رغم كلّ الجهُود المبذُولة لفضْح مثلِ هذه الجَرائم التي تعتَدي على حميميّة المَرأة، فإن هذه الجرائم لا تزال محاطة بالصّمت والخوف والقلق… وكل ذلك يقتاتُ من الصحّة النفسية للنساء ضحايا الاعتداء!

القصص التي أوردناها في هذا الملف، أكدت على اعتقاد الضحايا أنه لن تكون هناك مساندة من الآخرين. وبدا أنّ التّربية المغربية التي تقوم على تهيِئة الفتاة كمشروع للزواج فحسب، تساهم في صمت النساء عن محاولات اغتصابهنّ أو حتى… اغتصابهنّ!

فهل ستكون هذه الحكايات الفظيعة سببا في فضح مزيد من الاعتداءات الجنسية والذهاب بعيدا نحو إنصاف الضّحايا؟

… ذلك ما تريده مرايانا.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *