×
×

أرض الكيف: صور من بلاد المجهول والخوف… الصورة الثانية: مقاومة مطموسة ومجال لإبراز الهيمنة 2\3

ماهي علاقة الكيف بالسياسة؟ وكيف حضر منذ فترة الحسن الأول، مرورا بمؤتمر الجزيرة الخضراء، ومقاومة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وصولا إلى الاستقلال؟
أسئلة من بين أخرى تسلط مرايانا الضوء عليها في هذا الملف

توقفنا في الجزء الأول من هذا الملف عند بعض المفارقات التي تميز زراعة الكيف من الناحية الاقتصادية وعند الإحصائيات الدولية المرتبطة بنبتة القنب ومستخلصاتها.

في هذا الجزء الثاني، نتوقف عند جزء من تاريخ الكيف في المغرب.

أرض الكيف مجال للهيمنة

ليس من اليسير مقاربة علاقة بالكيف بالسياسة، ذلك أنها علاقة متعددة المستويات، يتداخل فيها السياسي بالتاريخي بالاقتصادي بالاجتماعي بالثقافي، لنصبح أمام شبكة من التمفصلات يصعب النظر إليها بمعزل عن بعضها. لكن الناظم الأساسي في هذه العلاقة هو حضور التوظيف الذي، وإن اختلفت دلالاته أو مستوياته بحسب السياق ومستوى التحليل، إلا أنه يظل ثابتا على مستوى الجوهر.

حضور الكيف على الساحة السياسة سيأخذ بعدا دوليا خلال التنافس الاستعماري حول المغرب، والذي سيبلغ أوجه مع مؤتمر الجزيرة الخضراء (1906)، إذ تم تخصيص مادتين للكيف (المادتين 72 و 74) وفرض على المغرب احتكار زراعة وانتاج الكيف، وتدبيره بشكل مشترك مع الهيئة الدبلوماسية الأوروبية.

يقودنا الاستقراء التاريخي لعلاقة الكيف بالسياسة، إلى عتبات القرن التاسع عشر، وبالضبط مع سعي الحسن الأول إلى احتكار تجارة التبغ والكيف واستشارته للعلماء في ذلك. برغم رفض رجال الدين ذلك، إلا أن الحسن الأول سيمضي قدما في قراره. بحسب بعض الروايات –لم يتسن لنا التأكد من حقيقتها-، فإن الحسن الأول سيرخص، وبشكل رسمي، لخمسة دواوير من كتامة وبني سداث وبني خالد بزراعة الكيف سنة 1890.

لا يمكن فصل هذا الأمر عن التحولات التي كانت تعرفها الدولة آنذاك في تدبيرها للعلاقة بين المركز والهوامش، وبحث المخزن عن إظهار هيبته ومركزيته، خاصة أن الزوايا الدينية احتكرت أو أشرفت على عملية انتاج وزراعة الكيف. بالتالي، يمكن القول إن سعي المولى الحسن الأول إلى ضبط تجارة الكيف يعتبر مؤشرا على سعيه إلى ترسيخ مركزية الدولة وسلطتها، والتدبير المجالي للهوامش، أو ما كان يعرف آنذاك ببلاد السيبة (حسب التعبير الكولونيالي).

حضور الكيف على الساحة السياسة سيأخذ بعدا دوليا خلال التنافس الاستعماري حول المغرب، والذي سيبلغ أوجه مع مؤتمر الجزيرة الخضراء (1906)، إذ تم تخصيص مادتين للكيف (المادتين 72 و 74) وفرض على المغرب احتكار زراعة وانتاج الكيف، وتدبيره بشكل مشترك مع الهيئة الدبلوماسية الأوروبية.

لابد من الإشارة إلى أن المغرب كان الدولة الوحيدة من الدول المنتجة للكيف، التي فرض عليها في اتفاقيات القرنين التاسع عشر والعشرين تحرير تجارة الكيف وجعلها في يد الشركات المختلطة، وهو ما يحيل على الأهمية التي أصبح القنب يكتسيها في التوازنات الدولية، وتحوله إلى ورقة ضغط اقتصادية.

تنافس استعماري حول الكيف

منطق التقنين من أجل الضبط أو ابراز الهيمنة سيتجلى بشكل واضح خلال فترة الحماية، حيث ظهر تنافس القوتين الحاميتين للمغرب (فرنسا وإسبانيا) على خلق وتوسيع مناطق زراعة الكيف، ذلك أنه، إذا كانت مناطق الريف الأوسط قد عرفت تمركز هذه الزراعة، والتي بحكم الاتفاق الإسباني-الفرنسي قد أصبحت تابعة للمنطقة الخليفية، فإن فرنسا ستعمل على خلق منطقة موازية داخل مجال نفوذها لزراعة الكيف، تتمركز أساسا في مناطق مراكش والشاوية.

ستصدر السلطات الفرنسية أول نص قانوني يهتم بزراعة الكيف في 4 ماي 1915. تمحور هذا النص حول تنظيم عملية احتكار جلب الدخان والكيف. كما صدر ظهير ثان لتنظيم الزراعة في 6 فبراير 1917، ثم صدر ظهير ثالث بتاريخ 10 مارس 1917، لتنظيم الزراعة بالمنطقة الخليفية.

في 11 مارس 1919، صدر ظهير ضبط زراعة الكيف بمنطقة الحماية الفرنسية، الذي تم بموجبه السماح للفلاحين بزراعة الكيف، شريطة تقديمهم بطلب إلى “صاكا-تبغ” أو “صاكة الدخان” من أجل الزراعة؛ كما حدد الإجراءات القانونية لذلك. في هذه الفترة، أصبح للمغرب مركزان لهذه الزراعة: مركز بمنطقة مراكش في الجنوب “الحوز”، ومركز في منطقة الحسيمة “كتامة”.

في 22 غشت 1935، سيتم تحديد المجال الترابي المسموح له بزراعة الكيف في “كتامة وبني سدات وبني خالد”، والحامل لتوقيع الخليفة السلطاني بالمنطقة الشمالية الحسن بن المهدي بن إسماعيل.

قبائل زراعة الكيف… تاريخ مقاومة مطموس

حضور الكيف في الصراعات السياسية خلال فترة الحماية سيكون مهيمنا، إذ اتخذ حضورا قويا خلال الصراع بين محمد بن عبد الكرم الخطابي والسلطات الإسبانية. بينما قام الأول بالتشديد على الزراعة ومنعها معتبرا إياها متعارضة مع الشريعة الإسلامية، حاولت إسبانيا استمالة القبائل عبر السماح لها بزراعة الكيف وغض النظر عن ممارسات بعض القبائل لضمان ولائها.

لكن… رغم هذه المحاولات الإسبانية، رفضت قبائل مناطق زراعة الكيف (كتامة، بني سداث، بني خالد) هذه المساومات. بحسب الأرشيف الفرنسي والإسباني، فقد عرفت المنطقة واحدة من “أعنف المقاومات” بتعبير الجرائد الفرنسية آنذاك، ضد الوجود الاسباني في المنطقة بعد استسلام محمد بن عبد الكريم الخطابي، بل ظلت المنطقة تقاوم الوجود الاسباني أكثر من سنة بعد نهاية حرب الريف واستسلام الخطابي.

بحسب وثائق الأرشيف الإسباني، فإن هذه المناطق حصلت على نصيب الأسد من القصف بالغازات السامة، بسبب موقفها هذا.

موقع هذه الزراعة في التجاذبات العسكرية والسياسية بمنطقة الريف الأوسط، سيؤثر على المساحات المزروعة، إذ كانت متذبذبة؛ كما أنها ستسحب البساط من يدي الزوايا الدينية، التي كانت تعتبر الوصي على زراعة الكيف بالمنطقة، ما نتج عنه تحول المنطقة إلى منتجة لخطاب ديني محلي، بنخب متأرجحة الولاء حسب تحولات موازين القوى.

في المنطقة الفرنسية، وحسب بعض الروايات الشفوية، فقد بدأ الكيف يحضر في الصراع بين الحركة الوطنية وسلطات الحماية الفرنسية مع مطلع الأربعينيات، عندما بدأت سلطات الحماية بتشديد الزجر والمراقبة على زراعة الكيف، من خلال إصدار عدد من الظهائر المشددة على جميع أنواع زراعة وتسويق وترويج الكيف، في حين رفعت الحركة الوطنية شعار مقاطعة البضائع الفرنسية بما فيها الدخان، والذي كان “السبسي” تعويضا له.

يرى البعض أن التشجيع غير المباشر للحركة الوطنية على الكيف، كان ردا على التهديد الاقتصادي لشركات الدخان الفرنسية من جهة. لكنه أيضا كان يهدف لتقويض سلطة الزوايا، التي كانت ترى فيها الحركة الوطنية عدوا لا يقل خطورة عن الاستعمار، خاصة الزاوية الوزانية التي عرفت بعلاقاتها المتميزة مع الحماية الفرنسية، والتي كانت مشرفة على الأراضي المنتجة للتبغ (طابا).

سنة 1954، ستصدر السلطات الفرنسية ظهيرا يجرم زراعة الكيف في المناطق الخاضعة للحماية الفرنسية، قبل أن يتم تعميم المنع على كافة التراب الوطني، بموجب ظهير صادر سنة 1956، قبل أن يمنح الملك محمد الخامس استثناء شفويا للمناطق التاريخية من أجل مواصلة الزراعة التقليدية بعد وساطة من وجهاء المنطقة.

بعد الاستقلال، سيظهر التوظيف الواضح للكيف في الحياة السياسية وتحوله لأداة من أجل تحييد المنطقة سياسيا، وهو ما سنتناوله في الجزء الثالث والأخير من هذا الملف.

اقرأ أيضا:

الجزء الأول: أرض الكيف: صور من بلاد المجهول والخوف … الصورة الأولى: عشبة عالمية واقتصاد متباين

الجزء الثالث: أرض الكيف: صور من بلاد المجهول والخوف… الصورة الثالثة: أرض الخوف 3\3

الكيف والدين: الإخوة الأعداء : 1\2 النبتة المقدسة

الكيف بين اليهودية، المسيحية والإسلام: علاقة الكيف بتدين المغاربة 2\2

تعليقات

  1. نعيمة عابد

    تقنين استعمال القنب الهندي في الادوية لانه نبات والنعروف عن النباتات انها تستعمل لاستخراج الادوية ولهذا فان القنب الهندي اصبح منافسا لباقي الاعشاب للاستعمال الطبب وحتى لا يستعملبطرق غير شرعية كمخدر مثلا تحرص بهض الدول على تقنين استعمتله حتى لا يخرج على الغرض الطبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *