×
×

النساء ناقصات عقل ودين… فماذا تبقى بعد ذلك؟

حينما نتحدث عن النقص وعدم الاكتمال في العقل عند النساء، هل بالمقابل هناك عقل غير ناقص ومكتمل؟ ومن يمتلكه؟
عندما نقرّ بعقل ناقص ملازم للنساء، أليس هدفنا وقصدنا هو تبرير وتكريس واقع مقصي ومجحف في حق نصف المجتمع؟
عندما نحكم على النقص في العقل، ماذا نقصد: هل ضبابية في الرؤيا مثلا؟ هل عدم امتلاك أدوات التحليل؟ هل غياب المنهج؟ هل غياب المنطق والحجج؟ هل عدم الاستيعاب؟ هل ضعف الذاكرة؟ هل عدم امتلاك أسلوب المحاججة والإقناع؟ هل تقبّل الشيء ونقيضه في نفس الوقت؟ هل التسرع في اتخاذ القرارات دون استحضار الوقائع والنتائج ؟

عمر بن اعمارة
عمر بن اعمارة

سوف لن ندخل من باب القراءات التأويلية للنصوص ولن نخوض في صحة الحديث من عدمها.

كل ما يهمنا في الأمر هو ذلك الركام من التفاسير والشروح العصرية الماضوية والتقليدية… تلك الترسانة الضخمة من التبريرات حيث يحضر تكريس وتزكية دونية المرأة كهدف استراتيجي مرسوم مسبقا، والتي تسعى جاهدة لتثبيت نصوص لم تعد حيّة وذلك عبر إيجاد تفاسير”واقعية”، “منطقية” قابلة للهضم “العقلاني”.

هدفنا الأساسي في هذا المقال هو مساءلة تلك العقول الترقيعية التي تعمل من أجل تقديم حلول لمشاكلنا العصرية الحديثة، عبر نصوص صيغت لزمن مضى ولم يعد زمننا؛ مع السعي الحثيث لإيجاد صور وصيغ قابلة للاستعمال العقلي والمنطقي، وبالتالي الاستهلاك والاستساغة الحداثية… تفسيرات تسعى للدفاع والاستدلال بالعقل والمنطق والواقع، عمّا هو لا عقلاني ولا منطقي ولا واقعي.

إن جوهر وأصل الإشكال ليس في النصوص لوحدها، رغم ما لها من سلطة تمارسها تحت مظلة العقيدة والمقدس والأصالة، بل أيضا في قيود الموروث والمألوف من العادات التي تضارع سلطتها سلطة المقدس إن لم تتجاوزها في بعض الأحيان.

الإشكال موجود كذلك في سلطة السياسي الذي يعمل جاهدا على الحفاظ وإعادة إنتاج ما هو سائد، وأيضا في عدم استعداد وجاهزية المجتمع للإقلاع والتوجه نحو المستقبل. وهو موجود أيضا في تلك العقول التي تعمل متنكّرة تحت يافطة الأصالة حتى لا تكسد تجارتها ولتجد لها موطئ قدم ومكانة تحت سقف العصر وكي لا تهمَّش وتقصى، وخوفا من أن يلفظها التاريخ.

النساء ناقصات عقل ودين…“. ماذا تبقى بعد ذلك ؟ أي بعد سحب لُبّهن والإقرار لهن بل العمل على إقناعهن تحت راية العقيدة والملّة، بالنقص وعدم الاكتمال في عقولهن ودينهن؟

ما يؤرقنا حقيقة هو حينما تنتصب نسوة للدفاع عن كل ما يخدش إنسانيتهن تحت مبرر العقيدة وعدم الخروج عن ثوابت الأمة.

الإشكال موجود  في عدم استعداد وجاهزية المجتمع للإقلاع والتوجه نحو المستقبل. وهو موجود أيضا في تلك العقول التي تعمل متنكّرة تحت يافطة الأصالة حتى لا تكسد تجارتها ولتجد لها موطئ قدم ومكانة تحت سقف العصر، وخوفا من أن يلفظها التاريخ.

لماذا الحديث مع سبق إصرار وترصد عن النقص في العقل والدين عند النساء هكذا في المطلق؟ ألا توجد نساء أكثر اكتمالا ونضجا وتعقّلا؟

لماذا اختزال الدين في شقّ كمّي من الشعائر (الصلاة والصوم) واختزال العقل في طغيان العاطفة أو عدمه؟ حينما نتحدث عن النقص وعدم الاكتمال في العقل عند النساء، هل بالمقابل هناك عقل غير ناقص ومكتمل؟ ومن يمتلكه؟ أليس النقص هو السائد والاكتمال هو الغائب وهو المنشود؟ عندما نقرّ بعقل ناقص ملازم للنساء، أليس هدفنا وقصدنا هو تبرير وتكريس واقع مقصي ومجحف في حق نصف المجتمع؟ ما معنى عقل ناقص؟ عندما نحكم على النقص في العقل، ماذا نقصد: هل ضبابية في الرؤيا مثلا؟ هل عدم امتلاك أدوات التحليل؟ هل غياب المنهج؟ هل غياب المنطق والحجج؟ هل عدم الاستيعاب؟ هل ضعف الذاكرة؟ هل عدم امتلاك أسلوب المحاججة والإقناع؟ هل تقبّل الشيء ونقيضه في نفس الوقت؟ هل التسرع في اتخاذ القرارات دون استحضار الوقائع والنتائج ؟

ماذا عن عقل يمتلك المنهج “القويم” وأدوات التحليل، لكن تغيب عنه المعطيات والوقائع أو العكس؟ هل هو فعلا ما يدعيه الخطاب الفقهي الدعوي والوعظي من حضور وطغيان العاطفة على “العقل النسوي”؟

ما يؤرقنا حقيقة هو حينما تنتصب نسوة للدفاع عن كل ما يخدش إنسانيتهن تحت مبرر العقيدة وعدم الخروج عن ثوابت الأمة.

في كلامنا عن النقص، يقابل الأمر اكتمال ونضج ما.

إذن، النقص عند المرأة، وأساسا في عقلها ودينها يقابله اكتمال ما! فأين يقع هذا الاكتمال وهذا المرجع والمعيار؟ ومن هو صاحب العقل المكتمل والدين الكامل؟ بالضرورة الرجل، لأن لا عنصر ولا جنس ثالث حاضر معنا في هذا العالم -حتى الجن، عادة، لا يستحضر كعنصر للمقارنة والقياس والإشهاد، وهو بالتالي لا يصلح لترجيح كفة ما على أخرى-.

فهل يجوز لنا أن نجعل هنا الرجل هو المرجع والمعيار، ووجهه القبيح والمظلم “الذكورة”، هي الخصم وهي الحكم؟ وإن كان هو كذلك، فلما لا يكون العكس وتكون المرأة هي المرجع والمعيار؟ فنحن هنا في حالة “منازعة”، إذ “المرأة” تنازع “الرجل” في ما يدعيه من أحقيته في امتلاك واحتكار المرجعية لوحده، إذن لابد لنا من عنصر ثالث خارج الجنسين كي نحتكم إليه، وهذا العنصر يستحيل إحضاره.

إذن، لماذا نتحدث عن النقص عند المرأة الذي يقابله الاكتمال عند الرجل وليس العكس؟ بل لماذا استعمال لفظ “نقص” ولا شيء آخر؟ ولماذا لا نقرّ بالاختلاف والتنوع بدل النقص، مادام الطرفان يشكلان المجتمعات البشرية بالتساوي ويكملان بعضهما البعض، كل حسب إمكاناته وقدراته ووظائفه؟

إذا افترضنا أن المعيار ليس الرجل، فمن سيكون ؟ وأي آليات للقياس ومن سيقيس وعلى ما سيقيس؟ هل الأعمال والإنجازات التاريخية ؟ كأن يقال مثلا إن ما ورثناه من الحضارات البشرية إلى حدود حاضرنا تبدو عليه بصمات الرجال طاغية مع غياب لبصمات قوية للنساء؟

لكن، من الموضوعية والعدل أن نقول أن لا قياس ولا تحدي بين الحاضر والغائب، إذ ليست بصمات النساء هي الغائبة بل هن المُغَيَّبات، فكيف ننتظر من المُغَيّب المُدَجّن والمسلوب الإرادة أن تحضر أعماله، والتحدي يتطلب المضارعة وتكافؤ الفرص؟

عندما نقرّ بالنقص في الدين، فنحن نقر بعدم الاكتمال؛ وفي غياب الاكتمال يكون الجزاء أقل.

فهل وارد في الدين الإسلامي ما يفيد أن جزاء المرأة أقل من جزاء الرجل لعدم الاكتمال في دينها؟

في الشّق الديني، لنفترض أن المعيار ليس هو الرجل بل الكم في الشعائر الدينية (الصلاة والصوم)؛ إذ أن المشرع رخص للمرأة، في فترات الحيض والنفاس، أن لا تصوم وأن لا تصلي، وبالتالي، فهنا يكمن نقصان دينها على المستوى الكمّي! لماذا لا نتحدث عن النقص في الدين عند الرجل حينما يكون مريضا أو على سفر، فقد رخص له المشرع ألا يصوم هو أيضا ونحن هنا أمام نفس الواقعة، إذ هناك من هو مصاب بمرض مزمن ولا يصوم نهائيا، هل يدخل في خانة ناقصي الدين؟

بل لماذا لا يعتبر كذلك؟ ولماذا لا يقال له: “أنت ناقص دين”؟ فالمرض والسفر كما الحيض والنفاس وجدوا قبل أن يوجد الإسلام نفسه في واقع الناس.

لماذا لا نقول عن الرجال المسلمين الأثرياء الذين لا يؤتون الزكاة في حدود شروطها، ناقصو دين مثلا، بل حتى على النساء؟ إفطار المرأة في رمضان وعدم أدائها للصلاة وهي حائض أو نافس، هل هو نقص في دينها أم هو من واقعية الدين ويسره ؟ إذا كان نقص عقل المرأة، كما يروّج الخطاب الفقهي الوعظي والدعوي، ناتج عن استعمالها للعاطفة، فلماذا نعتبر الأمر نقصا؟ ولماذا نتحدث عن النقص وليس عن العقل المكتمل الممزوج بالدفء والحنان مقابل العقل الجاف البارد والقاسي ؟ هل حضور قسط من العاطفة في العقل من النقص أم من الاكتمال ؟ أليس جزء من آلام الإنسانية جمعاء ناتج عن العقل الذي تغيب عنه العاطفة النبيلة؟ مادام أن حضور العاطفة وربما “طغيانها” في أمور العقل هي من النقص في العقل ولا شيء غير ذلك، فماذا عن الحاكم أو المسؤول أو القاضي حينما تعرض عليه قضية فساد أو جريمة ما ويكون الفاعل المتورط فيها هو أحد أصوله أو أقاربه أو معارفه، ويعمل جاهدا على التحايل وتجاوز القانون من أجل تبرئة الفاعل. هل هنا حديثنا سيكون عن العاطفة التي طغت على العقل وجعلته يتحايل ويتجاوز القانون، أي عن النقص في العقل، أم سيكون عن الفساد والمحسوبية والعلاقات الزبونية؟

لماذا نتحدث عن النقص عند المرأة الذي يقابله الاكتمال عند الرجل وليس العكس؟ بل لماذا استعمال لفظ “نقص” ولا شيء آخر؟ ولماذا لا نقرّ بالاختلاف والتنوع بدل النقص، مادام الطرفان يشكلان المجتمعات البشرية بالتساوي ويكملان بعضهما البعض، كل حسب إمكاناته وقدراته ووظائفه؟

عندما نقرّ بالنقص في الدين، فنحن نقر بعدم الاكتمال، وفي غياب الاكتمال يكون الجزاء أقل. فهل وارد في الدين الإسلامي ما يفيد أن جزاء المرأة أقل من جزاء الرجل لعدم الاكتمال في دينها ؟

لنقرّ أن الطبيعة البيولوجية للمرأة تجعلها تحيض وتنفس. كما أن حضور النص المرخّص والميسّر لها هو ما حال بينها وبين أن تمارس شعائرها بشكل مستمر (الصوم) وبشكل منتظم (الصلاة)، مع النقص في الكم مقارنة مع الرجل.

في هذه الحالات، هل نحن أمام المضمون المطلق لعبارة (النساء ناقصات دين) أم المقيد؟ إذا كان مطلقا، إذن، فكل النساء دون استثناء وعبر الأزمنة هن ناقصات دين. هنا، نجد أنفسنا أمام سؤال جديد: ماذا عن نساء وصلن سنا معينة، ينقطع عنهن فيها دم الحيض؟ لحظتها، سيصمن ويصلين بشكل مستمر ودون انقطاع. هل في هذه الحالة، سنتحدث عن النقص في الدين عند هذه الفئة العريضة من النساء؟

ماذا عن ظاهرة حديثة حيث تلتجئ بعض النسوة إلى استعمال أقراص طبية خاصّة لتفادي دم الحيض في  رمضان كي يتمكن من صيام الشهر بالكامل ودون انقطاع؟ هل بهذه التقنية الحديثة سيصبحن أقوى تدينا من غيرهن ممن لم تتح لهن فرصة استعمال هذه الأقراص؟ ماذا عن النساء اللواتي يلدن لمرات عديدة. هل لحظة الحمل المستمرة عندهن لمدة تسعة أشهر والتي تتكرر مرات عديدة ستجعلهن مثلا أقل نقصا في الدين من اللواتي لا يلدن بالمرة أو اللواتي يلدن مرة أو مرتين في أقصى تقدير؟ ماذا عن اللواتي لم يحضن بعد؟

إذن، الأمر يفيد أن النقص الكمّي في الدين يعني فقط النساء من بداية الحيض إلى انقطاعه بالمرة، أي بالتقريب (ما بين سن 12 وسن 50). إذن الجملة: (النساء ناقصات دين…) وجب تقييدها انسجاما مع منطق هؤلاء.

إن مبتغانا الأساسي هو مقارعة تلك الشروح والتفاسير التي تشتغل تحت مبدأ المصادرة على المطلوب وهمّها هو العمل على إنقاذ نصوص ساكنة عبر ترميمها وتسويقها تحت حلّة عصرية. نصوص لم تعد أفقا لأي رؤية مستقبلية للعالم ولم تعد صالحة لأن تُحدّث العصر، بعد أن نخرتها التحولات الكبيرة التي شهدها التاريخ الحديث وكشف الواقع عن حدودها وعن عدم قدرتها وقابليتها على الاستمرار.

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *