×
×

فريد الزاهي يكتب لمرايانا: تجارة الفن تغتال ذاكرته الحية…

أقيم المزاد، وبيع تراث الفن العربي منتزعا من سياقه الذي يندرج فيه. سيهاجر إلى هذه الجهة أو تلك، ليستقر في هذا البنيان أو ذاك المتحف، وليتحول إلى قطعة فنية مقتطعة من ذاكرتها، بحيث قد لا يعلم الزائر مصدرها ولا شروط إنجازها. بل إنه قد يجهل تماما أن محمد المليحي كان يدرِّس فنون التراث المحلي، وأنه كان ينظم في بداية وأواسط الستينيات رحلات استكشاف لطلبته في مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء لمناطق نائية بالمغرب، كي يدرسوا الزخرفة على السقوف والأبواب (ومن ثَمّ استوحى عمله ذاك).
هكذا، ستفقد البلاد قطعة من لحمة تراثها الفني والثقافي، وقد لا يذكرها أحد بعد ذلك، إلا من ظلت ذاكرته يقظة…

كم كانت فرحتنا كبرى، مع بدايات الألفية الجديدة، عندما بدأت تباشير التغيير تهب على الساحة التشكيلية المغربية والعربية لتساهم في تنظيمها وتوسيع مجال عيانيتها.

طبعا، لم يكن الأمر يتعلق بمجال الإبداع، فهو يخضع، كما يعرف أغلب المهتمين، للتطور الذاتي للتجربة التشكيلية العربية من جهة، ولمدى انفتاح الفنانين على موروثهم وذاكرتهم الثقافية والذاتية من جهة ثانية، وللانفتاح على تطورات الإبداع الفني والبصري العالمي من جهة ثالثة.

هذه الرياح همت بالأخص ما نسميه عادة بالوساطات بين الإبداع وبين الجمهور. وجمهور الفن التشكيلي والبصري ليس بأي جمهور؛ فهو، خلافا لجمهور الكتاب ومتلقيه، له جانب ظل سريا ومحفوفا بالغموض والكتمان لعقود طويلة، حتى في ظل الغاليريهات القليلة التي كانت تسوّقه في بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، قبل أن يصبح أكثر انكشافا مع ظهور جيل الغاليريهات الاحترافية وقاعات البيع في العقدين الأخيرين.

فرضت إحدى الغاليريهات على فنان معروف جدا، أن ينجز لها معرضا كاملا من مرحلة ما من مراحل تطوره الفني، كان الرجل قد جاوزها وطورها وانزاح عنها منذ سنوات طويلة في مسيره الفني

الوساطة التجارية: من الاحتراف إلى السطوة

لقد أضحى المغرب ومصر وتونس وبلاد الخليج مجالا لحركة تجارية نشيطة تخص الفنون التشكيلية، وتزود متاحف الخليج، كما المتاحف الوليدة هنا وهناك، ومعها الشخصيات البارزة والرسمية وجماعي الفنون الأفراد، بكل ما يبتغونه من أعمال الفنانين المحليين، الأموات منهم والأحياء.

بات العديد من الفنانين يشتغلون بعقد تربطهم لمدد معينة أو غير محدودة مع تلك المؤسسات، وخاصة منهم الفنانون الرواد والفنانون الشباب المعروفون في الساحة العربية والدولية.

إنها تطورات تابعناها عن كثب كما تابعنا انحرافاتها وجانبها المظلم؛ فلقد اغتنى الكثير من المستثمرين في هذا المجال باستغلال واضح جليّ لرواد كاد ينساهم التاريخ، وأعادوهم (أحيانا بالرغم من مرضهم وعجزهم) إلى الإنتاج ليمنحوا لهم وضعية راهنة كادت تفلت من بين أيديهم. صاروا يتاجرون في أعمالهم بنسبة لا تقل عن نصف قيمة المبيعات، مكوّنين لأنفسهم مدارات خاصة بهم تضم أسماء الجماعين والجهات الرسمية الحاكمة، في الداخل والخارج، وكذا المتاحف المحلية والعربية؛ وهي مدارات ظلت سجلاتها سرية، إلا ما تسرب منها هنا أو هناك.

إن كانت لا تهمنا تفاصيل الصفقة بقدر ما تهمنا حيثياتها ومقاصدها، فإننا نعتبر أن انعدام صفة التراث الوطني، الذي يلزم أن تحظى به أعمال تاريخية ومؤسسة ومليئة بالتاريخ، يجعلها عرضة للتلاعب والمضاربات

الأدهى من كل هذا، أن هؤلاء الوسطاء (حتى لا نقول السماسرة بلغة الشعب) أضحوا ينصِّبون أنفسهم عارفين مطلقين بالفنانين، الأحياء منهم والأموات، الذين يعرضون أعمالهم الفنية ويمارسون تداولها التجاري، يحددون قيمتها ويمنحون شهادة صحتها وخلوها من الزيف، ويجعلون من أنفسهم خبراء بما لا خبرة لهم فيه إلا ما صادفوه في تجربتهم الضيقة؛ متجاوزين أحيانا من عايش هؤلاء الفنانين أو كتب عنهم أو خبر أعمالهم بالمعايشة والمتابعة.

هؤلاء الوسطاء لا ينشرون الكتالوغات إلا باللغات الإفرنجية ولا يمنحون قيمة للغة العربية إلا حين يكون هدفهم التعامل مع بلدان الخليج وتسريب أعمال الفنانين المغاربة الرواد (مثلا) إليها بأثمان خيالية لم نعهدها من قبل.

إن هذه السلطة المتنامية لم يكن لها أن تغدو أخطبوطية لولا الفوضى التي كانت تعيشها الفنون التشكيلية والبصرية قبل أن يحطوا الرحال بأموالهم واستثماراتهم في هذا المضمار.

الحقيقة أننا، نحن المتابعين، كنا مستبشرين في البداية بتلك الوساطة، لأنها منحت عيانية وقيمة مغايرة للفنون، ولأنها خلقت إيقاعا متناسقا في مجال العرض، ولأنها أيضا ردت الاعتبار لفنانين كاد أن يطويهم النسيان ويغتالهم الفقر والانطواء. بيد أن الأمور لم تلبث أن انجلت شيئا فشيئا، بحيث صار الاختيار انحيازا، والعرض تجارة كلية.

لقد أضحى المغرب ومصر وتونس وبلاد الخليج مجالا لحركة تجارية نشيطة تخص الفنون التشكيلية، وتزود متاحف الخليج، كما المتاحف الوليدة هنا وهناك، ومعها الشخصيات البارزة والرسمية وجماعي الفنون الأفراد، بكل ما يبتغونه من أعمال الفنانين المحليين، الأموات منهم والأحياء.

على سبيل المثال، فرضت إحدى هذه الغاليريهات من سنوات قليلة خلت، على فنان معروف جدا، أن ينجز لها معرضا كاملا من مرحلة ما من مراحل تطوره الفني، كان الرجل قد جاوزها وطورها وانزاح عنها منذ سنوات طويلة في مسيره الفني. أما صاحب قاعة عرض معروفة و “وآرت فير” لم يعمّر طويلا، فإنه بدأ يستولي بكافة الطرق على مجموعات كاملة لفنانين راحلين مرموقين مغربيا وعربيا ودوليا بالترغيب تارة وبطرق ملتوية تارة أخرى، بحيث لا نعرف لا وجهتها ولا الطريقة التي بها أعاد النظر في قيمتها المتصاعدة.

بالرغم من المشكلات التي اعترضت طريق بعض هؤلاء الوسطاء، فإنهم يستعيدون عافيتهم مثل طائر الفنيق؛ فتجدهم يجترحون لأنفسهم مسارب جديدة وعلاقات أجدّ لوعيهم التام بطابع المغامرة الذي يحفّ بالوساطة التجارية في الفنون التشكيلية والبصرية، وبهامش الربح المريح الذي توفره لهم، وكذا بالتربة البكر التي يشتغلون فيها وعليها، ولتزايد الاستثمار العام والخاص في هذا المضمار.

إنها تطورات تابعناها عن كثب كما تابعنا انحرافاتها وجانبها المظلم؛ فلقد اغتنى الكثير من المستثمرين في هذا المجال باستغلال واضح جليّ لرواد كاد ينساهم التاريخ

نحن، وإن كنا لا ننتقص أبدا بما قدمته هذه الوساطات للفنانين من إيجابيات كما للساحة التشكيلية من طابع منظم كنا نفتقده في السابق، فإننا من ناحية أخرى نلاحظ تلك السطوة المتزايدة التي اكتسبتها، والتي قسمت مجال الوساطة هذا إلى مجالين: مجال القاعات المحترفة القوية بعلاقاتها وشبكتها والسلطة التي تمتحها من سلطات أخرى أكبر، والقاعات الشابة المنذورة للإبداع وللشباب وللتجارب الوليدة، والتي باتت تعاني الأمرين في تسويق فنانينها، إن لم تغلق أبوابها نهائيا بعد بضع سنوات من المقاومة.

مزالق خطيرة… قد لا يغفرها التاريخ

في ظل الاحتقان الذي عرفته هذه المؤسسات منذ بداية الجائحة، ظلت تلك المؤسسات تشتغل ولو في الحد الأدنى بشكل غير علني طبعا، فتسربت الأخبار عن تداول وبيع أعمال مزيفة لفنانين رواد تارة وعن التخطيط لوضع اليد على ما تبقى من أعمال فنانين راحلين مشهورين أو مسنين والمضاربة بهم.

بيد أن آخر ما تفتقت عنه عبقرية إحدى هذه المؤسسات في الأيام الأخيرة (في ظل الحجر الصحي وشهر الصيام) هو التطاول على أعمال مدمجة قديمة في أحد الفنادق المغربية بالجنوب باتت تعتبر إرثا فنيا حداثيا أنجزه فنانان راحلان من الرواد هما محمد المليحي ومحمد شبعة، اللذان ينتميان أسلوبيا لما يعرف بمدرسة الدار البيضاء الشهيرة، التي ضمت أسماء أخرى كفريد بلكاهية.

بدأت الحكاية بما عرفته الفنادق من كساد في فترة الجائحة، خاصة منها المشهورة. ولأول مرة سيجرؤ صاحب الفندق المذكور على اللجوء إلى المتاجرة بسقف مصبوغ أنجزه المليحي منذ عقود، وعلى جدارية مدمجة أنجزها شبعة.

سقف أنجزه المليحي عام 1969 بفندق جنوب المغرب

في فترة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، كانت العديد من المؤسسات التي تملكها الدولة أو الخواص تلجأ إلى فنانين مرموقين من قبيل الفنانين السالفيْ الذكر لتجميل تلك المؤسسات بأعمال تجريدية تدخل في ما يعرف بالفن المندمج في الفضاء المعماري. وكان أن توجهت أنظار صاحب إحدى المؤسسات، التي نتحدث عنها هنا، إلى ما يمكن أن يُجنى من وراء هذه الفرصة الفريدة، خاصة بعد أن عرفت لوحات المليحي مدخلها لمتاحف عالمية من قبيل متحف جورج بومبيدو بباريس وقيمة متزايدة في مزادات سوثبايز وكريستيز…

من ناحية أخرى، إذا كانت متاحف الخليج تملك أعمالا عبارة عن لوحات للمليحي وشبعة، فإنها بالمقابل لا تملك جداريات أو سقوفا، أو أعمالا مدمجة في المعمار، إذ إن هذا الأمر (أي بيع هذا النوع من الأعمال) يعد سابقة عربية لم نعهدها أبدا إلا فيما يخص نهب التراث والسطو عليه عنوة.

اكتسبت هذه الوساطات سطوة متزايدة قسمت مجال الوساطة إلى مجالين: مجال القاعات المحترفة القوية بعلاقاتها وشبكتها والسلطة التي تمتحها من سلطات أخرى أكبر، والقاعات الشابة المنذورة للإبداع وللشباب وللتجارب الوليدة، والتي باتت تعاني الأمرين في تسويق فنانينها، إن لم تغلق أبوابها نهائيا بعد بضع سنوات من المقاومة.

قد يتساءل البعض: وما الخطير في الأمر؟ أليس من حق صاحب تلك الأعمال بيعها ما دامت لا تدخل في إطار التراث الوطني؟

إننا هنا نواجه التباسا كبيرا جعل العديد من الأصوات المدافعة عن الثقافة المغربية ترتفع للحيلولة دون تشويه طبيعة تلك الأعمال. ما دامت هذه الأخيرة مدمجة في سياق معماري يمنح لها قيمة مضافة، فإن اقتطاعها من ذاك السياق يحوّر من طبيعتها ومن قصديتها الأولى ويحولها إلى عمل من طبيعة أخرى. وهو ما يعطل موقعها في تاريخ الفن المغربي وتاريخ تعدد أساليبه.

من ناحية أخرى، ما دام صاحب الفندق قد باع كمية كبرى من الأعمال الغرافية بثمن بخس (وبوساطة شخص يعتبر نفسه “كيراتورا” عالميا) لصالح تلك المؤسسة الوساطية في المرحلة الأولى، وبالرغم من التنديد بالعملية وتعالي أصوات الاحتجاج والتنديد، فقد سهل على الوسيط التفاوض بشأن الباقي.

نحن، إن كانت لا تهمنا تفاصيل الصفقة بقدر ما تهمنا حيثياتها ومقاصدها، فإننا نعتبر أن انعدام صفة التراث الوطني، الذي يلزم أن تحظى به أعمال تاريخية ومؤسسة ومليئة بالتاريخ من قبيل هذه، يجعلها عرضة للتلاعب والمضاربات؛ وهو ما يتركها عرضة لظرفيات المالكين، وفريسة سهلة لمتاجرين والمضاربين وسماسرة الفن. بل هو ما يترك المدافعين عن ذاكرة التراث الوطني الفني عراة أمام صرامة القانون وحقوق المالكين وتلاعب المقتنين، بحيث لا يسعهم إلا أن يضعوا الأصبع على ما يمكن أن يطول هذا التراث الحديث للبلاد.

*  * *

في أواخر الشهر الماضي، أقيم المزاد، وبيع تراث الفن العربي منتزعا من سياقه الذي يندرج فيه. سيهاجر إلى هذه الجهة أو تلك، ليستقر في هذا البنيان أو ذاك المتحف، وليتحول إلى قطعة فنية مقتطعة من ذاكرتها، بحيث قد لا يعلم الزائر مصدرها ولا شروط إنجازها. بل إنه قد يجهل تماما أن محمد المليحي كان يدرِّس فنون التراث المحلي، وأنه كان ينظم في بداية وأواسط الستينيات رحلات استكشاف لطلبته في مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء لمناطق نائية بالمغرب، كي يدرسوا الزخرفة على السقوف والأبواب (ومن ثَمّ استوحى عمله ذاك).

هكذا، ستفقد البلاد قطعة من لحمة تراثها الفني والثقافي، وقد لا يذكرها أحد بعد ذلك، إلا من ظلت ذاكرته يقظة…

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *