×
×

مرايانا تحيي ذكرى روزا باركس… أيقونةُ الحقوق المدنيّة

نتعرف في هذا البورتريه إلى روزا باركس، المرأة التي بدأت حكاية نضالها ضد الفصل العنصري من حافلة، لتصير، بعد ذلك، السيدة الأولى للحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية.

روزا باركس

عاش المجتمع الأمريكي في بداية القرن العشرين على إيقاع عنصرية فادحة.

أضحى الفصل الاجتماعي، أيامه، بموجب قوانين تُدعى “جيم كرو”، مشروعا في أجزاء واسعة من جنوب الولايات المتحدة.

كان القانون، مثلا، يفصل بين الركاب في الحافلات تبعا لأعراقهم؛ كلّ عرقٍ يجلس في مقاعد مخصصة.

… ولم يكن ثمّة مشكلة مع هذا. لكن سائقي الحافلات، إذا ما امتلأت مقاعد الركاب ذوي البشرة البيضاء، كانوا يطلبون من ذوي البشرة السوداء أن يُفرغوا مقاعدهم.

اقرأ أيضا: مقتل فلويد والنضال ضد العنصرية: محاكمة التاريخ والبديهيات!

وضع غير عادل! وظل كذلك… حتى الفاتح من دجنبر 1955م.

“أردتُ أن أعرف لمرة واحدة، وإلى الأبد، ما كان لي من حقوق إنسان وحق مواطَنة”.

استقلّتْ سيدة تُدعى روزا باركس حافلة كليفلاند أفينو، التابعة لمدينة مونتغمري. دفعت ثمنَ الرّحلة، ثم جلست حيث توجد مقاعد “الأشخاص الملونين”.

مَرّتْ بضع محطات، ثمّ صعد ركاب “بِيض” أكثر فأمرَ السائقُ روزا وثلاثة آخرين بأن يخلوا مقاعدهم كما جرت العادة.

لكن باركس هذه المرة… رفضتْ ذلك!

– لِمَ لمْ تقفي وتتركي مقعدك؟

– لا أعتقد أنه يجب عليّ القيّام!

– إن لم تتركي مكانك، سأستدعي لك الشرطة.

– يمكنكَ أن تفعل ذلك!

“عندما لوح بيده (السائق) وأَمَرَنا بالتخلي عن مقاعدنا، شعرتُ بعزيمةٍ تغطي جسدي كلّه… وكأنها لحافٌ يدفئني في ليلة شتوية باردة”.

أخذ السائق يصرخ؛ يهدّد بإحضار الشرطة علّ روزا تتراجع… لكنّ السيل هذه المرة، كان قد بلغ الزُّبى.

اقرأ أيضا: ‪ العنصرية… داء لا دواء له‬

“يقول النّاس دائما إنّني لم أترك مقعدي لأنني كنتُ متعبةً. هذا غير صحيح، لم أكنْ متعبة جسديا… لقد كنتُ متعبةً من الاستسلام”.

حضرت الشرطة واعتقلت روزا… ثم أطلقت سراحها في وقت متأخر من الليل.

… ثمّ صارت تلك المرأة؛ السيدةَ الأولى للحقوق المدنية كما لقّبها الكونغرس الأمريكي، ورمزا عالميا لمكافحة الفصل العنصري.

بعد أربعة أيام، مثلت أمام القضاء بتهمة مخالفة قوانين جيم كرو، وأصدر بحقها غرامة قدرها 10 دولارات، إلى جانب 4 أخرى تدفعها رسوما للمحكمة.

تقول روزا في مقابلة إذاعية بعد ذلك: “أردتُ أن أعرف لمرة واحدة، وإلى الأبد، ما كان لي من حقوق إنسان وحق مواطَنة”.

اقرأ أيضا: كاتبة أمريكية: هكذا تُفاقِم العنصرية البيئية انتشار الجائحات

كلّف الحكمُ روزا بضعة دولارات… وكلّفَت القانونَ نهايته!

أعلنت الكنائس التابعة للأمريكيين من أصل إفريقي مقاطعة حافلات مونتغمري في المنطقة إلى أن يحصل كل الأفراد على المساواة في حقوق ركوب الحافلات.

أيامٌ فأشهر… حتى توقفت عشرات الحافلات عن العمل، وتكبدت شركة النقل خسائر مالية كبيرة.

بعد نحو عام، أعلنت المحكمة العليا الأمريكية عدم قانونية سياسة الفصل العنصري داخل الحافلات، ومخالفتها للدستور، وألغت العمل بها.

… ثمّ صارت تلك المرأة؛ السيدةَ الأولى للحقوق المدنية كما لقّبها الكونغرس الأمريكي، ورمزا عالميا لمكافحة الفصل العنصري.

اشتغلت مع زوجها في تحسين حياة بعض الأمريكيين الأفارقة، وجمع الأموال لدعم قضيتهم، وحشد الوعي الدولي تجاه محنتهم.

وُلدت روزا لويس ماكولي، أو لويزا باركس، في الـ4 من فبراير 1913، بولاية ألاباما الأمريكية.

التحقت بالمدرسة في سن الحادية عشر… وكانت تذهب سيراً بينما يستقلّ أقرانها من ذوي البشرة البيضاء الحافلات.

“كانت الحافلة المدرسية أول ما جعلني أدرك وجود عالم أبيض وعالم أسود” تقول روزا.

اقرأ أيضا: هل المغاربة عنصريون؟

لكن مشوار روزا في المدرسة كان قصيرا. كان عليها أن تعتني بجدتها ثم أمّها، واشتغلت بسبب ذلك خادمةً في المنازل أو مُساعدة في المستشفيات.

ظلت كذلك حتى تزوجت من رايمون باركس، عام 1932، وكان عضوا في “الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين”.

حثّها على إتمام دراستها الثانوية، ثم عام 1943، انضمت إلى الجمعية ذاتها (فرع مونتغمري)، وصارت ناشطة في حركة الحقوق المدنية.

اشتهرت روزا، عاما بعد ذلك، إثر التحقيق في قضية اغتصاب جماعي لامرأة من ذوي البشرة السوداء، وإنشاء “لجنة للمساواة بالعدالة من أجل السيدة ريس تايلور”.

حفظا للذاكرة والتاريخ، تقبع الحافلة التي شهدت واقعة تمرّد روزا في متحف هنري فورد، حيث يزوره الناس لالتقاط صور مع تمثال لها.

كتبت صحيفة “شكاغو ديفيندر” عن اللجنة، يومها، أنها أقوى حملة من أجل العدالة المتساوية التي يمكن رؤيتها خلال عقد من الزمن.

ثم اشتغلت لاحقا، مع زوجها، في تحسين حياة بعض الأمريكيين الأفارقة، وجمع الأموال لدعم قضيتهم، وحشد الوعي الدولي تجاه محنتهم.

اقرأ أيضا: الجائحات… مصائب الفقراء عند الأثرياء فوائد!

الحافلات في حياة روزا، كانت أشبه بالقدر. فقبل تمرّدها تلك الليلة، واجهت أحداث كثيرة مشابهة: “لم تبدأ مقاومتي لسوء المعاملة بالحافلات بعد اعتقالي”.

ذات يوم من عام 1943، مثلا، أمرها سائق حافلة بترك مقعدها لراكب “أبيض”. ولما نزلت لتركب من الباب الخلفي، كما جرى العُرف، أقلع السائق وتركها هناك تحت المطر ليُشفي غليل عنصريته.

حصلت روزا على جوائز ومراتب فخرية عديدة نظير ما قدّمته في مسار النضال ضد الفصل العنصري.

من بين أرقاها، الوسام الرئاسي للحرية (الولايات المتحدة)، عام 1996، وأيضا الوسام الذهبي للكونغرس الأمريكي، عام 1999، الذي يُعدّ أعلى تكريم مدني في البلاد.

اقرأ أيضا: هذا أصل حكاية الثامن من مارس/آذار… اليوم العالمي لحقوق النساء!

وحفظا للذاكرة والتاريخ، تقبع الحافلة التي شهدت واقعة تمرّد روزا في متحف هنري فورد، حيث يزوره الناس لالتقاط صور مع تمثال لها.

“يقول النّاس دائما إنّني لم أترك مقعدي لأنني كنتُ متعبةً. هذا غير صحيح، لم أكنْ متعبة جسديا… لقد كنتُ متعبةً من الاستسلام”.

توفيت روزا، في الـ24 من أكتوبر 2005، بشقتها في ديترويت عن عمر يناهز 92 عاما.

تكريما لها، أعلن مسؤولو مدينة مونتغمري أن المقاعد الأمامية لحافلات المدينة ستحمل شارات سوداء إلى حين الانتهاء من تشييع جنازتها.

مراسم الجنازة تلك، كانت من بين الأطول في تاريخ الولايات المتحدة، فقد شيّع روزا باركس عشرات الآلاف إلى مثواها الأخير، كما يليق بأيقونة الحقوق المدنية.

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *