×
×

أسماء بن العربي تكتب: وقائع سقوط معلن

لا يمكن أن نغفل عن دور خرجات بنكيران في هذا السقوط، فبنكيران الذي يريد أن يصبح مرشدا سياسيا ودينيا من صالون منزله، أبرز أن الحزب يضم تيارين؛ إذ، لأول مرة، يدخل حزب العدالة والتنمية الانتخابات وهو ليس منسجما؛ وهذا ما يفسر سقوط الحزب حتى في معاقلهم، فالسلفيون وبعض المتعاطفين من العدل والاحسان والمتدينون عموما، لم يصوتوا لصالحهم، فوجدوا أنفسهم معزولين أمام الصناديق.

الموتى لايعودون إلا في السياسة، فأن تهزم منافسا انتخابيا لا يعني أنك تخلصت منه الى الأبد.

هذا الدرس لم يستوعبه حزب العدالة والتنمية، فبعد تصدره للانتخابات سنة 2011 و2016، أصبح المنتمون للحزب وقياداته وأطره، يستبعدون الهزيمة.

لكن، في الحقيقة، فحزب العدالة والتنمية هو تجسيد حقيقي للدورة الخلدونية، بحيث أن التشكل يتم في ظروف قاسية وتسود طباع الشدة والحماس حيث تكون الجماعة متماسكة وتتطلع لهدف واحد ألا وهو الوصول إلى الحكم. لكن، ما إن يتحقق ذلك، حتى تدخل الجماعة مجال الترف وبالتالي تتضارب الرؤى ولا يبقى وقت للإصلاح الداخلي، لأن الجماعة تكون منشغلة بملذات الحكم.

العدالة والتنمية أرض خصبة للخلدونية. بدأت من لاشيء وتحقق طموح الجماعة… لكن لحظة الانتصار وإزاحة الخصوم تكون هي بداية النهاية.

دورة العدالة والتنمية الخلدونية بدأت بموجة إيديولوجية تمت رعايتها والتمكين لها بالإجهاز على الفلسفة والفكر المتحرر وتحجيم اليسار ورعاية الإسلام السياسي، ليتوج كل هذا بـ “ربيع عربي” جعل الاسلاميين يصلون إلى الحكم.

قضى الحزب سنوات في المعارضة، والتي تعتبر المكان الأنسب للأحزاب الإسلامية، باعتبار أن الإسلام السياسي فعال وخطير في المعارضة بشعاراته الدينية والشعبوية، بينما الحكم يحتاج متمكنين، في الوقت الذي يصلح فيه أغلبية المنتمين للعدالة والتنمية للوعظ لا للتدبير.  الانتقال من الدعوة إلى الدولة يحتاج أطرا، وهو مايفتقده الحزب الاسلامي أو لعله لم يمنح فرصة الظهور لأطر أخرى، حيث تكررت نفس الأسماء في الحكومتين.

الهزيمة المدوية غير المتوقعة أو السقوط الحر لحزب العدالة والتنمية يمكن أن تكون مرتبطة بقدر الآمال التي كانت معلقة عليهم والتي ترجمت الخيبة الكبيرة بتصويت لا يمكن اعتباره عقابيا، ولكن هو بمثابة طرد من الحياة السياسية.

كذلك، فالسلوك الانتخابي المغربي، رغم التطور، يبقى سلوكا عاطفيا وليس سياسيا أو براغماتيا. العاطفة هو الشيء الوحيد الذي ينتقل من النقيض إلى النقيض. لهذا، فالعدالة والتنمية كان ضحية خطابه الشعبوي العاطفي.

بنى حزب العدالة والتنمية سياسته استنادا على التفوق الأخلاقي، الذي بدأ يندحر شيئا فشيئا خلال العشر سنوات الاخيرة؛ فعبد الاله بنكيران مثلا، والذي كان يتحدث عن معاشات الوزراء في المعارضة، والذي في عهده مر أسوء قانون تقاعد في المغرب (سنوات عمل أكثر مقابل تقاعد أقل)، قبل بتقاعد استثنائي اعتبره العديد سلوكا انتهازيا. إضافة إلى الكثير من الوقائع التي حدثت خلال هذه العشر سنوات وكان أبطالها ينتمون للحزب أو للحركة التابعة له. كل هذا عجل بنسف نظرية “التفوق الأخلاقي” التي بنى عليها الحزب مرجعيته.

لا يمكن أن نغفل عن دور خرجات بنكيران في هذا السقوط، فبنكيران الذي يريد أن يصبح مرشدا سياسيا ودينيا من صالون منزله، أبرز أن الحزب يضم تيارين؛ إذ، لأول مرة، يدخل حزب العدالة والتنمية الانتخابات وهو ليس منسجما؛ وهذا ما يفسر سقوط الحزب حتى في معاقلهم، فالسلفيون وبعض المتعاطفين من العدل والاحسان والمتدينون عموما، لم يصوتوا لصالحهم، فوجدوا أنفسهم معزولين أمام الصناديق.

يصعب تقييم تجربة العدالة والتنمية في الوقت الراهن، ويصعب الإحاطة بالأسباب التي أدت لهذه الهزيمة الساحقة، لأن الأمر يتطلب مسافة كافية مع الحدث، فمازال هناك متسع للدهشة والاستغراب… غير أنه يتوجب الابتعاد سريعا عن مشاعر التشفي والتلذذ بما حدث. الهزيمة والانتصار حدثان عاديان في كل مسار ديموقراطي… كما لا ينبغي إغفال ما قدمه الحزب، رغم أخطائه، للمغرب في مرحلة دقيقة من تاريخه.

وللتاريخ في النهاية الحكم الحصيف…

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *