×
×

الطوفان: تفاصيل حكاية السفينة… كما وردت في أولى مصادرها! 2\2

توقفنا في الجزء الأول عند حث الإله إيا، أتراخاسيس، على بناء سفينة للنجاة من الطوفان الذي قرره الإله إنليل لإبادة البشرية… تلك هي التفصيلة التي ننطلق منها في هذا الجزء، الثاني والأخير، من هذا الملف الذي نفرده لحكاية السفينة والطوفان، كما وردتا في أولى مصادرها التاريخية.

في ضوء التفاصيل الواردة عن السفينة في ملحمة كلكامش[1]، يقول أستاذ السومريات العراقي، فاضل عبد الواحد علي، في كتابه “الطوفان في المراجع المسمارية”، إنها صُنعت بالخشب، مع أنه لم ترد فيها إشارة صريحة إلى ذلك.

لكننا نستشف ذلك، مثلا، من ذكر النجارين ودورهم في بنائها، على نحو ما تُصنع به عادة السفن الخشبية. التوراة، بالمناسبة، يذكر صراحة أن السفينة صُنعت بالخشب، وطليت بالقير (الزفت).

خلافا لهذا، يبدو من حكاية الطوفان البابلية أن السفينة صُنعت بالقصب. هذه الرواية جديدة تماما بشأن المادة التي صنع بها هيكل السفينة.

بالنسبة لأتراخاسيس (يماثل نوح كما تابعنا في الجزء الأول)، كان بناء السفينة صعبا عليه. يبدو من حديث دار بينه وبين الإله إيا، أنه كان يجهل شكلها حتى. من ثم، طلب منه أن يرسم له صورتها على الأرض… وذلك ما كان.

بعد سبعة أيام من العمل ، تَمكّن أتراخاسيس ومن معه من العمال، أخيرا، من بناء السفينة، التي أطلقوا عليها اسم: “منقذة الحياة”.

الملحمة تقول إن السفينة كانت مكعبة الشكل، في كل من طولها وعرضها 120 ذراعا (60 مترا)، وكانت تتكون من 7 طوابق، خلافا لما ورد في التوراة من أنها تضمنت 3 طوابق.

لسوء الصدف؛ الرقيم الذي يحتوي على تفاصيل وأوصاف السفينة في الرواية البابلية، وُجد مخروما. ومن ثم، يعتمد الباحثون ها هنا لملئ فراغات الرواية على ملحمة كلكامش.

الملحمة تقول إن السفينة كانت مكعبة الشكل، في كل من طولها وعرضها 120 ذراعا (60 مترا)، وكانت تتكون من 7 طوابق، خلافا لما ورد في التوراة من أنها تضمنت 3 طوابق.

لما انتهى أتراخاسيس من بناء السفينة، حمّلها بالمؤن والبشر والحيوانات بحسب تعليمات الإله إيا. وفق رواية كلكامش، فإيا أمره أن “يحمل في السفينة بذرة كل المخلوقات الحية”.

الرواية البابلية بالمناسبة، كما يؤكد فاضل عبد الواحد علي الذي تطرقنا لكتابه في الجزء الأول من هذا الملف، تنفرد بذكر الساعة المائية وتوقيتها لمعرفة الساعة المحددة لحلول الطوفان؛ ففي نهاية الوصايا التي قدمها إيا إلى أتراخاسيس بشأن مواصفات السفينة، يقول إن الإله إنليل “فتح الساعة المائية وملأها وأعلن عن مجيء الطوفان في الليلة السابعة”.

ثم حلّ الطوفان!

الرواية البابلية صورت ببراعة تفاصيل هذه الكارثة المهولة، كما يورد فاضل عبد الواحد علي في كتابه:

“رعد يشق عنان السماء، أعاصير مدمرة وتزمجر مثل نهيق حمار الوحش، فيضان عارم تخور مياهه مثلما يخور الثور، ظلام حالك ودمار في كل مكان حتى إن الآلهة نفسها تراجعت مذعورة إلى أقصى السماء”.

لما انتهى أتراخاسيس من بناء السفينة، حمّلها بالمؤن والبشر والحيوانات بحسب تعليمات الإله إيا. وفق رواية كلكامش، فإيا أمره أن “يحمل في السفينة بذرة كل المخلوقات الحية”.

استمر الأمر على هذا النحو لسبعة أيام وسبع ليال، حتى جاء الطوفان على كل البشر في الأرض، عدا أولئك الذين تحملهم السفينة… حتى أصبح الموتى، كما تصفهم ملحمة كلكامش، “يملؤون البحر وكأنهم صغار السمك”.

الرقيم الذي يحكي نهاية الطوفان في الرواية البابلية وجد هو أيضا مخروما. لذا، فإن ملحمة كلكامش تقول إن أتراخاسيس (يدعى بالمناسبة أوتنابشتم في الملحمة، وزيوسدرا في الرواية السومرية) بعد هدوء العواصف والمياه، طلع سفينته فوجد السكون مخيما في كل مكان، وأن البشر تحولوا جميعا إلى طين.

في أثناء ذلك، كانت السفينة قد استقرت على جبل يدعى “نيسير”. وإذ لم تتحرك بعد، أدرك أتراخاسيس أنها قد بلغت مستقرها الأخير.

أطلق حينذاك حمامة، لكنها عادت، فأطلق سنونو وعاد بدوره، ثم أطلق غرابا، فرأى أن المياه انحسرت، وأكل وحام ونعق ولم يرجع.

بعد 14 يوما من دخول السفينة، أخيرا ولأول مرة، خرج أتراخاسيس منها…

استمر الأمر على هذا النحو لسبعة أيام وسبع ليال، حتى جاء الطوفان على كل البشر في الأرض، عدا أولئك الذين تحملهم السفينة… حتى أصبح الموتى، كما تصفهم ملحمة كلكامش، “يملؤون البحر وكأنهم صغار السمك”.

سكب الماء المقدس على قمة الجبل ثم نصب القدور ليعد الطعام قربانا للآلهة، وسرعان ما فاحت رائحته الطيبة، التي شمتها الآلهة فـ”تجمعوا حول مقدم القربان كالذباب” بتعبير الرواية البابلية.

نجد هنا أنفسنا أمام مشهد آخر مثير، فالآلهة قد تجمعت حول أتراخاسيس بعدما انتهوا من التهام القربان… تجمعوا حوله ليسمعوا من بعضهم البعض ما حل بالبشر من دمار وبالأرض من خراب، فصرخ بعضهم محتجا على “هذه الخطيئة التي اقترفها إنليل بحق الناس”.

يظهر من ملحمة كلكامش أن الإله إنليل لم يحضر القربان، إذ أنه وصل متأخرا… لكنه حالما وصل، رأى السفينة فالتفت إلى الآلهة يسألها متعجبا، غاضبا، كيف استطاعت بعض الأنفس النجاة، بعدما كانت الآلهة قد اتفقت على إبادتهم كلهم.

أجابه إله يدعى “ننورتا” بأن إيا هو الذي أفشى سر الآلهة إلى أتراخاسيس، وأنه كان سبب إفشال مخططها.

ينبري إيا هنا بالرد على اتهامه بكلمة كان معظمها موجها إلى إنليل، ذكّرَه فيها بتماديه في غيه وإسرافه في تعنته وباقترافه إثما كبيرا بحق الناس.

يتضح من ملحمة كلكامش أن كلمة إيا أثرت في إنليل، حد أن استجاب الأخير لطلب له، إذ صعد إلى ظهر السفينة ووقف بين أتراخاسيس وزوجته، ثم لمس جبينيهما مباركا إياهما.

هكذا، حصلا أخيرا (ومعهما الإنسان) على الخلود وعاشا بعد ذلك عند “فم الأنهار”؛ على الأرجح في دلمون (حضارة قامت في جزيرة البحرين وشرق الجزيرة العربية، عرفها السومريون بأرض الفردوس وأرض الخلود).

[1] ملحمة سومرية شعرية مكتوبة باللغة الأكادية وبالخط المسماري على اثني عشر لوحا طينيا، اكتشفت لأول مرة عام 1853م. وهي، بحسب الأثري العراقي طه باقر، أقدم توع من أدب الملاحم البطولية في جميع الحضارات.

لقراءة الجزء الأول: حكاية الطوفان… بين القرآن والتوراة والرواية البابلية

مواضيع قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *