×
×

خليل حاوي… شاعرُ الهزائم العربية!

من الحيف إنكار الدور المفصليّ الذي لعبه خليل حاوي في قدح شعلة المشاعر الوطنية المفعمة بالانفعالات، الممجدة لقدسية الأرض ولكلّ ذرّة من تُراب الوَطن أو نسمة من هوَائها…

لم ينكر أيّ من نقاد الشّعر العرَبي الحديث أن الشاعر اللبنانيّ خليل حاوي، يعدّ بمثابة أحد رواد القصيدة الحداثية، والمستأنفين لمدرسة الشعر الحر، التي كانت صدمةً للبناء التقليدي للقصيدة العربية، والتي ظلّت منتصبةً ضد التقليد والمحاكاة.

لا يطرح الأمر أي إشكال بالنسبة لمطاع صفدي، حيت يقول إنّه: “ليس في تاريخ الشعر العربي المعاصر تجربة التحمت ببنية الزمن العربي ولحظته الخاصة بالنسبة إلى مشروعه الثقافي ولتقاطعه البنيوي مع المشروع الثقافي الغربي، كتجربة حاوي”.

فمن هو هذا الشاعر المحكوم بهاجس “الوحدة العربية”؟ وما هي أهم ملامح الهزيمة في أشعاره؟

ملامح من سيرة حاوي

في عائلة فقيرة، رأى خليل حاوي النور لأول مرّة في 31 دجنبر 1919، في قرية “الهوّية” بجبل الدروز، التي كان والده يشتغل فيها في البناء.

تلقى تعليمه الأوليّ في مدرسة ملكة ومرتا الإنجيلية البروتستانتية، في قرية الشوير، قبل أن يتمّ نقله نحوَ مدرسة اليسوعيين، حيث تلقى تكوينا دينيا.

خليل حاوي Khalil Hawi
         الشاعر خليل حاوي

تأثر كثيرا بفاجعة وفاة إخوته الأربعة، الذين ولدوا بعده بمرض غريب، خصوصاً موت شقيقته أوليفيا، التي كان يحبّها كثيراً، والتي لعبت وفاتها دوراً في تشكّل ذاتيته الشعرية المرهفة والحزينة.

حين أصيبَ والده بوعكة صحية ولازم الفراش، قرر خليل اليافع، وهو في الحادية عشرة، أن يساهم من جهته في إعالة العائلة، فركن إلى مهنة الوالد، البناء. لكنّ ذلك لم يثنه عن المطالعة والقراءة وتعلم اللغات الأجنبية، على غرار الفرنسية والإنجليزية.

عام 1946، قرر استئناف دراسته فحصل حاوي على الشهادة الثانوية في سنة واحدة، والتحق بالجامعة الأميركية في بيروت، التي حصل فيها على شهادة البكالوريوس في الفلسفة.

بعدها، حصل على الماجستير، في موضوع “العقل والإيمان بين الغزالي وابن رشد”.

هاجر خليل حاوي إلى جامعة أوكسفورد لدراسة الدكتوراه في الفكر الحضاري، وكان موضوع أطروحته حول “جبران خليل جبران، إطاره الحضاري، وشخصيته، وآثاره”…

أسطورة تموز التي اشتهر بها الشاعر بدر شاكر السياب، اتخذت منحى مغايراً عند خليل حاوي، لأنه استغلها للتعبير عن موت الذات العربية وبالتّبع الحضارة العربية. لذلك، كانت تموز، عندهُ، رمزا للبعث والخصوبة وغلبة الحياة.

دخل خليل حاوي عوالم الشعر الحر، نظراً لإيمانه ببلاغة القصيدة وقدرتها على التعبير عن روحانيته ومكنوناته تجاه العالم والوجود، فأصدر ديوان نهر الرماد سنة 1957، والناي والريح سنة 1961، وبيادر الجوع سنة 1965، والرعد الجريح سنة 1979، ومن جحيم الكوميديا في ذات السنة. تم جمع الدواوين بين دفتي مؤلف جامع للأعمال الكاملة تحت عنوان “ديوان خليل حاوي”.

حاوي… شاعراً!

… كان حاوي صوتا شعريا متميزاً. قصائِده حُبلى بإيقاعات قوية، تمتزجُ داخلها مدرستان على طرفي نقيض شكلاً ومضموناً. اتّسمت لغته بالجمع بين التّيار الكلاسيكي والحداثي على حد سواء.

أجل. كانت حداثية في شحنتها بالرموز والصّور الفلسفية والإشارات، وكلاسيكية من حيثُ الحُروف في جزالتها وقوّة سبكها.

“ليس في تاريخ الشعر العربي المعاصر تجربة التحمت ببنية الزمن العربي ولحظته الخاصة بالنسبة إلى مشروعه الثقافي ولتقاطعه البنيوي مع المشروع الثقافي الغربي، كتجربة حاوي”.

على نحو ما، ساهم حاوي، من جهته، وإلى جانب رواد مدرسة شعر التفعيلة كبدر شاكر السياب ونازك الملائكة ويوسف الخال والبياتي وأدونيس وصلاح عبد الصبور، في خلق أشكَال وأساليب تعبيرية جديدة تستبطن عبقرية اللغة في رموز وأساطير ُتجسّدُ التّجربة العقلية والشاملة.

أسطورة تموز التي اشتهر بها الشاعر بدر شاكر السياب، اتخذت منحى مغايراً عند خليل حاوي، لأنه استغلها للتعبير عن موت الذات العربية وبالتّبع الحضارة العربية. لذلك، كانت تموز، عندهُ، رمزا للبعث والخصوبة وغلبة الحياة.

لقد استحضر تموز، باسمه العربي “العنقاء”، معبّرا عن تجلّد وتبلّد مظاهر الحياة التي تحجّرت تحتَ عفن التاريخ، وأصبحت كالملح البوار، ولم يبق إلا أن يحترقَ كل شيء ليبدأ بعثاً جديداً.

يقول حاوي في قصيدة نهر الجليد من ديوانه الأول نهر الرماد:

إنْ يكنْ، ربَّاهُ،

لا يُحيي عروقَ الميِّتينا

غيرُ نارٍ تلدُ العنقاءَ، نارْ

تتغذَّى من رمادِ الموتِ فينا،

في القرارْ،

فَلْنعانِ من جحيمِ النارِ

ما يمنحُنا البعثَ اليَقينا:

أُممًا تنفضُ عنها عفنَ التاريخِ،

واللعنَةَ، والغيبَ الحزينا

تنفُضُ الأمسَ الذي حجَّرَ

عَينَيها يواقِيتًا بلا ضوءٍ ونارْ

وبحيراتٍ من الملحِ البوارْ،

تنفُضُ الأمسَ الحزينا

والمهينا

 

أسطورة العنقاء هنا، حاول بها الشاعر أن ينتصر للذات المنهزمة، اجتماعيا وثقافيا وسياسياً. العنقاء، بالنسبة إليه، هي أملٌ يبعثُ الروح في الشعر ويشعل أهداب البعث في المجتمعات العربية الميّتة. كان الحاوي يخاطبُ جيلاً طافحاً بالحياة… جيلٌ قادر على تشييد عالم ينفتح على كل ما هو كوني، ويضمن العدالة والكرامة والحُرية للجميع…

جيل، ينتَصر على قوى الشر والطغيان والاستبداد… هكذا دشّن حاوي لأدب الهزيمة.

الشعر وقضايا الأمة

من الحيف إنكار الدور المفصليّ الذي لعبه خليل حاوي في قدح شعلة المشاعر الوطنية المفعمة بالانفعالات، الممجدة لقدسية الأرض ولكلّ ذرّة من تُراب الوَطن أو نسمة من هوَائها.

كان حاوي في طليعة المطلقين لصيحات النهضة من خمول التواكل والتكاسل والاعتماد على المقاومة الذاتية، لمواجهة الاحتلال والاستبداد وتطويق الهزيمة في كل مظلمةٍ بالعالم.

كان الغزو الإسرائيلي للجنوب اللبناني عام 1982 بمثابة الضربة القاضية، التي حسمت مع مفهوم الهزيمة لديه، وتأكد بأن نصر “الأمة العربية” مجرد سراب، وأن “القومية العربية” لا تعدو أن تكون وهماً ، ثمّ صاح قائلاً: “يا لثقل هذا العار! هل حملتهُ وحدي؟”.

حملتْ حاوي، على غرار الكثيرين من المثقفين في جيله، موجة “العُروبية”. لكن ما ميز حاوي أنه، وفي عزّ إيمانه بـ“الأيديولوجيا العروبية”، ما فتئ يستعملُ الشعر ليعبر عن موت هذه الأيديولوجيا عملياً، واجترارها للخيبات والانكسارات والهزائم وتعميق الجراح الفردية والجماعية في الأوطان العربية.

التزم خليل حاوي بالقضايا الهامة، محاولاً أن يحكي للأجيال مأساة الإنسان العربي من خلال دواوينه الشعرية، بغاية تأجيج حرارة الرغبة في الانعتاق.

استبشر الشاعر خيراً بعد الوحدة بين سوريا ومصر سنة 1958، وتفجّر أملٌ جميلٌ في ذات الشاعر الحزينة والمهترئة، فظنّ أنها نهاية عهد التفرقة، وبداية “الالتحام العربي”، لبعث الأمة وتخليصها من الاضمحلال. ظنّ بكثير من الحماس أنها بشرى بولادة حضارة عربية حديثة معبرة عن حتمية الوحدة والتعاون والعيش المُشترك.

هذا الحماسُ سينطفئُ بعد مضي ثلاث سنوات، إذ سيقع الانفصال بين البلدين عام 1961. كانت فجيعة كبرى على ذات الشاعر المسكون بالوطن ومفهوم “الأمة”، فكانت تلك من الهزائم الكبرى التي تبرأ منها ذات الشاعر ولم يشف شعره على إثرها من شرخ لا يهدأ، خصوصاً في قصيدة لعازر 1962.

في هذه القصيدة بالذات، تمثلت ذروة تجربته شعرية، واستطاع ببلاغة أن يصور مأساة الأمة العربية ومعاناتها والانبعاث المشوه الذي هي عليه، والذي كان دائما، في نظر حاوي، رديفاً للهزيمة الأبدية، والتي هي بالنسبة إليه أقسى… من الموت!

يقول حاوي:

عمّقِ الحفرة يا حفَّارُ،

عمِّقها لِقاع لا قرارْ

يرتمي خلف مدار الشمسِ

ليلاً من رمادٍ

 وبقايا نجمة مدفونة خلف المدارْ

لا صدى يرشح من دوَّامة الحمّى

يعلق وجيه فانوس على تجربة خليل حاوي قائلاً: “ربما كان سر مأساته الأعظم أنه عاش وكتب في دنيا يشرئبّ فيها العهر على القداسة وترقص شهوة النفاق عارية مترهلة على جسدٍ للصّدق كاد أن يكون ميتًا”.

… كان الغزو الإسرائيلي للجنوب اللبناني عام 1982 بمثابة الضربة القاضية، التي حسمت مع مفهوم الهزيمة لديه، وتأكد بأن نصر “الأمة العربية” مجرد سراب، وأن “القومية العربية” لا تعدو أن تكون وهماً، ثمّ صاح قائلاً: “يا لثقل هذا العار! هل حملتهُ وحدي؟”.

كان حاوي في طليعة المطلقين لصيحات النهضة من خمول التواكل والتكاسل والاعتماد على المقاومة الذاتية، لمواجهة الاحتلال والاستبداد وتطويق الهزيمة في كل مظلمةٍ بالعالم.

تفاقمت الجراح في ذاته، حين وصلت القوات الإسرائيلية إلى العاصمة بيروت. فأوغلت الآلام وخارت القوى، حتى تبرّأ حاوي من الأقانيم العربية المكبّلة بالهزائم المتكررة، فقال في النهاية: “لم يبق أمامي غير الانتحار، فلا معنى لوجودي”.

هكذا، يكون خليل حاوي أصيب في نهاية حياته بالخرس الشّعريّ، بسبب الغلو في مضمون الهزيمة لمحاولة بعث “الأمة”. لكن تعنت الهزيمة وسطوتها، أدت به للانتحار شعرياً… الهزائم العربية الميدانية أعقبها الانتحار جسدياً، حيث أطلق على نفسه عياراً نارياً في 2 يونيو 1982، أصاب من خلاله عينه اليسرى فأصابتهُ الرصاصة في مقتل.

… تخبرنا قصة خليل حاوي بتجربة غنية تتداخل فيها الذات الشاعرة بالموضوع الشعري، ويسكن الشاعر هموم الوطن تحتَ وطأة عديدِ أوزار، أهمها التأزّم في قراءة الوجود والسعي للتّعبير عنه شعرياً…

لكن، من سوء الحظّ، أن خليل الحاوي ترك صفحَة شعر الهزائم بيضاء من غَير سوء!

مرّت أربعُون سنَة عن انتِحار خلِيل حَاوي، بيد أنّ قصائِده لازلنا نقرؤها بعيون “قديمة”، كأن الهزيمة قدر، وينبغي أن يكتشف كل جيل الذّات، على إيقاعات الهزائم المُتكرّرة…

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *