×
×

شعر أبو نواس وقضايا الدفاع عن الحريات الفردية 2/2

أبو نوّاس أرادَ أن يتنفّس الشعر بحريةٍ فردية تنفلتُ من كل القيود المجتمعية، التي قيّدت قصائدَ الشّعراء.
حتى في أوج “الغزل الفاحِش” وشعر الخمرة وغيره من الأمور التي حاول الدينُ شجبها، لتكريس الأخلاق وتوضيب السّلوك الشّعري، لم يكنْ أحدٌ بقدر الجرأة والصدق البلاغي في تصوير رغبات مثلية “مُخالفة” للثابت والمألوف آنئذٍ، ولكن في احترامٍ فنيّ تامٍّ للبحور الشعرية من حيثُ الشّكل.

يقول محمود عباس العقاد: “الفن العظيم لا یخضـع لأيّ مـذهب وإلا تـدهور، وهو لا یتقید بقواعد الدین والأخلاق العامة؛ لأنّ هدفه تمثیل الحیاة ولیس البحث عن هدف دیني أو أخلاقي”.

ما أحوجنا إلى تذكر هذه المقولة في عصرنا الحالي، حيثُ كل شيء يقيّدُ الفنّ وحرية التعبير.

بعد أن تعرفنا على مظاهر الحداثة والمثلية الجنسية في شعر أبي نواس في الجزء الأول، تبقى مقولة العقاد أفضل ما نستهل به الجزء الثاني من هذا الملف، لنقتفي أثر الفردانية في شعر أبي نواس، ورغبته في مجابهة المجتمع العبّاسي بشعره، دفاعاً عن حريته الفردية وحقه في التعبير عن ذاته دون أية قيود.

صحيحٌ أنّ أبا نوّاس لهُ أشعارٌ كثيرة في غزل النساء، كمعشوقتهِ جِنان، وهو المألوفُ عندَ العرب حينذاك. بيدَ أنّه اجتهدَ أكثر في التغزّل بالغلمان وإظهار مفاتنهم الجنسية والجسدية، لاسيما السّقاة، الذين كانوا في الخمّارات التي يرتادها النّواسي.

اقرأ أيضا: خمريات أبي الهندي… أبو نواس “استولى” على أكثر معانيه في نعت الخمر ووصفها.

شعر أبي نواس لم يكن فقط غزلاً معنويّا، بل أيضا حسّيًّا وماديًّا، “يتضمن سمات الغلام في التّقاطیع البارزة، والقدّ الممشوق، والتّبذّل في الحَركات والحدیث، والتّدلّل والتّخنّث [1]:

يسعى بها خَنِثٌ، في خُلقِهِ دَمَثٌ … يستأثرُ العَينَ في مُستَدرج الرّائي

مقرَّطٌ، وافرُ الأرْداف، ذو غُنُجٍ … كأنّ في راحَتَيْه وَسْمَ حِنـّاءِ

قد كسّرَ الشّعرَ واواتٍ، وَنَضّدَهُ … فوقَ الجَبين وردّ الصّدغَ بالفاء

لم یعرف العَربُ، قَبل النّصف الثّاني من القَرن الثّاني الهِجري، مثل هذا المیل إلى الغلمان، بشَكل مُستَسَاغ شعرياً؛ إذ أصبَح ظاهرة من طبائع العصر العبّاسي عند بعض الشّعراء، “كبشّار بن برد والنّواسي والحسین الضّحّاك ووالبة بن الحباب وحمّاد عجرد ومطیع بن إیاس وغیرهم، وان وُجدَت بصُورة حالات فردیّة لا تذكر في العصر الرّاشدي والأمويّ” [2].

طبعا، حاول العربَ أن يردّوا هذا إلى أنهُ من نبع الثقافة الفارسية، التي ينحدرُ منها أبو نوّاس، فتفرّقت الآراء في تفسیر ظاهرة المیل إلى الغلمان بعد النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، في العصر العبّاسي؛ حيثُ ذهبوا بدايةً إلى تفسیر وراثي، یعود به إلى الجنس الفارسي والعقیدة المانویّة، فضلاً عن تفسیر آخر حضاريّ، یرى في انتشار هذا المیل مظهراً من مظاهر التّحضّر، الذي صاحبَ العهد العباسيّ [3].

كما اتجه بعض النّقاد في قراءة تبريرية للتاريخ، إلى القول، إنّ ميل أبا نواس نحوَ الغلمان شعرياً وجنسياً، ما هو إلاّ صدى لظاهرة عامّة، ظهرت قوية في العصر العباسي، فهو عبر شِعره “الخلاعي” و”إباحیّته” وجرأته على المُجاهرة بالمثلية، إنّما بُغيتهُ فضح مجتمعه، بكلّ ما یحتویه من نفاق متستّر، وتعریته توسّلاً بالشِّعر المجوني.

الرواياتُ التّاريخية تشيرُ أن أبا نوّاس كان یهوى الغلمان حقّاً، وأنه كان يربط معهم علاقات جنسية، ومجاهرته بذلك لم تكن سوى تحدٍّ للمجتمع؛ فـ”الخارجون” عن المجتمع جنسياً، أي المثليون، كانوا في ذلك الوقت يشعرون باضطهاد قوي، ويتوجسون خیفة من كلّ نظرة أو ملاحظة، یوجّهها النّاس إلیهم؛ فـ “الجرأة الكافیة تدفع بعضهم إلى المجاهرة بما یرتكبه، بل ویدافع عن مشروعیّته، ویتحدّى النّاس به. وبذلك، یصبح مهاجِماً، بعد أن كان مهاجَماً، ویتخلّص نهائیّاً من الهواجس وآلام التّخفّي والتّستّر” [4].

اقرأ أيضا: من تاريخ الخمر: المجون العباسي… لأول مرة، تخصيص موظفين برواتب في البلاط مكلفون بشؤون الشراب! 

الواضحَ أنّ أبا نوّاس أرادَ أن يتنفّس الشعر بحريةٍ فردية تنفلتُ من كل القيود المجتمعية، التي قيّدت قصائدَ الشّعراء. حتى في أوج “الغزل الفاحِش” وشعر الخمرة وغيره من الأمور التي حاول الدينُ الإسلاميّ شجبها لتكريس الأخلاق وتوضيب السّلوك الشّعري، لم يكنْ أحدٌ بقدر الجرأة والصدق البلاغي في تصوير رغبات مثلية “مُخالفة” للثابت والمألوف آنئذٍ، ولكن في احترامٍ فنيّ تامٍّ للبحور الشعرية من حيثُ الشّكل.

وهو ما يزكّي أن النّواسي، في اختلافِ مضامينه وموضوعاته، قاتلَ من أجل أن يكون شاعراً ذاتياً يعبّرُ عن ذاته وتجربة الشهوانية ومعاناته النفسیّة الخاصّة…

أبو نواس، في النهاية، كانَ “یهوى الحریّة المرتبطة بالخطیئة؛ فالحرام عنده مستساغ، وارتكاب الذّنوب نهج مستهدف. وهذه السّمات تستدعي فصل الأخلاق والدّين عن الشِّعر؛ فالنّواسي یرید الحیاة بحریّة شخصیّة، وأخلاق خاصّة، وسلوك ذاتي” [5]، لا شأنَ للمحيط به.

كما يمكننا القول إن أبا نواس كان يتنفّسُ أشعاراً سابقةً لأوانهَا، إذ أن الكَثِير من الشعارات التي رافع عنها في شعره، تحملها المنظمات الدولية والهيئات الحقوقية اليوم كحُرّية التّعبِير والحُريّات الفَردية.

[1] عبد السلام أحلام، صور السّاقي في خمريات النواسي.
[2] نفسه.
[3]  نفسه.
[4]  نفسه.
[5] المرجع السابق.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *