×
×

الشيخ إمام: صوت الواقع الذي لم يهادن

كان حلم والده أن يراه شيخا كبيرا، غير أن ضبطه متلبسا بالاستماع للقرآن على أمواج الإذاعة، سينهي هذا الحلم، ليعلن عن ميلاد شيخ من طينة مغايرة.
الشيخ إمام سيعلن عن نفسه نموذجا استثنائيا في الغناء، وفي معنى الانتماء للناس الذين أنشد أحلامهم وانكسارهم وسخر من حاكميهم.
نموذج استثنائي… سيكون أول معتقل سياسي تهمته الغناء.

أن تكون مناضلا ليس معناه أن تجوب الشوارع وتصدح بصوتك في الميادين. قد يكون النضال مجرد آلة عود وبضعا من الشعر فتكون بذلك ملهم الأجيال، وصالحا لكل زمان ومكان.

خلف النظارتين عينان تنظران من الداخل لتسطر بذلك ملاحم غنائية خلدت عالميا، ومازالت اليوم، النور الذي يهتدي به الفن الملتزم.

هو الفنان إمام محمد أحمد عيسى الملقب بالشيخ إمام.

ولد الشيخ إمام في الثاني من يوليوز سنة 1918 في قرية أبو النمرس بمحافظة الجيزة. بسبب التفقير والتجهيل، عاش محمد أحمد عيسى طفولة ملأى بالخيبات، تمثلت بادئ الأمر في إصابته بمرض “الرمد الحبيبي”، غير أنه فقد البصر نتيجة الوصفات البلدية التي استعملت في علاج مرضه.

كان معارضا لسياسة بلده وصادحا بمواقف مناوئة لمواقف النظام، إلا أنه كان وطنيا متيما بوطنه فغنى له…  “أنا أتوب عن حبك أنا” و “يا اسكندرية” و “مصر يامه يا بهيه”

بينما يرتبط الجانب الآخر في طرده من الجمعية الشرعية، التي كان يعلق عليها أبوه أملا في أن يصبح ابنه شيخا كبيرا، بيد أن استماعه لإذاعة القرآن الكريم المصرية كان سببا في طرده من الجمعية وحتى من البيت، ما دام هذا الفعل بدعة وبما أن البدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، فقد أضحى الشيخ إمام ضالا في عيونهم. هكذا، طبعت السنوات الأولى من حياة الشيخ إمام.

البدايات…  أفراح خفية

حلاوة الخيبات والانكسارات تكمن في تحولها لانتصارات، كما أن طعم الحرية لا يتحقق ولا يُظفر به إلا بالتمرد على الواقع… على البيئة.

لقد أسدت الجمعية، بطردها الشيخ إمام، خدمة للجماهير المتعطشة لصوت طروب يحمل أمانيها ويصدح بأشجانها وأتراحها. كان الشيخ إمام ميالا إلى الموسيقى والإنشاد منذ طفولته، فكان بذلك يرتاد مواسم الأفراح في قريته خلسة وخفية، مستمعا ومستمتعا بأهازيج النساء وإنشادهن ليكتسب بذلك أذنا موسيقية فذة. لم يتردد الشيخ إمام على معاهد موسيقية ولم يدرس فنون التلحين، بل كان ذا موهبة صقلها عبر الاستماع.

حي الغورية بالقاهرة… هناك كانت بداية الشيخ إمام! هناك سيكتسب قاعدته الجماهيرية من المسحوقين والكادحين… هناك حيث التقى الشيخ إمام بكبار الموسقيين والملحنين أمثال درويش الحريري، زكريا أحمد، محمود صبح لتكون بذلك الانطلاقة في عوالم الموسيقى والفن، بينما تعلم العود على يد كامل الحمصاني.

معتقل سياسي… بتهمة الغناء

يقول رولان بارت:” الفن لا شيء سوى الكمال في تقليد الواقع”.

كان لقاء الشيخ إمام بأحمد فواد نجم سنة 1962 تحولا كبيرا في مسيرته الموسيقية؛ حيث أنه وجد في أحمد فؤاد نجم أرضا بشرية خصبة من أجل الجهر بمواقفه وتصوراته الفكرية، فشكل الاثنان بذلك ثنائيا فريدا في تاريخ الأغنية السياسية الشعبية.

كان أحمد فؤاد نجم ينظم القصائد والشيخ إمام يلحنها وينشدها… في البداية، سمح لهما النظام المصري بتنظيم حفلات موسيقية وفتحت لهما أبواب الإذاعة والتلفزيون، بيد أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، إذ سرعان ما غير النظام المصري، ممثلا آنذاك في الرئيس أنور السادات، من نظرته وموقفه تجاههما ليودعا بذلك السجن نتيجة لأغانيهما عامة. غير أن النقطة التي أفاضت الكأس، كانت تتمثل في أغانيهما على الأحكام التي برأت المسؤولين عن هزيمة 1967، ليصبح الشيخ إمام أول معتقل سياسي بسبب الغناء في الثقافة العربية. لم يفرج عنهما إلا بعد اغتيال الرئيس أنور السادات.

استماعه لإذاعة القرآن الكريم المصرية كان سببا في طرده من الجمعية الشرعية وحتى من البيت، ما دام هذا الفعل بدعة. وبما أن البدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، فقد أضحى الشيخ إمام ضالا في عيونهم.

“الوطن فوق كل الصراعات الفكرية والسياسية”… لقد كان الشيخ إمام مدركا لذلك، فهو، وإن كان معارضا لسياسة بلده وصادحا بمواقف مناوئة لمواقف النظام، إلا أنه كان وطنيا محبا لوطنه متيما به، فغنى له “أنا أتوب عن حبك أنا” و “يا اسكندرية” و “مصر يامه يا بهيه”، وغنى للقضية الفسلطينية “يا فلسطينية”، ورثى أيقونة الثوار “جيفارا مات” وكان لسان شعبه والمنافح عنه “شيد قصورك على المزراع”، “قيدوا شمعة يا أحبة”، “البحر بيضحك ليه”، “بقره حاحا”، “هما مين وحنا مين”؛ بل كان يتخذ أحيانا من السخرية والهزل مطية للتعبير عن معارضته ومواقفه كما في أغنيته “شرفت يا نيكسون بابا”.

الرحيل…

ترجل الشيخ إمام عن صهوة الحياة ساكنا هادئا منعزلا في غرفته بحي الغوريه، في السابع من يونيو 1995 عن عمر يناهز السابعة والسبعين سنة. بيد أن أغانيه أصبحت أيقونة شعبية لم تَفل، بل أضحت ملهمة الشعوب الطامحة والحالمة بغد التحرر والحرية، وشكلت مسكنا روحيا لكل المثقفين والبسطاء والكادحين.

يقول عنه المفكر الماركسي محمود أمين العالم: “وجدت في ألحانه وأدائه، الأغنية التعبيرية الدرامية النابضة بالمعاناة، الزاخرة بالحيوية التي لا تتسكع حول التكرار الزخرفي للنغم، أو تتوقف بك عند الزوائد الطفيلية التي تكمل المقاطع لضرورة شكلية، بل تعبر عنك وتتطور بك، وتمضي معك إلى غاية واضحة، تنبع من كل خبرة حياتك، أو تعود بك إلى حياتك نفسها، تعمقها، وتوقظ فيها كوامن الأصالة والصدق الإنساني”.

مقالات قد تهمك:

تعليقات

  1. Mhamad

    جميل

  2. شهبون حسن

    صح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *