×
×

مظاهرُ الحداثةِ في الشعر العربي… أبُو نواس والتغزل بالغلمان 2/1

تنبّه النقاد القدماء إلى ضرورة عدم محاكمة الشعر باستعمال الأخلاق ومَسْلكيات الدين، فأخذوا الفـن بمعزل عن الدین والخُلُـق، ولـم یـروا فـي الدیانة عـاراً على الشـعر، ورفضـوا أن یهضمَ حق أبو نوّاس كشاعرٍ، لعبثـه أو سـوء اعتقـاده، وفرضوا على المتلقي ألا یخلط بین حقوق الفن على الأدیب، وبین عقیدته الدینیة.
لهذا، قال الجرجاني “فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكـان سـوء الاعتقـاد سـبباً لتأخر الشاعر، لوجب أن يُمحى إسم أبي نواس”

قد لا يخطئُ أولئكَ الذين قالوا إنّ العهد العباسيّ عرفَ صعوداً ثقافياً ومجتمعياً وسياسياً في تاريخ الحضارة العربية. وهو ما انعكسَ، بالتّبعةِ، على موضوعات الشّعر والأدب، وفُتِحت الدّفتان إزاء موضوعات تتغنى بها العولمةُ والحداثة اليوم، كالحُريات الفَردية والحُريات الجنسِية والمِثلية، التي حمل لواءها الشاعرُ العبّاسيّ أبو نواس.

في هذا الجزءِ الأوّل، نتابع كيف بلغَ شعرُ أبي نوّاس مُنتهاهُ في الجُرأة، غيرِ عابئ بالمحيط السوسيوثقافي والحضاري الذي كان يعيش فيه، حينَ نظمَ أشعاراً واضحة، بما أوحى لهُ “شَيطَانهُ”، تتغزّلُ بالغلمان، شأن ما سمي بـ”الغزل الفاحش” الذي خاطَ بيوتهُ العربُ على النّساء في ما عرف بـ”الجاهلية” قبل برُوز فجر الإسْلام.

يقول أحد الباحثين: قصّر النّواسي حياته المترفة اللاّهیة على تصیّد ألوان الجمال، وتصویر مظاهرها الأنثویة والذّكوریّة، وتجسید علاقاته بالسّقاة في مجالس اللّهو والشّراب؛ فنظَر في مرآة حیاته، ونقل للمتلقّي كلّ دقائقها بصدق وجرأة وواقعیّة؛ فكشف عـن هُوِیّة الساقي الدینیة، والجنسیة، واللونیة، والوظیفیة. [1]

أمّا ابن منظور، فقد قال: “كان أبو نواس حَسَنُ الوجه رقيق اللون أبيض حلو الشمائل ناعم الجسم ألثغ بالراء حيث يجعلها غينا، وفي حلقه بُحَّة لا تفارقه، وكان ظريفا ولطيفا لا ينـزع العمامة عن رأسه”، وهو – إلى جانب كونه شاعراً، كان ضليعاً في علوم أخرى من قبيل الأديان، والفقه، والمنطق، والفلسفة، وعلم الكلام، والصوفية“.

اقرأ أيضا: شغب ناعم… قصة جارية حكمت الدولة العباسية 1/2

يُرجعُ الأصفعاني انكباب أبي نواس، على تكريس الكثير من أشعاره لإبراز ولعهِ الجنسي بالغلمان، إلى سياق تاريخي مهمّ يتعلّق بانفتاح العصر العباسي غداة ازدهار العلوم. وتجلّى ذلك، بدوره، في وجود الغلمان من مختلف الأصقاع والأجناس، وتمّ اللّقاء بهم، بصُورة عفوية ومیسّرة، في أماكن اللّهو والدّیارات والحانات.

حتّى إنّ بعضهم، وفق الأصفعاني، كان یخدم في القصور وبیوت السّادة، ومنهم مَن كان يقضي حاجـات الشّـعراء؛ كـ”إسـماعیل بن معمر القراطیسي، الّذي كان مألفاً للشّعراء، فكان أبو نواس وأبو العتاهیة ومسلم وطبقـتهم، یقصدون منزله، ویجتمعون عنده، ویقصفون ویدعونهم القیان وغیرهم من الغلمان. [2]

عرف أبو نوّاس بأنّهُ عاشقٌ شهويّ حسّي، فهو یحبّ الغلمانَ للأدب، والظّرف، وقد یحـبّهم لاهیاً عابثاً. بيدَ أنّ ثمة قراءة تقول بأن هذا الغزل لم یكن عذریّاً ولا صوفیّاً، بل كان النواسي، فعلاً، محبّاً للغلمان أيما حبّ، ومفضّلاً لمواصلتهم على مواصلة النّساء. [3]

یقول في إحدى قصائدهِ:

ما استَكمَلَ اللَذّاتِ إِلّا فَتىً     يَشرَبُ وَالمُردُ نَداماهُ

هَذا يُفَدّيهِ وَهَذا إِذا                ناوَلَهُ القَهوَةَ حَيّاهُ

وَكُلَّما اشتاقَ إِلى قُبلَةٍ          مِن واحِدٍ أَلثَمَهُ فاهُ

سَقياً لِدَهرٍ كُنتُ فيهِ لَهُم       مُعاشِراً ما كانَ أَحلاهُ

نَشرَبُها صِرفاً وَلَم نَقتَرِع         وَشَرطُنا مَن نامَ نِلناهُ

من جهة أخرى، انبرى باحثون لتخليص النواسي من هذه “التّهمة”، منهم أحمد السّقّاف، الذي يؤكدُ على براءة أبي نواس من وصمة المیل إلى الغلمان؛ لأنّه كان یظهر خلاف ما هو علیه، فیتغزل بالمرد، ویكثر من ذكر المثلية؛ للتّحلّي به في الشِّعر، مباراة لمطیع ووالبة وخلف والحسین بن الضّحّاك، وحرصاً على إظهار تفوقه علیهم في هذا المجال. [4]

في نفس الاتجاه، وهو سياقٌ اعتبر منضويًا تحت قراءات الإيديولوجية للشعر، نجدُ أحمد كمال زكي يذهبُ إلى أن تغزل أبي نواس بالغلمان، قد “يمكن تفسيره بإخفاقه في حبّ جنان، وأنّ غلمانیّاته لم تكن إلاّ في عهد الأمین؛ الذي يُحكى أنه كان مِثليا، فكأنّما غلمانیّات أبي نواس-هي تسویغ له”. مشدداً على أنّ “الولع بالغلمان عادة فارسیّة، فلا یستبعد أن یكون أبا نواس قد انحرف فنّیّاً فقط”. [5]

هناكَ من ذهبَ إلى احتمالية أن السبب قد يكون يتمه “وبيت أمه المفتوح على مصراعيه كباب لطلاّب اللّذة، وربما تكون “جنان” التي أحبّها ولم تبادله حبه وقد قذفه كُرهُها “كَرهَا”، إلى مُفاضلة الغلمان على النساء، فبلغ شعره فيهم “مَرفعا”، لم يصل إليه ما قاله فيهن من أشعار”. [6]

ولعلّ ما يعابُ على النقد الأيديولوجي للشعر العربي، والتعاطي مع شعر أبي نوّاس على أنهُ انحلالٌ خلقي لصيقٌ بـ”الشعوبية” (التي اشتدّ عودها إبّان النصف الثاني من القرن العبّاسي) أنه كان نقدا يخلو من العناصر الفنيّة بقدر ما يحتفي باعتبارات خارجة عن جنون القصيدة… إنهم نظروا إلى ما كتبهُ أبو نواس من الخارج لا من الداخل، وبنَفَس “أخلاقي” أكثر منه شعري.

اقرأ أيضا: خمريات أبي الهندي… أبو نواس “استولى” على أكثر معانيه في نعت الخمر ووصفها.

وعلى إثر قصائد النواسي وغيره، تنبّه كثير من النقاد القدماء إلى ضرورة عدم محاكمة الشعر باستعمال الأخلاق ومَسْلكيات الدين، فأخذوا الفن بمعزل عن الدین والخُلُق، ولم یروا في الدیانة عاراً على الشعر، ورفضوا أن یهضمَ حق أبو نوّاس كشاعرٍ، لعبثه أو سوء اعتقـاده، وفرضوا على المتلقي ألا یخلط بین حقوق الفن على الأدیب، وبین عقیدته الدینیة.

لهذا، قال الجرجاني “فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكـان سـوء الاعتقـاد سـبباً لتأخر الشاعر، لوجب أن يُمحى إسم أبي نواس”. [7]

في الجزء الثاني، سنرصد نفحات الحداثة الفكرية في شعر أبي نواس، ونفهم الترابط بين أشعاره المتحررة ودعوات اليوم إلى الحريات الفردية واحترام حرية التعبير.

[1] عبد السلام أحلام، صور السّاقي في خمريات النواسي.
[2] الأصفعاني أبو الفرج، الأغاني.
[3] عبد السلام أحلام، صور السّاقي في خمريات النواسي.
[4] السقاف أحمد، الأوراق.
[5] كمال زكي أحمد، الحياة الأدبية في البصرة إلى نهاية القرن الثاني الهجري.
[6] المطيري صميدة محمد، من قصص العشاق: أشهر عشاق العرب… المرأة في شعر أبي نواس (الجزء الثاني والأخير).
[7] الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *