×
×

خمريات أبي الهندي… أبو نواس “استولى” على أكثر معانيه في نعت الخمر ووصفها.

يُفسر الأصفهاني خمولَ ذِكرِ هذا الشاعر وعدم اشتهاره بعيشه أولا بعيدا عن بلاد العرب ومراكز الخلافتين الأموية والعباسية، إذ قضى معظم حياته في سجستان وخراسان (أفغانستان حاليا)، وثانيا “شغفه بالشراب ومعاقرته إياه، وفسقه وما كان يتهم به من فساد الدين”.
وهذان السببان كافيان لإماتة ذكرِ كل مبدعٍ أيا كانت قيمتُه فنيا، خاصة إذا استحضرنا التضييق الذي كان يمارسه الخلفاء ومن خلفهم الفقهاء على المثقفين الذين لا يولون الدين كامل احترامهم وتوقيرهم.

 

لم يعد الشعر لاعبا أساسيا في ملعب حياتنا الأدبية والثقافية كما كان سابقا؛ ففنون كثيرة ظهرت وتطورت سالبةً إياه الأضواء ومنتزعةً منه الرسمية، على أن ذلك ليس بالأمر الخطير، فمسار الحياة لدى كل المجتمعات البشرية محكوم بقوانين التطور والتغير، ولن يقف في طريق ذلك التطور صياحُ الغيورين على الأدب وعويلُ المحبين لفن الشعر.

لكن ومع ذلك، يبقى للأدب عموما وللشعر خاصة دورهما في تكوين وتوجيه وجدان الإنسان المعاصر، لأن الإنسان منذ كان (ولايزال) بحاجة ماسة إلى التعبير الدال والإعراب الموحي عن تجاربه ومواقفه من الحياة، وليس يوجد بين الفنون جميعا ما يتيح هذه الإمكانية سوى الأدب؛ لتنوع أجناسه وتعدد أنماطه استجابةً لتنويعات الحياة الإنسانية ومواكبةً لتعقيداتها.

وطبعا ليس في حياة كل من عاشوا وماتوا ما يستحق التأبيد والـتخليد، فقط قِـلَّـةٌ منهم مَن استطاع حجز مكانٍ له بين الخالدين، والذين كان أدبُهم وشعرُهم سببا في خلودهم كثيرون جدا إذا ما قيسوا بغيرهم، مع أن كثيرا مِمَّن خُلِّدوا ومُجِّدُوا بسبب أدبهم لم يكن فهمهم للحياة كاملا، ولا تصورهم حولها ناضجا، ولا حياتهم مثالا يُحتذى،  لكن  الأدب وحدَه هو ما أكسبَ حياتَهم قيمةً لم يكونوا ليحلموا بها دونه. فإنسان سكيرٌ كأبي الهندي لم يكن ليلتفت إليه أحد من معاصريه أو ممن جاء بعده لو أنه مثلا أحجم عن التعبير شعرا عما كان يجيش به قلبُه من حبٍّ عميق للخمر وتعلق شديد بحياة اللهو والقصف.

اقرأ أيضا: من تاريخ الخمر: المجون العباسي… لأول مرة، تخصيص موظفين برواتب في البلاط مكلفون بشؤون الشراب! 

كانت هذه التوطئة ضرورية لتبرير الحديث عن شاعر مميز جدا في مضماره، تُنوسِي للأسف الكثيرُ من شعرِه وأخبارِه، إلا القليل الذي احتفظت به عفوا بعضُ أمهاتِ مصادرنا الأدبية القديمة. لكن شاعراً مثله لن تَخفى قيمتُه الأدبية والفنية على الدارس المتخصص، ولن يخفى كذلك تأثيره على جيل كامل من الشعراء عاشوا بعده وانفردوا بوصف الخمر والتغني بها مطلع العصر العباسي الأول.

فلقد روى صاحب الأغاني بسنده خبرا منسوبا إلى إسحاق الموصلي (الذي يعتبر مدرسة لوحده في الغناء) مُفاده أن أبا نواس كان ينظر إلى شعر أبي الهندي ويستولي على أكثر معانيه في نعت الخمر ووصفها… وليس في هذا الرأي مبالغة إذا عرفنا أن أبا الهندي لم يقل شيئا من الشعر إلا وكانت الخمر دافعه وموضوعه. ويُفسر الأصفهاني خمولَ ذِكرِ هذا الشاعر وعدم اشتهاره بعيشه أولا بعيدا عن بلاد العرب ومراكز الخلافتين الأموية والعباسية، إذ قضى معظم حياته في سجستان وخراسان (أفغانستان حاليا)، وثانيا “شغفه بالشراب ومعاقرته إياه، وفسقه وما كان يتهم به من فساد الدين”، وهذان السببان كافيان لإماتة ذكرِ كل مبدعٍ أيا كانت قيمتُه فنيا، خاصة إذا استحضرنا التضييق الذي كان يمارسه الخلفاء ومن خلفهم الفقهاء على المثقفين الذين لا يولون الدين كامل احترامهم وتوقيرهم.

يختلف الرواة والنسابة في اسمه ومكان ولادته ونشأته، بل حتى في سبب وفاته. فهو غالب بن القدوس بن شَبَث بن رِبعي في رِاوية، وغالب بن عبد المؤمن في رواية ثانية، وغالب بن السلام في راوية ثالثة. أما نسبه فهو عربي يُنمي إلى يربوع أحد بطون العرب المشهورة بالبأس والشدة. وقد كانت ولادته ونشأته على الأرجح في الكوفة أواخر القرن الأول بعد الهجرة، وكانت الخلافة والسيادة في ذلك الإبان للأمويين الذين اشتهروا بعصبيتهم الشديدة للعرب.

ومما يُؤسف له أنه لا أحد من الرواة القدماء قام بتتبع شعره وجمعه في سفر واحد كما فُعل بشعرِ كثيرٍ من الشعراء غيره، فبقيت أشعاره متفرقة في كتب الأدب والنحو واللغة، وهذا الأمر لا ينقص من قيمته كشاعر فذ، تمرد على قيود عصره ضاربا إياها عُرض الحائط رغم تنديد المنددين وتقريع المتزمتين.

اقرأ أيضا: شغب ناعم… قصة جارية حكمت الدولة العباسية 1/2

  ما يؤكد تلك المكانة، استشهاد النحاة بشواهدَ من شعره لإقرار قواعد اللغة وإحكام قوانينها، فضلا عما اشتهر به من سرعة الجواب وقوة البديهة، فيذكرون تأكيدا لذلك أن نصْر بن سيار (آخر ولاة الأمويين على خراسان وبلاد فارس) مر عليه “وهو سكران يتمايل، فوقف عليه فعذله (عاتبه) وسبه قائلا: ضيعتَ شرفك، وفضحت أسلافك. فلما طال عتابه التفت إليه فقال: لولا أني ضيعتُ شرفي لم تكن أنت على خراسان…”.

وحكوا عنه أيضا أنه “خطب إلى رجل فقال له: لو كنت مثل أبيك لزَوجتك. فقال له أبو الهندي: لكنك لو كنت مثل أبيك ما خطبتُ إليك”. أما سبب وفاته فقد روي حولها الكثير، لكن أشهر ما روي أنه سكر ذات ليلة في قرية من قرى مَرْوٍ رفقة أصحابه، وكان إذا نام تقلب في نومه تقلبا قبيحا، فسقط في نومه من السطح فمات من ساعته.

ومن أبياته التي سارت في الآفاق، وفيها يدعوا إلى دفنه قريبا من أصول الكرْمِ بعد موته حبا في الخمر الذي يُستخرج من عنبها:

إذا حانت وفاتي فادفِنُوني  *** بكَرْمٍ واجعلوا زِقًّا وِسادي

وإبريقا إلى جنبي، وطاسا  *** يَروي هامَتِي ويكونُ زادي

وفي نفس المعنى يقول أيضا:

اجــعلوا إن مِــتُّ يوما كـــفني  ***  ورق الكــرم وقبـــري معــصرَه

وادفنوني وادفنوا الرَّاحَ معي ***  واجعلوا الأقداحَ حول المقبرَه

إنني أرجـو من الـــله غــــــدا  *** بعدّ شُربِ الراحِ حُسنَ المغفرَه

هذه الشواهدُ من شعره تكفي للتدليل على نوعية العلاقة التي جمعت أبا الهندي بالخمر، فلقد أحبها وتحمل في سبيل ذلك الحب إذاية الناس وتعييرهم له، خاصة إذا علمنا أنه انتمى إلى أسرة عريقة النسب بمعايير ذلك الزمان، فقد تولى جدُّه شَبَث شرطة الكوفة للحارث بن أبي ربيعة المخزومي شقيق عمر بن أبي ربيعة الشاعر المشهور.

ونختم حديثنا عن أبي الهندي بأبيات تلخص مذهبَه في الحياة ونظرتَه إليها تلخيصا لا يحتاج إلى شرح، يقول:

إنـــــما العـــــيشُ فَـــتاةٌ غادةٌ  ***  وقُعُــــودي عـــــاكفا فـــي بيتِ حَانِ

أشربُ الخمرَ وأعصي مَن نهى  ***  عن طِلابِ الرَّاحِ والبِيضِ الحِسانِ

فـــي حـــياتي لـــــــذّةٌ ألهُـــــو بها  *** فــــإذا مَتُّ فقـــد أوْدَى زمـــــانِي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *