×
×

حين يزعم أحدُهم رؤية جنّ… أنُصدّقه؟

عندما يقول هؤلاء إنهم رأوا هذه الأشباح، أو رأوا الجن في ثقافتنا، ما الذي يكونون قد رأوه فعلا؟

قد نصادف في حياتنا اليومية أشخاصاً يقسمون بـ”أغلظ الأيمان” أنهم رأوا جنا، شبحا، روحا خفية؛ شيئا من هذا القبيل.

مِنّا مَن يُصدّقهم ومنا من لا يفعل… لكن، ما الذي يكونون قد رأوه في الواقع؟

سبق بالمناسبة أن أفردنا ملفا خاصا للحديث عن نشوء فكرة الشيطان عند البشر. هذه الكائنات الماورائية في التاريخ الميثولوجي عبارةٌ عن كائنات وهمية من نسيج خيال الإنسان.

لا نعرف الكثير عن هذا العالم، إلا ما جاء به القرآن أو ما نُسب إلى النبي من أحاديث، أو ما تواتر في الحكايات الشفهية الشعبية…

لكنها، بالمقابل، ليست كذلك في السردية الإسلامية.

ثمة شبه إجماع فقهي على وجود الجنّ، ومعظم المسلمين يؤمنون بهم، ويُدرجونهم في إطار الغيب.

والجنّ غير الشياطين… إنهم في ذات المرتبة مع الإنسان (وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون) “الذاريات:56”.

أمّا الشيطان، فقد يكون جنيا كما قد يكون إنسيا (جعلنا لكل نبي عدوا شياطينَ الإنس والجن) “الأنعام:112”.

اقرأ أيضا: فكرة “الشيطان” في الإسلام 4\4

ثمّ إنّنا نقرأ في سورة الجن عن الجن أنفسهم: “وأنّا منا الصالحون ومنا دون ذلك… وأنّا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحرّوا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا”.

الذي يهمّنا هنا أنّ القرآن حسم في أمر وجود هؤلاء… سواء كانوا على النحو الذي نتداوله شعبيا أو بشكل آخر.

ثمة شبه إجماع فقهي على وجود الجنّ، ومعظم المسلمين يؤمنون بهم، ويُدرجونهم في إطار الغيب.

نحن في الواقع لا نعرف الكثير عن هذا العالم، إلا ما جاء به القرآن أو ما نُسب إلى النبي من أحاديث، أو ما تواتر في الحكايات الشفهية الشعبية… مع الإشارة إلى أنّ الجن لا يحظى إجمالا بصُورة جيدة في الموروث الشعبي.

خُلقوا ليعبدوا، أجل. والإنسان أيضا خُلق في هذه السردية لكي يعبد… أكلّنا يعبد؟ وحتى من يعبد، ألا يفعل شيئا غير ذلك في حياته؟

… أم أنّ لهم شرقا أوسط يتطاحنون فيه هم أيضا!

نُذكّر هنا أنّنا نتحدث ضمن السردية الإسلامية… أمّا الحقيقة، فلسنا نعلمها، ولا العلم يمكنه أن يُثبت بالتجربة وجود الجن من عدمه.

اقرأ أيضا: “علم النفس” الشعبي… “مرتع الخرافات” 1\3

في ديانات أخرى، أو لنقل معتقدات أخرى، نجد ما يُسمى بالشبح أو الطيف أو الروح الخفية… يُعتقد أنّها أرواح أشخاص أو حيوانات (متوفى/نافق) تظهر للبشر الأحياء.

هذه الروح تظهر في الغالب شفافة أو في شكل دخان، دون ملامح واضحة، وكثيرا ما تقطن في مواقع مهجورة.

توجد تفسيرات عديدة وكلّها يُجمع على أن الإنسان قاصر في إدراكه للمؤثرات الفيزيائية… لا يوجد أي دليل علمي على وجود أشباح أو جن.

ليس هذا من العلم في شيء بالتأكيد، إنّما اعتُمد في صياغته على ما عايشه البعض في مواقف زعموا أنهم شاهدوا فيها هذه الأرواح.

لكن… عندما يقول هؤلاء إنهم رأوا هذه الأشباح، أو رأوا الجن في ثقافتنا، ما الذي يكونون قد رأوه فعلا؟

لنُعرّج قبل ذلك على الفقه الإسلامي نبحثُ فيه عن إجابة… هناك أربعة آراء في الحديث عن رؤية الإنسان للجن:

  • قد يتشكّلون في غير صُوّرهم الأصلية، ومن ثمّ فقد يراهم البعض أحيانا؛
  • لا يراهم غير الأنبياء؛
  • لا يراهم البشر ولا الأنبياء؛
  • يراهم الأنبياء في صورهم الأصلية، ولمن اختصهم الله من غير الأنبياء.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي: كانوا مثلنا…

يظهر إذن أنّ ثمّة عدم إجماع، ولا بأس هنا أن نَذْكر أنه من المنسوب لعمر بن الخطاب اعتقاده أنّ رؤية الجن ليست سوى تخيّلا.

عن أبي شيبة، قال: “إن أحدا لا يستطيع أن يتحوّل عن صورته التي خلقه الله عليها، لكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا رأيتم ذلك فأذّنوا”.

إذا حدث مثلا أن صُفع باب الغرفة لوحده… فعلى الأرجح أن علينا فقط، إغلاق نافذة لكبح تيار الهواء.

لنعد الآن إلى سؤالنا، ولنبحث عن إجابات محتملة في العلم…

يمكن للإنسان أن يرى أو يسمع أي شيء بالإيحاء. في دراسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية، عام 1992، اصطحب علماءٌ 22 شخصا إلى مسرح مهجور.

قسّموهم إلى مجموعتين. أخبروا الأولى بأن المسرح مغلق لدواعي التجديد، بينما قالوا للثانية إنه مغلق بعد تسجيل عدة حوادث تتعلّق بالأشباح.

اقرأ أيضا: الحرية الفكرية: هكذا أسهم رجال الدين تاريخيا في قمع الفكر واضطهاده 4/2

النتيجة كانت مُذهلة. المجموعة الأولى لم تنتبها أي مشاعر غير مألوفة؛ إنها في مسرح قيد التجديد لا أكثر.

أما أعضاء المجموعة الثانية فقد شعروا بخوف شديد، وواجهوا خيالات بصرية وسمعية شبّهوها بتلك التي قرؤوا عنها في روايات الأشباح!

في تفسير آخر، وجد بعض العلماء أن الفص الصدغي في الدماغ يتفاعل مع الحقول المغناطيسية المختلفة، وإذا كان هناك ارتفاع مفاجئ في هذا النشاط المغناطيسي الأرضي، فقد يجد الإنسان نفسه في تجربة رؤية أشباح.

في ديانات أخرى، أو لنقل معتقدات أخرى، نجد ما يُسمى بالشبح أو الطيف أو الروح الخفية… يُعتقد أنّها أرواح أشخاص أو حيوانات (متوفى/نافق) تظهر للبشر الأحياء.

لكنه تفسيرٌ موضوعُ جدل ولا يحظى بموافقة واسعة.

هناك أيضا من يرد رؤية الأشباح إلى الترددات تحت السمعية (التي تقل عن 20 هرتز).

تُدعى غير السّمعية لأنها لا تُسمع عادة. ما تحت السمعي هذا، يقول بعض الباحثين، يُسبب للإنسان تجارب غريبة ويولد مشاعر غير عادية في المكان، مثل أنه مراقب…

للصّمت ضجيج في الواقع، وحتى نُمثّل من واقعنا، فإن الشخص منّا إذا وجد نفسه وحيدا في المنزل، قد يلجأ إلى تشغيل التلفاز حتى يكسر الصمت المروّع ذاك!

اقرأ أيضا: بين الأسطورة والعلم: الحواس خادعة… كيف غير العلم من إدراك الإنسان للواقع؟ 4/1

لدينا أيضا الباريدوليا… أن ترى شيئا ما بمعايير إدراك غير دقيقة. ربما حدث أن تهيأ لك المعطف المعلّق هناك، شبحا ما؟

بالمجمل، توجد تفسيرات عديدة وكلّها يُجمع على أن الإنسان قاصر في إدراكه للمؤثرات الفيزيائية… لا يوجد أي دليل علمي على وجود أشباح أو جن.

وإذا حدث مثلا أن صُفع باب الغرفة لوحده… فعلى الأرجح أن علينا فقط، إغلاق نافذة لكبح تيار الهواء.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *