×
×

من مصر، أحمد حجاب يكتب: لماذا يتحول الرجال إلى قنابل موقوتة ؟

ما هو الشعور الذي ينتابنا، كرجال، عندما نفكر في كلمة “رجل”؟

القوة، الحزم، الجدية الشديدة، العنف، الصمت… لماذا لا نفكر في مشاعر مثل الخوف أو الحزن أو السعادة أو الحُب؟ هناك الكثير من المحظورات الاجتماعية التي تمنع الرجال من التعبير عن مشاعرهم التي تخرج عن دائرة المشاعر “المقبولة اجتماعياً”، مثل الغضب أو العنف. لقد تمت برمجتنا بنجاح على مدار سنوات عمرنا كلها، للتفكير في أنفسنا كأشخاص غاضبين أقوياء ويجب أن نظل هكذا لنصبح أكثر رجولة من غيرنا.

لذلك، تصبح الصورة المقبولة للرجل اجتماعيا وأمام نفسه أيضا، أن يكون غاضباً. بالتالي، يتمسك الرجال بالغضب كشعور يعطيهم الإحساس بالقوة ويضمن مكانتهم الاجتماعية. مع الوقت، يتحول الشعور إلى طبع ويتحول قناع الغضب إلى وجه ثابت.

أحمد حجاب، مدون وباحث مصري

“عريس جديد يبحث عن حمام رجالي ليحظي بجلسة سونا أو حمام بلدي وماسكات وجلسة تدليك قبل عرسه السعيد”…

سؤال يتكرر في الكثير من المجموعات المغلقة للرجال. الأسئلة والمناقشات والردود توضح مدى بُعدنا، نحن غالبية الرجال، عن تلك المساحة من الراحة والاسترخاء.

تقليد “الحمام للعرسان” هو تقليد يعتقد الكثيرون أنه نوع من الرفاهية،  وأن العريس “أرجل” من أن يدعك كعب رجله ليتخلص من الجلد الميت بها.

أذكر المرة التي دخلت فيها إلى محل الحلاق عندما كنت يافعاً لم أتخط الخمسة عشر عاما، ووجدت فيه الكابتن “علي”، وهو أحد أبطال الجمهورية في الكاراتيه وممثل ثانوي كان يؤدي الحركات القتالية في الكثير من الأفلام حينها… رأيته يجلس على كرسي الحلاق في استرخاء تام وعيناه مغلقتان، بينما يشد الحلاق وجه بالفتلة (وهي أداة صغيرة لإزالة الشعر بالخيط)، يتفنن الحلاق بها عبر لفها في حركات دائرية متكررة، تجعله يبدو كجراح دقيق يمارس عملية في المخ.

“الكابتن علي بيعمل فتلة!؟ ياللهول!!”…

بدأت الأفكار تتصارع في رأسي. الكابتن علي قائد قوات الرجولة وحامي حمى الشنبات، الذي يضرب “الساندباج” بقدمه بينما يصرخ بصوته المُرعب… بيعمل فتلة؟!

جلست أراقب المشهد في هدوء. انتهى الحلاق من عمله ونفض الشعر ورش عطرا، بينما يستعيد الكابتن نظراته الرجولية، ليقف بعدها ويفرد قامته المهيبة، ويخرج من باب محل الحلاقة بعد أن شد عضلات صدره وقلب حواجبه ليستدعي وجهه الصارم ويتنحنح بصوته  ليواجه الغابة… أقصد العالم.

في العالم كله، تعتبر محلات الحلاقة مكانا آمنا للرجال للحديث العام، للاسترخاء، للاستماع إلى النميمة عن ناس لا يعرفونهم أو ربما لـ “عمل الفتلة”، وهو فعل مرتبط اجتماعياً في الكثير من المجتمعات بالنساء، بينما يعتبره الكثير من الرجال أمرا لا يليق بهم.

الحلاقون هم أطباؤنا النفسيون الأوائل. ذلك النوع من الاستسلام لشخص في يده مقص يتحكم في رأسك، يزيل الكثير من الحواجز والأسوار التي يبنيها الرجال حول أنفسهم. واحد من أهم الصور المغلوطة للرجال عن أنفسهم، أنهم يجب أن يتحكموا في كل شيء حولهم. لذا، فالحلاق هو الشخص الوحيد الذي يسلمه الرجل رأسه عن طيب خاطر.

الرجال يحتاجون للذهاب عند الحلاق لأنهم يأخذون  فترة راحة من الشعور بالتحكم في كل شيء حولهم.

في سؤالي لمجموعة من الرجال حولي عن أماكنهم المفضلة التي يرتاحون فيها، كانت الإجابات هي المقهى، جلسات الأصدقاء، أماكن الألعاب الإلكترونية العنيفة… والحلاق!

نحن نتعلم منذ نعومة أظافرنا أن الرجل يجب أن يكون صامتا، عنيفا، غاضبا، لا يبكي، لا يشعر بالتعب، لا يعيبه إلا جيبه وقائمة طويلة من الأفكار والعادات والتقاليد التي تُفرض على الأطفال الذكور ويتم سقيهم بها يومياً، ليكبروا ويصبحوا خيبات أمل تتجول حولنا في كل مكان. لا ينجوا من تلك الأفكار إلا مجموعات قليلة ربما نشأت في عائلات واعية أو تعلمت من التجربة. لكن الأكيد أننا لا ننجو تماماً… تظل الكثير من تلك الأفكار تقفز أمامنا في مواقف نندم عليها فيما بعد.

لماذا نحتاج إلى الراحة؟

في المرة الأولى التي صعدت فيها جبل موسى، بدأت رحلة الصعود في بداية الليل على أمل أن أحضر أول نور للفجر على قمة الجبل. في ذلك السباق مع الوقت، كنت لا أتوقف لأرتاح إلا عندما لا أستطيع المُضي قُدماً من التعب. كنت أجلس كل فترة على جانب الطريق لأرتاح، وكنت أصل إلى مرحلة أحتاج فيها أن أتنفس بهدوء لأكمل طريقي إلى النهاية. تدثرت في غطاء من الصوف حملته معي وجلست أرتاح. كان هدف الرحلة واضحا وهو الوصول إلى القمة، تعب وصول ثم راحة، تعب وصول ثم راحة.

المشكلة أن التفاصيل في حياتنا اليومية ليست بذلك الوضوح: الضغوط اليومية، أعباء الحياة، عدم وجود خطوط فاصلة للكثير من أعمالنا تجعلنا منتبهين طوال الوقت. هناك ضغط يومي ومجتمعي يدفعنا إلى الانشغال والمضي قدمًا وتحقيق الإنجاز بأي ثمن، حتى على حساب صحتنا… عندها فقط، نستحق أن نكون رجالا لا يعيبهم جيبهم.

صديقي و زميلي Jens Van Rickht، أحد أهم الباحثين في العالم بمجال إشراك الرجال في مواجهة العنف، كان يتحدث عن كيف يتحول الرجال مع الوقت من إهمال صحتهم النفسية إلى قنابل موقوتة لا تعرف أبدا متى ستنفجر، وهو بالفعل ما نراه كثيراً… مواقف لا تستحق أبدا أن نصرخ  فيها أو ننفعل، تجدنا بدون سبب مفهوم نصرخ أو نغضب. المفاجأة أن التعب الناتج عن عدم أخذ راحة لمواجهة الضغوط الصغيرة، لا يذهب مع الوقت، لا يختفي… بالعكس، فهو يزداد حتى تصبح شخصا يجلس وحيداً لا يتكلم معه أحد.

في دراسة ذكرها الموقع الألماني لمجلة “بيزنس انسايدر”، أفضت النتائج إلى كون الرجال محل الدراسة كانوا يتأخرون كثيراً في التعبير عن عدم رضاهم في العلاقات الشخصية ويتجاهلون مشاعرهم بعدم مواجهتها، على عكس النساء. وعندما يتحدث الرجال عن مشاعرهم، غالبًا ما يكون الأوان قد فات.

بحسب الموقع الطبي YourHormones.info، عندما لا نرتاح بشكل كافٍ، فإننا نضع أجسادنا وأنظمتنا العصبية في وضع السرعة المفرطة. بذلك، فأجسادنا تعمل على هرمون الكورتيزول بشكل دائم، وهو هرمون يفرزه الجسم استجابةً للإجهاد والضغط.

 ما هي أعراض ارتفاع الكورتيزول في الجسم؟

1.   زيادة سريعة في الوزن بشكل رئيسي في الوجه والصدر والبطن، على عكس الذراعين والساقين النحيفين،

2.   ضغط دم مرتفع

3.   هشاشة العظام

4.   تغييرات الجلد (كدمات وعلامات تمدد أرجوانية)

5.   ضعف العضلات

6.   تقلبات مزاجية تظهر على شكل قلق أو اكتئاب أو تهيج

7.   زيادة العطش وتكرار التبول.

8.   وجه حار ومستدير

9.   يمكن أن يؤدي ارتفاع مستويات الكورتيزول على مدى فترة طويلة إلى نقص الدافع الجنسي.

الاستعانة بالحلاق وجلسات السونة لوصف تلك اللحظات الاجتماعية غير المشدودة التي يحظى بها الرجال كل فترة من الزمن، تُذكرنا أن الرجال يحتاجون إلى ترتيب حياتهم ليحصلوا على قليل من الراحة. يحتاجون أن يواجهوا مشاكلهم الصغيرة اليومية حتى لا يتحولوا إلى قنابل موقوتة.

الضغوط الاجتماعية ومشاكلنا ليست مُبررا لغضبنا الدائم. لا أحد يستحق أن نعامله بغضب: عائلاتنا والناس في دوائرنا الشخصية ليسوا مضطرين للتعامل معنا بذلك الشكل. لذا، إذا كنت تشعر بالغضب وبكونك تكتم داخلك كثيراً، حاول أن تتحدث بهدوء عما يغضبك. تعلم أن تتعامل مع مشاعرك بهدوء، لأنك أولا ستخسر صحتك قبل أن تخسر من حولك.

في حال كان غضبك يتحول إلى التكسير أو الضرب أو قذف أشياء في اتجاه الآخرين، فأنت تحتاج إلى تدخل من الطب النفسي فوراً قبل أن تتفاقم مشاكلك وتتحول إلى جريمة قد تقضي على حياتك كما تعرفها الآن.

تذكر أن القدرة على مراقبة حالتك النفسية هي أمر مفيد للغاية، لا ينتقص من رجولتك، بل ويؤثر على كل جزء من حياتك وحياة عائلتك وكل ما حولك!

مقالات قد تهمك

 

 

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *