×
×

مصطفى بوهندي يكتب لمرايانا: من رسم الكاريكاتير؟!

قبل ما يقارب العقدين (18 سنة مضت)، كتبت مقالا عن مسألة الصراع الإسلامي المسيحي والإساءة للمقدسات.
اليوم، وجدت أن هذا المقال نفسه لا زال يعالج الأزمة الماضية نفسها، فقررت إعادة نشره على موقع مرايانا؛ باعتبار رسم الكاريكاتير إنما هو انعكاس لمرايانا… مرايانا التي تعكس عيوبنا التي نحتاج إلى إصلاحها فينا…

قالت، وهي تأكل من غذائها السريع في مكتب العمل: “ما بال المسلمين يدافعون عن أنفسهم من التهم الموجهة إليهم، بتأكيدها والإتيان بالأدلة عليها؟”.

غادرتها لألحق بصلاة الجمعة بالمسجد الكبير والجديد القريب من حي الأعمال بسيدي معروف. كانت خطبة السيد الخطيب عما سماه “شاتم الرسول”، حماسية وتحريضية، وكان الخطيب بارعا في السب والشتم والقذف واللعن والتفسيق والتكفير وكل ما يخطر على البال وما لا يخطر عليه، في حق “راسم الكاريكاتير” وفي حق أمه وأبيه وفصيلته وقبيلته، ومدينته وبلده ودولته وكل ما يحيط به، بل ومذهبه ودينه وملته ولغته وثقافته، وتاريخه واجتماعه واقتصاده وسياسته… حتى أولئك الذين لم يشاركوا خطيبنا من المسلمين في تكفيره وإهدار دمه، يلحقهم ما يلحقه.

انتهى خطيبنا بعد كل ذلك إلى أن الذي سب الرسول الأعظم قد كفر، سواء كان مسلما أو كافرا. وقد فهمت منه معنى أن يكفر المسلم، لكنني لم أفهم كفر الكافر.

ثم قال: “ومن شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أهدر عليه السلام دمه”، ثم رفع ريشته ليرسم لنا رسومه الكاريكاتيرية في حق الرسول، فقال:

” كانت امرأة خثعمية مشركة، تشتم الرسول صلى الله عليه وسلم، فأهدر عليه السلام دمها، وقال لأصحابه: من يتكفل بقتلها، فقال رجل خثعمي من قومها: أنا يا رسول الله، فأرسله، فجاءها مساء ووجدها ترضع أطفالا لها، فأدخل السيف من بطنها وأخرجه من ظهرها ورجع إليه عليه السلام وقد قام بما يجب عليه القيام به”.

اقرأ أيضا: الإسلام السياسي والانفصالية الإسلامية

وقدم لوحة ثانية قال فيها:

“كان شاعر من شعراء المشركين يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وله قينتان يعلمهما التغني بأشعاره، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال لهم: من يتكفل بقتله؟ فقال أحد الصحابة: أنا يا رسول الله، فأرسله، فهرب الشاعر إلى الكعبة وتمسك بأستارها حتى يحتمي من قاتله، فلم تحمه حرمة الكعبة ولا أستارها، وقتله متمسكا بأستارها”.

نحتاج إلى غير قليل من الصراحة والجرأة وعدم الخوف في الله من لوم اللائمين، للكشف عن هذه الأمراض المزمنة التي سكنت ثقافتنا، وعن هذا السرطان القاتل الذي يسري فيها، والذي يشوه وجهها، وينهك قواها ويقودها إلى قبرها، إن لم تسرع إلى اجتثاثه بأكثر العمليات قيصرية، قبل أن لا ينفع الدواء ولا العلاج

قال الخطيب وهو يكمل لوحته – التي يستحق عليها المحاكمة وهو المسلم في بلاد المسلمين -: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “مهدور دمه لا يتناطح فيها عنزان، وذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول من ذكر هذا القول حتى صار مثلا بسبب هذه الحادثة”.

ثم قال الخطيب لنا: “قال العلماء: والعنزان لا يتناطحان وإنما يتشامّان”، ولم يعلق على ذلك.

وحقيقة، فإنني لم أفهم لماذا جاء بقول العلماء في التعليق على قول ينسبه للنبي، وهم يناقضون ذلك القول.

اقرأ أيضا: لماذا نستطيع السخرية من الأديان لكننا لا نستطيع إنكار الهولوكوست؟

وأكملت جلوسي، وأنا أنصت لهذا الكذب الصريح في حق من قال فيه الله سبحانه وتعالى: “وإنك لعلى خلق عظيم”، يمنعني حديث “ومن لغا فلا جمعة له”، بينما الخطيب يرفث في الجمعة، وبقيت أتأمل هذه الرسوم الإسلامية الكاريكاتيرية المخزية، التي أعلم أن خطيبنا لم يختلقها من ذهنه، ولا حتى خطر على باله أنها تحمل تهما صريحة واضحة، وصورا مدينة لدين الله سبحانه، ولرسوله الرحيم، وأنه على أساسها رسمت تلك الرسوم المدانة التي من أجلها كانت الخطبة نفسها.

أكملت جلوسي وأنا أفكر في من رسم الكاريكاتير، وأفكر في مئات من هذه الرسوم التي توجد في تراثنا سواء في كتب الحديث أو التفسير أو غيرها مما يرجع إليه الخطباء والوعاظ والمعلمون والمربون والدارسون والباحثون والكتاب. إذا أراد المخالفون لنا في الدين أن يتعرفوا على ديننا، فإنهم يعرفونه من خلال هذه المصادر نفسها أو من خلال المتحدثين الرسميين أو الشعبيين عن الدين، وكلهم ينهل منها.

أظن أن الكاريكاتير المرسوم بالخارج إنما هو انعكاس للكاريكاتير الداخلي المرسوم في ثقافتنا ذاتها

مثل هذه الأخبار، من تأملها من خارج الدائرة بل وحتى من داخلها، إن أزال صفة القدسية عنها، لن يجدها إلا رسوما كاريكاتيرية مخزية، تقدم الرسول وصحابته ودينهم إلى العالمين، باعتبارهم عصابة من القتلة الغزاة المتعطشين إلى سفك الدماء، فيكفي أن يشير لهم قائدهم بذلك فينفذوه، دون مراعاة لحرمة مقدس ولا كعبة ولا امرأة ولا إنسان، همهم بطونهم وفروجهم وطاعة أسيادهم وغير ذلك مما يندى له الجبين.

نحتاج إلى غير قليل من الصراحة والجرأة وعدم الخوف في الله من لوم اللائمين، للكشف عن هذه الأمراض المزمنة التي سكنت ثقافتنا، وعن هذا السرطان القاتل الذي يسري فيها، والذي يشوه وجهها، وينهك قواها ويقودها إلى قبرها، إن لم نسرع إلى اجتثاثه بأكثر العمليات قيصرية، قبل أن لا ينفع الدواء ولا العلاج.

اقرأ أيضا: الحرية الفكرية: هكذا حرم اضطهادُ الفكرِ المسلمينَ من المضي قدما في طريق الحضارة

أظن أن الكاريكاتير المرسوم بالخارج إنما هو انعكاس للكاريكاتير الداخلي المرسوم في ثقافتنا ذاتها.

إذا أردنا تصحيح هذا الرسم الخارجي، فلن يكون ذلك إلا من الداخل؛ فهو بمثابة المرآة التي تعكس الحقائق الموجودة في الواقع، وأنت لا تستطيع أن تغير من صورة المرآة شيئا إن لم تغيره في واقع الحياة… لذلك، نتمنى أن تكون لنا أعين مبصرة قادرة على التمييز بين حقائق الأشياء وصورها المنعكسة في غيرها.

الذي رسم الكاريكاتير هو عصور من التخلف والجمود والتسلط واغتيال العقل، والجهل والأمية والغرور والتكبر، ومن كل الصفات التي منعت الإنسان من أن يكون إنسانا. والسبيل إلى تصحيح هذه الصورة يبدأ من إعادة النظر في ثقافتنا ومكوناتها، وإزالة التشوهات المزمنة منها، والتي لا زالت ترافقنا… إن المرآة لا تعكس إلا الأشياء الموجودة، فإن زالت فإنها تزول حتما وفورا من صورة المرآة.

أو لسنا نرسم رسوما كاريكاتيرية مخزية لهذا الدين في كل مرة وقف فيه خطيب جاهل على منبره، أو كاتب أحمق في مكتبه، أو زعيم مغرور في جماعته ومذهبه؟

لم يلبث السيد الخطيب حتى خرج بفتواه الداعية إلى إهدار دم أعداء الله، الذين آن الأوان لإعلان الحرب عليهم. وهنا أجدني أسأل السيد وزير الأوقاف والسيد مدير الشؤون الإسلامية عن هذا النوع من الأئمة الذين يحرضون على العنف والإرهاب، ويقدمون دين الله الذي جاء رحمة للعالمين بأنه إرهابي، وبأن رسوله مجرم يهدر دم الناس ويحرض أصحابه على الاغتيالات، للنساء والشعراء دون مراعاة حرمة كعبة ولا امرأة ترضع أطفالها، وهم بذلك يؤكدون الصورة النمطية المراد نشرها وتعميمها عن دين الله عند المعادين له، بينما تسعى وزارتهما جاهدة لتصحيح تلك الصورة وتقديم بديل عنها.

اقرأ أيضا: دولة “الإسلام”: من العدل والرحمة إلى الجور والاستبداد… حكم “السفاح المبيح”

تابعت – مُكرها – إنصاتي إلى الخطبة الثانية، فتحدث لنا فيها الخطيب عن صفة الرسول في التوراة، وذكر أن صفته فيها هي: “وأنه ليس فظا ولا صخابا في الأسواق”، وهو ما يؤكده قوله تعالى: “ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك”، وتحدث حينها عن أخلاق الرحمة والتسامح التي تميز بها الرسول، ثم أنهى خطبته برفع أكف الدعاء إلى الله أن “يرينا في أعدائه عجائب قدرته وأن يشتت شملهم وييتم أطفالهم ويرمل نساءهم، ويجعلهم وأموالهم غنيمة للمسلمين”.

ووجدتني حائرا بين أوصاف الرحمة الموجودة له في التوراة، حسب قول الخطيب، والأمر بالاغتيالات للذين شتموه… ونتيجة ذلك – طبعا – أن النبي المبشر به “رحيما”، هو غير النبي الذي يتحدث عنه الخطيب: سفاك الدماء.

والقضية الثانية هي الدعاء بالشر على الناس، ورفع الأكف لدمار الناس وإهلاكهم والتشفي بيتم الأطفال وترمل النساء والحصول على الغنائم والسبايا.

لست أدري أي دين هذا الذي نقدمه للعالمين، إذا كانت هذه صفته، بينما نجد رسولنا يقول عن قومه المشركين الذين قاموا بكل الشرور ضده: “رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”.

أولَسْنا نرسم رسوما كاريكاتيرية مخزية لهذا الدين في كل مرة وقف فيه خطيب جاهل على منبره، أو كاتب أحمق في مكتبه، أو زعيم مغرور في جماعته ومذهبه؟

هؤلاء هم الذين رسموا الكاريكاتير قديما وحديثا… فقدموهم للمحاكمة قبل أن تحاكموا غيرهم ممن كان لهم فضل إهدائنا عيوبنا.

اقرأ أيضا: علماء حاربهم الفقهاء… هؤلاء 6 من أهم علماء الإنسانية المسلمين الذين اتهموا بالزندقة والكفر (الجزء السادس والأخير)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *