×
×

الأربعاء الأسود في الولايات المتحدة الأمريكية: ترامب… الرئيس المعزول؟ 3\3الجزء الثالث

يقود تتبع وسائل الإعلام والساحة الثقافية الأمريكية إلى الوقوف على الغليان والتقاطب الذي خلفته هذه الأحداث داخل المجتمع الأمريكي، وهنا يبرز من جديد سؤال دانييل بيلمان: هل يتعلق الأمر بمجرد حادث عابر في تاريخ دولة مؤسسات؟ أم أن الأمر مؤشر على بداية أفول الديمقراطية؟

الأربعاء 13 يناير 2021، صوت مجلس النواب الأمريكي على عزل الرئيس دونالد ترامب.

كنا قد توقفنا في الجزء السابق عند ردود الفعل الداخلية والخارجية على أحداث الأربعاء الأسود. في هذا الجزء، نتوقف عند مطالب اقالة الرئيس الأمريكي ترامب، وإعمال المادة الخامسة والعشرين من الدستور، كما نتعرف على أبرز تعديلات الدستور الأمريكي.

دعوات للإقالة والمحاسبة

بعد أحداث الأربعاء الأسود، وأمام رفض دونالد ترامب الاعتراف بهزيمته، ورفضه حضور حفل أداء اليمين الدستورية في العشرين من يناير، رغم تعهده بضمان انتقال سلمي للسلطة، إلا أن أصواتا كثيرة انبرت مطالبة باستخدام التعديل الخامس والعشرين للدستور الأمريكي الذي يتيح إقالة الرئيس، باعتباره مسؤولا عن “غزو” أنصاره لمبنى الكابتول.

أولى الدعوات التي تعالت كانت من داخل مجلس الوزراء، إذ حث وزير الأمن الداخلي السابق ورئيس أركان ترامب، جون كيلي، مجلس الوزراء على الاجتماع ومناقشة إقالة ترامب، وقال لشبكة CNN إنه سيصوت لصالح ذلك.

أما رئيسة مجلس النواب. بيلوسي، –التي جرت بينها وبين ترامب صولات وجولات- ورئيس الأغلبية الديمقراطية بمجلس الشيوخ، شومر، فقد أجريا يوم الخميس مكالمة هاتفية مشتركة مع نائب الرئيس الأمريكي بنس، طالبين منه التفكير في تفعيل التعديل الخامس والعشرين من الدستور الأمريكي. وحسبما قال شومر للصحفيين، فقد فشلت المفاوضات إذ “أبقونا في الانتظار لمدة 25 دقيقة ثم قالوا إن نائب الرئيس لن يأتي على الهاتف”.

دعوة الإقالة لقيت صداها وسط الجمهوريين، إذ أعلن النائب الجمهوري آدم كينزينجر عن تأييده لإقالة ترامب، مصرحا في شريط فيديو: “حان الوقت لإنهاء هذا الكابوس. الرئيس تسبب في هذا”؛ مضيفا أن الرئيس غير لائق ومريض ويتعين عليه التخلي عن سيطرته على السلطة التنفيذية طوعا أو كرها.

ضربة أخرى تلقاها ترامب كانت من “جاي تيمونز” الرئيس والمدير التنفيذي للرابطة الوطنية للمصنعين، والذي كان يعتبر في الماضي من حلفاء ترامب. تيمونز  صب جاي جام غضبه على الرئيس في مقال نشر على جريدة الواشنطن بوست يوم السابع من يناير 2021، حمل عنوان “حان الوقت لاستدعاء التعديل الخامس والعشرين… يحتاج ترامب إلى المساءلة”، حيث قال: “لا يمكننا أن نثق في أن منفذ الحريق سيتظاهر بأنه رجل الإطفاء بعد الآن. لهذا السبب، طلبت من نائب الرئيس بنس أن يفكر بجدية في العمل مع مجلس الوزراء لتفعيل التعديل الخامس والعشرين، إذ يحتاج الرئيس ترامب إلى المساءلة”.

غضب تيمونز -الذي يمثل وجهة نظر جزء كبير من أرباب المال والأعمال- لم يتوقف، إذ حمل المسؤولية المباشرة للرئيس ترامب قائلا: “يوم الأربعاء، تعرضت ديمقراطيتنا لهجوم وحشي من قبل أنصار ترامب المسلحين. الحقائق واضحة. لقد استلهموا من الأكاذيب الصريحة أن انتخابات حرة ونزيهة قد سُرقت وتم التلاعب بها. لقد آمنوا بادعاءات الرئيس التي لا أساس لها من الصحة، من أنه فاز بطريقة ما في الانتخابات التي خسرها بأغلبية ساحقة بلا منازع؛ وبتحريض من الرئيس هاجموا الكونجرس لمنع أعضائه من المصادقة على الأصوات الانتخابية”.

أما جريدتي الواشنطن بوست والنيويورك تايمز، فقد وجهتا الدعوة لمايك بنس في عدد من مقالاتهما من أجل إعمال التعديل الخامس والعشرين؛ ويبدو أن بنس بدأ بالتفاعل مع هذا المطلب، إذ صرح مصدر مقرب منه لقناة CNN باحتمال لجوئه إلى هذا التطبيق، في حالة أصبح ترامب “أقل توازنا من الناحية العقلية”. بحسب الصحف الأمريكية، فإن كبار المسؤولين في الإدارة أصبحوا يناقشون احتمالية اللجوء إلى التعديل الخامس والعشرين للدستور الأمريكي لإجبار ترامب على التنحي.

الدستور الأمريكي: تاريخ من التعديلات

يرجع تاريخ الدستور الأمريكي إلى سنة 1784 حيث تم إقرار النسخة الأولى منه عقب نقاشات فيلاديلفيا –التي كانت العاصمة الاتحادية آنذاك-، وقد تعرض بعدها لستة وعشرين تعديلا، أولها كانت سنة 1791، وآخرها كانت سنة 1992، وفيما يلي تاريخ التعديلات وأبرز خطوطها العريضة.

تضمنت التعديلات العشرة الأولى ما عرف بوثيقة الحقوق، وقد تمت المصادقة عليها سنة 1791؛ بينما اعتمد التعديل الحادي عشر في 7 فبراير سنة 1795، وقد نظم الدعاوي ضد الولايات الأمريكية.

اعتمد التعديل الثاني عشر في 27 يوليوز سنة 1804، وحدد آلية انتخاب الرئيس ونائب الرئيس؛ أما التعديل الثالث عشر فقد صودق عليه في 6 دجنبر سنة 1865، وتضمن إلغاء الرق؛ بينما اعتمد التعديل الرابع عشر في 9 يوليوز 1868، والذي أقر الحقوق المدنية لكل المواطنين. أما التعديل الخامس عشر فقد صودق عليه في 3 فبراير 1870، وأقر منح الزنوج حق الانتخاب.

في 3 فبراير 1913 تم إقرار التعديل السادس عشر، والذي فوض للكونغرس سلطة تحديد ضرائب الدخل على كل الولايات الامريكية، بعدها بحوالي شهرين وبالضبط في 8 أبريل 1913 تمت المصادقة على التعديل السابع عشر، والذي حدد آلية انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ من الشعب مباشرة.  فيما صودق على التعديل الثامن عشر في 16 يناير 1919 والقاضي بتحريم إنتاج أو بيع أو نقل أو استيراد أو تصدير المشروبات الكحولية.

في 18 غشت 1920، تمت المصادقة على التعديل التاسع عشر، والذي منح المرأة حق الانتخاب، أما التعديل العشرون فقد صودق عليه في 23 يناير 1933، والذي حدد فترة ولاية كل من الرئيس والكونغرس. وفي الخامس من دجنبر من نفس السنة ستتم المصادقة على التعديل الحادي والعشرين والذي ألغى التعديل الثامن عشر.

في 27 فبراير من سنة 1951، تمت المصادقة على التعديل الثاني والعشرين والذي حدد الفترة الرئاسية في ولايتين؛ بينما اعتمد التعديل الثالث والعشرون في 29 مارس سنة 1961، والذي حدد آليات الاقتراع في مقاطعة كولومبيا؛ بينما صودق في 23 يناير سنة 1964، على التعديل الرابع والعشرين، والذي قنن ضرائب الأشخاص.

في السادس من يوليوز 1965 اقترح التعديل الخامس والعشرون، ولم تتم المصادقة عليه إلا في 10 فبراير سنة 1967. يتضمن هذا التعديل أربع فقرات تنظم أحكام وكيفية عزل الرئيس وخلافته. في السياق الحالي، فإن ما يمكن اللجوء إليه هو إعمال الفقرة الرابعة من التعديل، والتي تقتضي أن يبلغ نائب الرئيس وغالبية الموظفين الرئيسيين في الوزارات التنفيذية أو أعضاء هيئة أخرى، يحددها الكونغرس بقانون، رئيس مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب تصريحهم الخطي بأن الرئيس عاجز عن القيام بسلطات ومهام منصبه، ليتولى نائب الرئيس فوراً سلطات ومهام المنصب كرئيس بالوكالة.

بعدها بأربع سنوات، وبالضبط في 1 يوليوز 1971، تمت المصادقة على التعديل السادس والعشرين، والقاضي بمنح حق التصويت للبالغين 18 سنة، بينما تم إقرار آخر تعديل في 7 ماي سنة 1992، والذي حدد آلية تعويض أعضاء الكونغرس الأمريكي.

ترامب… الرئيس المعزول!

رغم ما أبداه مايك بنس نائب ترامب من احتمالية لإعمال المادة الخامسة والعشرين، فإن نواب الحزب الديمقراطي بالكونغرس الأمريكي، يتحركون من أجل إعمال مسطرة العزل رغم أنه لم يتبق سوى أقل من أسبوع إلى أن يتم تنصيب جو بايدن ونائبته كمالا هاريس. كما أنه لن يكون من الممكن استكمال إجراءات العزل قبل 20 يناير، لكن هذا يمكن أن يمنع دونالد ترامب من الترشح مرة أخرى سنة 2024.

من الناحية الرمزية سيجعل هذا العزل ترامب يدخل للتاريخ كأول رئيس أمريكي يخضع لإجرائين من إجراءات العزل، بعد أن كان رابع رئيس يخضع لإجراءات العزل (أندرو جونسون، ريتشارد نيكسون، بيل كلينتون)، وكأول رئيس تنجح إجراءات عزله.

يقود تتبع وسائل الإعلام والساحة الثقافية الأمريكية إلى الوقوف على الغليان والتقاطب الذي خلفته هذه الأحداث داخل المجتمع الأمريكي، وهنا يبرز من جديد سؤال دانييل بيلمان: هل يتعلق الأمر بمجرد حادث عابر في تاريخ دولة مؤسسات؟ أم أن الأمر مؤشر على بداية أفول الديمقراطية؟

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *