×
×

“الفتوحات” العربية في روايات المغلوبين: بين التفسيرات اللاهوتية والواقعية… لماذا حدثت “الفتوحات” في نظر المغلوبين؟ 7/3

التصورات الحديثة للمستشرقين حيال “الفتوحات” كانت بعيدة عن تصورات كتّاب الحوليات من البيزنطيين والفرس أو مسيحيي المشرق في القرنين السابع والثامن، الذين ربطوا “الفتوحات العربية” بمعطيات الغيب، بفعل غياب الأدوات المعرفية التي لم تكن لتتجاوز آنذاك الأدبيات الدينية واللاهوتية.

بعدما تابعنا في الجزء الثاني، كيف كان ينظر المغلوبون إلى العرب قبل “الفتوحات” وكيف احتك هؤلاء بهم، في هذا الجزء الثالث، نواصل هذا الملف الذي نستلهمه من كتاب الباحث اللبناني حسام عيتاني، “الفتوحات العربية في روايات المغلوبين”، لنرى كيف فسر المغلوبون “الفتوحات العربية”.

انطلقت “الفتوحات” عام 634م؛ أي بعد عامين من وفاة النبي ، وغداة نجاح أبو بكر في قمع حركات الردة في شبه الجزيرة العربية.

يومذاك، كانت الدولتان، البيزنطية والفارسية-الساسانية، قد خرجتا للتو من حرب طويلة ومدمرة بينهما… ومن ثم، لم تكونا مستعدتين لمواجهة أي خطر يستعد لمفاجأتهما من الصحراء.

اقرأ أيضا: النبوة والمسألة السياسية… حين وجد العرب في ادعاء النبوة سبيلا لسياسة الناس! 3/1

ضعف شامل ذاك الذي يقيم به المؤرخون حالة الإمبراطوريتين عشية “الفتوحات”. الأسرة الساسانية الحاكمة في الحالة الفارسية عانت صراعات داخلية عدة، في حين كان الأساس الديني-الإيديولوجي في بيزنطة قد تصدع نتيجة سلسلة طويلة من الانشقاقات الكنسية.

وبشبه إجماع، عدّت الشعوب المغلوبة “الفتوحات العربية” عقابا من الله على ذنوب يعود بعضها إلى الخلافات الداخلية المتعلقة بالإيمان والصراعات بين الكنائس المختلفة، وبعضها الآخر إلى “موبقات” يرتكبونها في حياتهم اليومية.

يذهب ويليام مويير William Muir إلى أن التزايد السكاني الكبير في شبه الجزيرة العربية جعل الاكتظاظ مشكلة غير قابلة للحل سوى عبر “الفتوحات” والاندفاع إلى خارج المناطق الفقيرة كـ”أسراب الجراد التي سودت وجه الدنيا”.

كُتاب الحوليّات والكهنة، يومها، كانوا قد توقعوا حصول “الفتوحات” التي تحدثت عنها كتب الأولين…

جاءت في أكثر من مصدر قديم، أخبار عن سيوف من الشهب ظهرت في سماء سوريا وبلاد ما بين النهرين، قبل أعوام أو أشهر من بداية “الفتوحات” ومن سقوط ممالك الروم والفرس.

في محاولة منه لشرح الخلفية التي ظهرت “الفتوحات” عليها، يقول المؤرخ الأرمني سيبيوس الذي عاش وكتب في القرن السابع، إن رجلا ظهر بين العرب وأعاد الاعتبار إلى صلة النسب التي تربطهم بإسماعيل (بإيحاء من اليهود) وقرر دفع بني قومه إلى استعادة الأرض الموعودة في فلسطين.

اقرأ أيضا: إبراهيم… بين الميثولوجيا الدينية وعلم التاريخ 3/2

سيبيوس يضيف: “مرة أخرى ينبغي علي الحديث عن الشر الذي نزل بنا في زماننا هذا، وكيف تمزق رداء الإيمان القديم وكيف نفث القيظ الجاف رياحه علينا وأحرق الاشجار المورقة الجميلة الباسقة في بساتيننا الحانية. هذه هي الحقيقة؛ لأننا ارتكبنا الإثم ضد الرب وأغضبنا قديس إسرائيل”.

وتقول الحوليات الجورجية، التي يعتقد أنها صيغت في القرن الثاني عشر كحصيلة لجمع عدد من الوثائق الأقدم، إنه “ما من أحد قادر على تسجيل الكوارث التي مر المسيحيون بها بسبب السراسنة الذين كانوا يسمون في السابق “كأغرت أكناك”. وقد ذكر التوراة أن ألسنة الكأغرت ستلعق دماء الأبرياء”.

يرى بعض المستشرقين أن القول بأولوية الدافع الديني الإسلامي ليس كافيا لتفسير الانتصارات، مقابل القول بأن الطرف الآخر كان ضعيفا.

نلاحظ هنا بوضوح هذا الربط بين ما حدث وما اعتقد هؤلاء أن التوراة قد نبه إليه.

وقد دعا يوحنا من “فنك أو بنك” (تقع على ضفة نهر دجلة)، عاش في النصف الثاني من القرن السابع، إلى عدم اعتبار ظهور أبناء هاجر أمرا عاديا، بل “أخذه كنتيجة عمل إلهي؛ فعندما جاء هؤلاء الناس، بأمر من الله، واستولوا على ما كان للمملكتين (البيزنطية والفارسية)… وضع الله النصر بين أيديهم كما لو أن الكلمات التي تعنيهم تنفذ بحذافيرها: رجل يطارد ألفا واثنان يهزمون عشرة آلاف (سفر التثنية، الإصحاح 32، الآية 30). وإلا، كيف أمكن لعراة يمتطون (جيادهم) من دون دروع أو تروس أن يفوزوا، في غنى عن المساعدة الإلهية؟ لقد دعاهم الله من أقاصي الأرض حتى يدمر بهم “مملكة آثمة” (سفر عاموس، الإصحاح التاسع، الآية 8) وحتى يذل بهم روح الفرس المتفاخرة”.

اقرأ أيضا: الإسرائيليات… إسلام بنكهة أهل الكتاب. آدم وحواء وجنة الخلد 1\3

هذا الشعور بالذنب يصل بمستويات دفعت مؤرخين مسيحيين إلى وضع الاتهامات بارتكاب المسيحيين للخطايا على ألسنة القادة المسلمين.

ينسب ميخائيل السرياني (بطريرك الكنيسة السريانية الأرثوذوكسية في العصور الوسطى)، مثلا، إلى معاوية بن أبي سفيان قوله أثناء قيادته الحملة التي أعقبت استيلاءه على قيصرية فلسطين: “نحن صاعدون إلى بلد مليء بالذهب وبالثروات من كل صنف. لقد وضع الله هذه البلاد بين أيدينا بسبب آثام سكانها”.

تقول الحوليات الجورجية، التي يعتقد أنها صيغت في القرن الثاني عشر كحصيلة لجمع عدد من الوثائق الأقدم، إنه “ما من أحد قادر على تسجيل الكوارث التي مر المسيحيون بها بسبب السراسنة الذين كانوا يسمون في السابق “كأغرت أكناك”.

بعد هذه التفسيرات القديمة، لنلق الآن نظرة على التفسيرات التي قدمها المستشرقون الحديثون، بعدما عاد الغرب إلى الاهتمام بـ”الفتوحات العربية”، للمقارنة بين منهجين، قديم وحديث، في فهم التاريخ من وجهة نظر الآخرين.

يذهب ويليام مويير William Muir إلى أن التزايد السكاني الكبير في شبه الجزيرة العربية جعل الاكتظاظ مشكلة غير قابلة للحل سوى عبر “الفتوحات” والاندفاع إلى خارج المناطق الفقيرة كـ”أسراب الجراد التي سودت وجه الدنيا”.

ذاك ما يرفضه ليوني كايتاني Leone Caetani الذي يذهب إلى أن أعداد العرب والمسلمين لم تكن كثيفة، من دون أن ينفي وجود مشكلة اقتصادية جراء القحط ساهمت في دفع العرب إلى الهجرة ومن ثم الاصطدام بالبيزنطيين وبالفرس.

اقرأ أيضا: ماذا تعرف عن الاستشراق؟ الوجه الآخر للغزو الغربي للشرق… 1\2

أما هنري لامنس Henri Lammens فيعيد السبب، من جهة، إلى طبيعة العرب الميالة إلى القتال والغزو، وبروز قدرة تنظيمية عسكرية متفوقة على أعدائهم جراء الخضوع التام للأوامر عند الجنود، والمستقى من الطاعة القبلية للكبار، وإلى عنف مفرط في التعامل مع العدو، من جهة ثانية.

هذا فيما يجزم ألكسندر فاسيلييف، صاحب “تاريخ الإمبراطورية البيزنطية”، أن البدو الذين شكلوا الأكثرية الساحقة من جنود “الفتوحات” لم يكن لهم من هم سوى السلب والنهب، وكانت معرفتهم بالإسلام معرفة سماعية فقط، مشددا على غياب العامل الديني في “الفتوحات”.

بشبه إجماع، عدّت الشعوب المغلوبة “الفتوحات العربية” عقابا من الله على ذنوب يعود بعضها إلى الخلافات الداخلية المتعلقة بالإيمان والصراعات بين الكنائس المختلفة، وبعضها الآخر إلى “موبقات” يرتكبونها في حياتهم اليومية.

ويستنتج برنارد لويس Bernard Lewis استنتاجا مشابها بقوله إن “الفتوحات العربية” توسع للأمة العربية وليس للإسلام، بسبب الاكتظاظ الديمغرافي… وساعد في نجاح الفتوحات أن السّدّين الفارسي والبيزنطي، اللذين أمكنهما التصدي لمواجهة الفتوحات والهجرات العربية، كانا ضعيفين.

بحسب غيبون Gibbon، فإن هذا الضعف هو تحديدا ما يدين له العرب بانتصاراتهم؛ إذ يرى أنه… لو ولد محمد في أيام القيصرين تراجان أو قسطنطين أو الملك شارلمان، لكان “هؤلاء تمكنوا من صد هجمات السراسنة العراة، ولكانت الحماسة الدينية قد ضاعت في رمال الصحراء”.

اقرأ أيضا: إدوارد سعيد: أشحذ أصوات القضية الفلسطينية… المثقف الذي فك أزرار الاستشراق!

ببساطة، يرى هؤلاء أن القول بأولوية الدافع الديني الإسلامي ليس كافيا لتفسير الانتصارات، مقابل القول بأن الطرف الآخر كان ضعيفا.

التصورات الحديثة للمستشرقين حيال “الفتوحات” إذن، كانت بعيدة عن تصورات كتّاب الحوليات من البيزنطيين والفرس أو مسيحيي المشرق في القرنين السابع والثامن، الذين ربطوا “الفتوحات العربية” بمعطيات الغيب، بفعل غياب الأدوات المعرفية التي لم تكن لتتجاوز آنذاك الأدبيات الدينية واللاهوتية.

في الجزء الرابع نتابع لحظة التحول الكبرى في تاريخ المشرق بسقوط القسطنطينية، وبداية السيادة العربية-الإسلامية على المنطقة.

لقراءة الجزء الأول: “الفتوحات” العربية في روايات المغلوبين: نحو إعادة تقييم التاريخ العربي-الإسلامي 7/1

لقراءة الجزء الثاني: “الفتوحات” العربية في روايات المغلوبين: هكذا كان ينظر المغلوبون إلى السراسنة (العرب) قبل “الفتوحات”! 7/2

لقراءة الجزء الرابع: “الفتوحات” العربية في روايات المغلوبين: سقوط القسطنطينية وبداية سيادة العرب المسلمين خارج شبه الجزيرة… 7/4

لقراءة الجزء الخامس: “الفتوحات” العربية في روايات المغلوبين: “فتح مصر” 7/5

لقراءة الجزء السادس: “الفتوحات” العربية في روايات المغلوبين: “فتح إيران” 7/6

لقراءة الجزء السابع والأخير: “الفتوحات” العربية في روايات المغلوبين: مؤامرة يهودية؟ 7/7

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *