×
×

لأول مرّة في المغرب… العنف النّفسي ضدّ النساء في حكم قضائي!

لم يعد العنف ضدّ النساء، في منظور المنظّمات الحقوقية، جسدياً أو جنسياً أو اقتصادياً أو إلكترونياً فقط، بقدر ما تجاوزه إلى عنف أكثر خطورة، نظراً لصعوبة توفّر وسائل الإثبات أحياناً. والحديث هنا عن العنف النفسي.
المحكمة الابتدائية بفاس بالمغرب تفتحُ باباً وتشكّل سبقاً بإصدارها حُكما قضائياً يعاقبُ على العُنف النفسي، طبقاً لقانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء.
كيف حدثَ ذلك؟

أصلُ الحِكاية!

في تاريخ 27 أكتوبر من 2020، اتفق عدد من الشّباب على الاحتفال بعيدِ ميلاد صديقةٍ لهُم بمقهى بالعاصمة العلمية فاس.

في وقتٍ متأخّر من الليل، أشرفَ أحد هؤلاء على نقل صدِيقته إلى الحي الذي تقطنُ فيه على متن دراجته النارية وكان معهما شخص آخر. لكن، سرعان ما وجدت الفتاةُ المتهمين يمنعانها من النزول ويرغمانها، تحت تهديد السّلاح الأبيض، على الذهاب معهُما لإتمام السّهرة في مكان آخر.

خضعت الفتاة لرغبتهما خوفاً من أن تتعرّض للضرب أو الاعتداء بالسلاح. بقيت بصحبتهما على متن الدّراجة إلى أن مرّوا بالقرب من دائرة أمنية. هنا، بدأت الضّحية تصرخ وتستنجد بالأمن، فتمكّنت عناصر الشّرطة من ملاحقة المُتّهمين وإيقافهم!

“هل يكفي إقرار النصوص للقطع مع هذا التجاوز، أم نحتاج إلى قضاء لا يتأخر في تكييف الأفعال، بما يجعلها خاضعة لأحكام القانون 103.13 دون أي مجال للشك أو التأويل أو حتى إمكانية تعرضها لنقضه وإلغائه من قبل المحاكم الأعلى درجة؟”

في الأخير، قررت النيابة العامة متابعة أحدهما من أجل أفعال “السكر العلني البين” و”حيازة سلاح” و”العنف النفسي في حق امرأة عن طريق الإكراه بغرض المس بحريتها وتخويفها”.

أمّا الشخص الثاني، فتمّت متابعتهُ من أجل تهمة “العنف النفسي”.

بعد إجراء محاكمة عن بعد، تخلّفت عنها المشتكية فيما حاول المتهمانِ إنكارَ المنسوب إليهما، رأتِ المحكمةُ أن “قيام المتهمين بمنع المشتكية من التوجه إلى منزلها، رغبة منهما في قضاء ما تبقى من الليل معها، دون موافقتها”، يشكل في حد ذاته “عنفاً نفسياً في حقها وذلك بسبب جنسها، بمفهوم الفصل الأول من قانون 103.13 المتعلق بمُحاربة العنف ضد النساء”.

في النهايةِ قضت المحكمةُ بمؤاخذة المتهمين من أجل المنسوب إليهما والحكم على الأول بالحبس النافذ لمدة خمسة أشهر وغرامة نافذة قدرها 1000 درهم، والحكم على الثاني بالحبس النافذ لمدة ثلاثة أشهر، وغرامة نافذة قدرها 1000 درهم.

بين التشريع والتطبيق… فاسُ السّباقة!

المختار أعمرة، أستاذ القانون الجنائي وعلم الإجرام بكلية الحقوق سلا، في حديثه لـ”مرايانا”، يقُول إنّه لم تكن أبداً أحكام القانون الجنائي المغربي مُقصرةً في إقرار نوع من الحماية الجنائية للنساء.

غير أنها، يضيفُ أعمرة، لم تُواكب في جزء كبير منها تطوّر أساليب العُنف والإضرار التي أصبحت تلاحقها واقتصرت على التحرش الجنسي.

هذا التأخر، هو ما حاولت مقتضيات قانون محاربة العنف ضد النساء معالجته، من زاوية أن “النساء هن الحلقة الأضعف داخل المجتمع”، يقول.

بيد أن التساؤل الذي يطرحه المتحدثُ، دائماً كباحث قانوني، هو: “هل يكفي إقرار النصوص للقطع مع هذا التجاوز، أم نحتاج إلى قضاء لا يتأخر في تكييف الأفعال بما يجعلها خاضعة لأحكام القانون 103.13 دون أي مجال للشك أو التأويل أو حتى إمكانية تعرضها لنقضه وإلغائه من قبل المحاكم الأعلى درجة؟”.

وهو ما نلمسه، وفق أعمرة، في عدد من ملفات الاعتداء الجنسي على الأطفال والقاصرين كمثال وما يتبعها من إحباط لدى ذويهم والتي تتجاوز بكثير الضّرر النفسي موضوع هذا الحكم.

“تطبيق اتفاقيات حقوق الإنسان التي انخرطَ فيها المغرب منذ عقود لا يحتاج إلى نصوص قانونية أو حتى تجويدها بقدر ما يحتاج اليوم إلى صراحة التطبيق وصرامة المتابعة وعدم تقديم أي تنازلات عند المساس بها”

في قانون 103.13، المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، نجدُ تعريفاً للعُنف النفسي، حيث حددت المادة الأولى من هذا القانون تعريفه في “كل اعتداء لفظي أو إكراه أو تهديد أو إهمال أو حرمان، سواء كان بغض المس بكرامة المرأة وحريتها وطمأنينتها، أو بغرض تخويفها أو ترهيبها”.

ونستنتجُ، هنا، أنّ المحكمة الابتدائية بفاس بهذا الحُكم كان لها السّبقُ في إصدار حكم ينطلقُ من تشريع لم يتمّ تطبيقه من قبل رغم أنّهُ دخل حيّز التنفيذ منذ 2018. كما يتّضحُ اللجوء، بشكل اجتهادي، إلى الفصلين 400 و404 من القانون الجنائي لتكييفه مع مفهوم العنف النّفسي في القانون 103.13.

بهذا، فالحُكم أقرّ نوعاً من توسيع حماية المرأة ومن شأنه فتح نقاش مجتمعي قديم\جديد بخصوص شتى أشكال العنف ضدّ النساء، بما فيها النّفسي.

العهدةُ على القضَاء!

يعتقدُ المختار أعمرة أن مسألة تنزيل مُقتضيات القوانين الحمائية الخاصة، والمرتبطة بالقانون الجنائي تحديداً، لا تحتاج إلى تحوّل مجتمعي، بقدر ما يلزم من تكوينٍ لدى القاضي الجنائي من قناعة يقينية بجدوى تنزيل هذه الأحكام على نحو يُحتّمُ احترام معظم فئات المجتمع مستقبلا لهذه الحقوق.

“يستفاد من هذا التّوجه أن الاعتبار النفسي أصبح له موقع في الفكر القضائي المغربي”

وهو أمر، في تقدير الخبير، يحتاجُ إلى أمرين، الأول هو “وعي القاضي بهذا الأثر على مجتمعٍ يغلبُ عليه الطابع الذكوري… مجتمع تحكم معظم مكوناته نظرة جاهزة للأنثى باعتبارها دائما السبب في استفزاز الذكر لها. ما يترتّب عن هذا، في النهاية، ما هو إلا نتيجة طبيعية لتصورات مجتمعية تجعل النساء جانيات وتحول الذكور لضحايا”.

والثّاني، كما يُردفُ، هو “تضامن مكونات المُجتمع وعلى رأسها الإعلام الهادف لتحقيق هذه الحماية النفسية للنساء مهما كان مستواهن ومهما كانت ظروف عيشهن. تطبيق اتفاقيات حقوق الإنسان التي انخرطَ فيها المغرب منذ عقود لا يحتاج إلى نصوص قانونية أو حتى تجويدها بقدر ما يحتاج اليوم إلى صراحة التطبيق وصرامة المتابعة وعدم تقديم أي تنازلات عند المساس بها”.

وتبقى مسألة السّبق الذي بصمتْ عليه هيئةُ الحكم بفاس، حسب أعمرة، أمراً يجب استغلاله من خلال تعميمه إعلامياً بين مُختلف الشرائح الاجتماعية، لاسيما في المُدن التي أصبحت فيها الجرائم  ضد المرأة أمراً مقبولاً ولا يثير أي رفض من قبل فئة لا يستهان بها من ساكنتها.

يضيفُ أعمرة أنّ العُنف النّفسي لا يقتصر على خيانة الثقة بين المرأة والرجل كما هو الحال في واقِعة هذا الحكم، بل يتعدّاها لما تُعانيه عددٌ من النّساء في صمت داخل أماكن عملهن حتى ولو لم يرقَ للتحرش الجنسي أو الاحتقار مثلاً كأسلوب نفسي له وقع سلبي على نفسية المرأة، وهو أمرُ سبق أن أقَرّته محكمةُ النّقض في قرارها عدد 636.

هذا القرار، يشرحُ المتحدثُ، اعتبرَ من قبيل الضرر النفسي للأجيرة المساس بكرامتها بتوجيه عبارة: (اشتغلي أو إذهبي، فـ “منك عدد”)!

ويستفاد من هذا التّوجه أن الاعتبار النفسي أصبح له موقع في الفكر القضائي المغربي.

وكخلاصة لتصريحهِ لـ”مرايانا”، يقِرّ أستاذ القانون الجنائي أنّهُ “لا يمكنُ أن ننكر كوننا في المغرب لازلنا في حاجة إلى تطور هذا التوجه وتعميمه على أغلب الأحكام متى توفرت على عناصر الإدانة ذات الصلة”.

ختاما، يبدُو واضحا أنّه لا يمكنُ الحدّ من الجرائم ضدّ النّساء عبر الاكتفاء بوضع قوانين حمائية فقط، بل يجب الاستمرارُ على منوال هذا الحُكم، وعدم تسامح القَضاء نهائياً مع أي عنف أو تجاوز يمس النساء.

 

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *