×
×

المشعوذون الجدد: فكر جيدا في ما تتمناه، وسيحدث!

قانون الجذب… هكذا، بكل بساطة، صار للكسل قانون.
المشعوذون الجدد… يدعون الناس للتفكير، فقط، في الأشياء كي تتحقق، كي تصير حقيقة.
هي خرافة في ميزان العلم… لكن كتاب “السر” الذي أُلف حولها، تجاوزت مبيعاته 21 مليون نسحة، وترجم إلى 44 لغة!

قانون الجذب“، ولْنُسَمّه قانونا إلى حين، يعني ببساطة أنّ لأفكار المرء قوةٌ يمكن أن تجذب كل ما تمنّيه به نفسه.

لنأخذ سيارةً على سبيل المثال… يُمكنك، يَزعم هذا القانون، أن تحصل على واحدة بمجرد أن تُلحّ في التفكير بها!

بالمثل، إذا هَمّ تفكيرك أمرا سلبيا، يُمكنك أن تجذبه أيضا… إذا كُنت دائم التخيّل أنّ أحدهم يخدش سيارتك، مثلا، سيحدث!

بمعنى أنّ المرء نِتاج أفكاره… أفكارك الآن تُحدّد مستقبلك وما أنت عليه الآن ليس سوى ما حصلت عليه من أفكار ماضيك…

كيف يحدث هذا؟

سنة 2006، نشرت الأسترالية روندا بايرن كتاب “السر“… عنوانٌ مُغرٍ يشير إلى أن قانون الجذب أعظم سر في الحياة. كان واحدا من بين الكتب الأكثر مبيعا في ذلك العام (قائمة نيويورك تايمز) بنحو 21 مليون نُسخة، ناهيك عن كونه تُرجِم إلى 44 لغة.

في ما يُشبه قصة خيال علمي، الإجابة بإيجاز أن تُفكّر دائما في ما ترغبُ. تفكيرك ذاك يُرسل إشارة على هيئة ترددات إلى الكون تُخبره بأمنيتك… فيتكفّل الكونُ بتحقيقها.

يا لها من حكاية وردية… أنْ تقتعد الأريكة يوميا لتمتهن التفكير في أمنية يأتي بها قانون الجذب صاغرةً ولو بعد دهر!

يوجد اليومَ الملايين ممن يعتقدون بهذا القانون… إن أبحرت في “يوتوب” سترسو على ما لا يُحصى من حكايات الجذب الملهمة.

… التي تُلهم الكسالى الحالمين بالتأكيد!

لن تجد شيئا عن فشله بالمناسبة. إن لم يعمل معك جيداً فالإجابة جاهزة: “لم تُفكّر بما فيه الكفاية… حاول أكثر… كنُ إيجابيا ولا تدّعي”.

… إنهم “المشعوذون الجدد” كما بات يدعوهم البعض.

أوَليس يقول الرّقاة لمن ارتادهم من المرضى، حين لا يشفون، أنهم لم يكونوا على القدر الكافي من الإيمان؟

قديمٌ كأي خرافة…

قانون الجذب” هذا ليس طارئا… يُعتقد أن المصرين القدامى آمنوا به، وكذلك اليونانيون. غير أنه، لسببٍ ما، اختفى إلى حدود القرن التاسع عشر.

أخذ ينشأ حينها في كنف ما عُرف بحركة “الفكر الجديد“. وأشهر من أيّد فكرته، ويليام والكر أتكنسون، الذي نسب شفاءه من كل الكوارث التي حلّت به إلى قوة الإيمان.

كتبَ في ذلك بعض المؤلفات مثل “قانون الجذب في عالم الفكر“. لكن يبدو أنّ الفكرة برمتها لم تجذب الكثير إلى غاية عام 2006.

عامها، نشرت الأسترالية روندا بايرن كتاب “السر“… عنوانٌ مُغرٍ يشير إلى أن قانون الجذب أعظم سر في الحياة، كما تزعم الكاتبة.

كان واحدا من بين الكتب الأكثر مبيعا في ذلك العام (قائمة نيويورك تايمز) بنحو 21 مليون نُسخة، ناهيك عن كونه تُرجِم إلى 44 لغة.

الحقيقة أنه لم يكن ليحظى بهذا الانتشار لولا ظهوره في بعض حلقات برنامج كانت تُعدّه الإعلامية الأمريكية أوبرا وينفري.

… إلى أن بلغنا اليوم ما بلغناه من متاجرة في الفكرة، كما يتّجر آخرون في الدين وغيره.

أهو قانون حقا؟

ما قلّ ودلّ: خرافة في ميزان العلم.

القانون لدى العلماء مجموعةُ قواعد نظرية تبين كيف يحدث أمر ما بناءً على تجارب… ولم يحدث أن أخطأت إحدى هذه التجارب.

نظريّة؟ النظريةُ مجموعة فرضيات تأكدت صحتها بالتجربة… ولم تنفِ بعد أي تجربة أخرى صحّتها.

فرضية إذن؟ ولا فرضية… الفرضية ينبغي أن تكون مؤطّرةً ضمن نظرية مثبتة علميا وتجريبيا.

للإيضاح، حين نتحدث عن قانون، نتحدث مثلا عن الجذب العام الذي اكتشفه نيوتن… لن يطفو أحدهم في الهواء على الأرض مهما حدث.

أمّا النسبية، تلك التي اكتشفها إنشتاين، فهي نظرية، يُمكن دحضها بنظرية أخرى.

من ثمّ، فإن الجذب لا يستوفي أي شرط ليكون قانونا… وأقلها، أن تخضع كفكرة لمنهج علمي.

حين نعود إلى الكتب التي ألفت عن “قانون الجذب“، فإننا نجد أنها، جميعها، لا تعدو أن تكون حكيا يسرد أدلّة قولية…

أكثر مما مضى

لا يدعم العلم حتى الآن أي شيء من هذا القبيل: أن الإنسان يجذب الأشياء مثلا، عدا لو كان ميغناطيسيا.

في أفضل الأحوال، قد تكون فكرة الجذب هذه “فرضية” غير مُثبتة تجريبيا.

الواقع أن هناك خلطا لدى هؤلاء بين الفيزياء والميتافيزيقا.

“قانون الجذب” ليس طارئا… يُعتقد أن المصرين القدامى آمنوا به، وكذلك اليونانيون. غير أنه، لسببٍ ما، اختفى إلى حدود القرن التاسع عشر. أخذ ينشأ حينها في كنف ما عُرف بحركة “الفكر الجديد“. وأشهر من أيّد فكرته، ويليام والكر أتكنسون، الذي نسب شفاءه من كل الكوارث التي حلّت به… إلى قوة الإيمان.

فرق كبير بين علم يدرس الظواهر الطبيعية بالإثبات التجريبي، وآخر يدرس ما وراء الطبيعة بما يستعصي إثباته تجريبيا.

كلّ ما يقدّمه المرء من تفسير حيال الكون مثلا، ولا يدعمه أي إثبات تجريبي، لا يعدو أن يكون ميتافيزيقا لا يُعتد بها في الأوساط العلمية.

بعضُ من يدافعون عن الفكرة يحتجّون بأن الدين أيضا لا يُمكن إثباته تجريبيا، ومع ذلك، فإنه موجود…

… عدا إن كان “قانون الجذب” هذا ديناً جديداً؛ ليفصح الأدعياء وليغنوا أنفسهم حينها عن البحث عن إجابات في الفيزياء.

الإيمان الديني، مهما كان عقلانيا، لا يستدعي في النهاية بالضرورة إجابات يُمكن إثباتها تجريبيا.

… وإلّا، لألحد كل المتدينين، لأنه لا يُمكن تجريبيا إثبات وجود إله… وهذا حديث آخر ليس يعنينا في هذا الملف.

أيا يكن، لم يثبت يوما أن قوة الإيمان أو التفكير الإيجابي خارقةٌ إلى الحد الذي قد تُشفي فيه المرء، لوحدها، من مرض السرطان مثلا.

محاولةُ فهم

لنضع أولا تلك البدعة اللغوية العربية (التفكير بإيجابية) جانبا، ولنقل “التفاؤل“… إنه صفة جيّدة لا شكّ.

لكنْ، مهما تفاءلت، لن تحقق ما تصبو إليه ما لم تسنده بالاجتهاد والعمل الدؤوب… وهذا لا ينفي احتمال الفشل مع ذلك.

إن عزمتَ على إنجاز ما (شراء سيارة مثلا، حتى نعود لمثالنا الأول)، وهيّأت له أسباب النجاح من خطة عمل وترتيب أهداف وغيره، فيجدر بك ألا تُصدّق أنك جذبته بقدر ما أنّك عملت جادا من أجله…

“قانون الجذب”، كما سبق، لا ينص على السّعي… وهنا، يذهل العقل! إلا لو دقّ جاركم باب بيتك ليخبرك أنه اشترى لك سيارة!

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *