×
×

الازدواجية الروحية bispiritualité أو الهوية الجنسية دفاعا عن الخصوصية الثقافية

مفهوم الازدواجية الروحية، جاء لمقاومة النزعات الاستعمارية، حيث يعتبره الباحثون إحدى قلاع الخصوصية التي لا يمكن نقلها إلى الثقافات الأخرى، إذ أنه يعكس رغبة السكان الأصليين في الابتعاد عن التصنيفات الجنسانية السائدة، فميولهم الجنسية ثانوية بالنسبة لهويتهم العرقية…
ما يحدد وجودهم فعلا هو العرق والوعي بالانتماء للهنود الحمر وليس تصنيفات أخرى.

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

“الازدواجية الروحية” أو bispiritualité (بالفرنسية) وtwo-spirit بالانجليزية، مفهوم غريب عن السياق الثقافي العربي، وغير متداول، سواء إعلاميا أو أكاديميا، إذ تكاد تنعدم أي مقالات أو دراسات تتناوله باللغة العربية.

في هذا المقال نسلط الضوء على مفهوم الازدواجية الروحية وعلاقتها بالمقاومة ضد الاستعمار الأوروبي لأمريكا.

يعتبر مفهوم الازدواجية الروحية من المفاهيم الحديثة، إذ تمت صياغته سنة 1990 في المؤتمر الثالث للمثليين والمثليات المنتمين للقبائل الأصلية بأمريكا في وينيبيغ بكندا. اقترح المفهوم من طرف الناشط ألبرت ماكليود لوصف وتحديد مجموعة من التصنيفات الجنسية عند السكان الأصليين لأمريكا الشمالية، خارج التصنيفات الجنسية التقليدية؛ إذ تشير الدراسات التاريخية إلى أن الهنود الحمر قبل الحملات الاستعمارية الأوروبية، شكلوا مفهوما خاصا عن الجنس أو النوع البشري، لم يقتصروا فيه على البعد الثنوي الرجل/المرأة فقط، بل كان لديهم ثلاثة أجناس أخرى بالإضافة إلى ذلك (الذكر/الأنثى، الأنثى/الذكر، المتحولون جنسيا).

في هذا السياق، كان الحديث عن المزدوج روحيا، باعتباره ذكرا وأنثى، وأن هذه الجوانب مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بداخلهما، يصعب فصل أحدها عن الأخر أو تمييزه، متحديا بذلك التصنيفات المعاصرة للحركات الجندرية (مثليات، مثليون، ثنائيو الميول الجنسية، والمتحولين جنسيا).

يعتبر مؤصلو هذا المفهوم أنه غالبًا ما يساء استخدامه كمرادف لمصطلح “LGBT الأصلي”، في حين أنه مفهوم ثقافي مرتبط بسكان أمريكا الأصليين، يرمز إلى المعنى الأصلي/الأصيل للأدوار والتقسيمات الثقافية للنوع التي تم الاعتراف بها وتأكيدها للمزدوجين روحيا من طرف الهنود الحمر. وبالتالي، فمفهوم الازدواجية الروحية غير قابل للتعويض ب “Native American LGBT” أو “Indian Gay”.

اقرأ أيضا: أكثر صور الإبادة الثقافية انتشارا ومطالب دولية بتجريمها 2\2

يحاول المدافعون عن هذا المفهوم والساعين إلى تأصيله وترسيخه كمفهوم ثقافي محلي، الاستناد على التعاطي المميز لقبائل الهنود الأمريكيين مع القضايا الجندرية، حيث إن الأفراد، على اختلاف تنويعاتهم الجنسية، كانوا يعيشون في وئام، ولم يكن هناك تمييز أو وصم. بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك…

لتجنب التأثير على الأطفال، أو تحديد هوياتهم الجنسية بشكل مسبق، كانوا يلبسونهم ملابس محايدة، حتى يتمكنوا أن يقرروا بأنفسهم الجنس الذي يريدون الانتماء إليه عندما يصلون سن البلوغ. ولم يكن الأمر يطرح أي إشكال عند الأمريكيين الأصليين، الذين لم تهمهم الحياة الجنسية للأفراد، بل كان يتم تحديد الأفراد حسب أدوارهم وفائدتهم داخل المجتمع.

ليس هذا فحسب، بل حظي المزدوجون روحيا في هذه المجتمعات باحترام كبير، إذ كان يمكنهم القيام بأنشطة ذكورية وأنثوية. وهو ما كان ينظر إليه من طرف المجتمع كإضافة قيمة، تمنحهم القدرة على فهم أفضل للعالم، إذ يمكنهم الرؤية من خلال عيون الرجل والمرأة في آن واحد. لهذا السبب، تم منحهم مناصب المسؤولية مثل الشامان، أو الأطباء، أو مستشاري الزواج.

وقد تمتع بعض المزدوجين روحا بشعبية كبيرة، وذكرتهم كتب التاريخ. كـ”كاكسوما نوبيكا Kaúxuma Núpika”، الملقب بـ “الرجل/المرأة”، الذي كان ينتمي إلى قبيلة كوتيناي التي عاشت في أوائل القرن التاسع عشر فيما يعرف الآن بكندا. وقد حكى المستكشفان البريطانيان ديفيد طومسون وجون فرانكلين، اللذان لعبا دورا مهما في رسم خرائط أمريكا الشمالية، في رواية لهما، (حكيا) عن لقائهما مع كاكسوما نوبيكا. كما وثق عدد من المبشرين والمستكشفين الأوروبيين بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، لقاءاتهم مع مزدوجين روحيا. المستكشف البريطاني ألكسندر هنري من شركة خليج هدسون أشار في مذكراته إلى لقائه بشخص ثنائي الروح واصفا إياه بأنه “مزيج فضولي بين الرجل والمرأة”. بينما أشار ديفيد طومسون من شركة North West Company إلى لقائه مع Kaúxuma Núpika، وهي امرأة غيرت جنسها لتتحول رجلا، واتخذت زوجة شابة”.

اقرأ أيضا: عمليات تغيير الجنس: حدث سنة 1972… أديب، عسكري، صحافي وأب لـ 5 أبناء، يغادر الدار البيضاء أنثى

رغم الحملات الاستعمارية الأوروبية، خلال عصر الاكتشافات الكبرى وما تبعها، ورغم سعي هذه القوى إلى أن تفرض على المجتمعات الأصلية بأمريكا رؤية ثنائية للنوع الجنسي مرتبطة بالمركزية الثقافية الأوروبية/المسيحية، إلا أن هذه المجتمعات ظلت تقاوم.

غير أنه، مع مطلع القرن التاسع عشر، أخذت هذه التقاليد تنحصر بسبب الغزو الثقافي الغربي، والتوصيمات السلبية التي مورست في حق المنتمين لميولات جنسية خارج المنظور الثنوي (رجل/امرأة)، وهو ما جعل عددا من الباحثين يعتبرون أن مفهوم الازدواجية الروحية، جاء لمقاومة النزعات الاستعمارية، معتبرينه إحدى قلاع الخصوصية التي لا يمكن نقلها إلى الثقافات الأخرى. إذ أنه يعكس رغبة السكان الأصليين في الابتعاد عن التصنيفات الجنسانية السائدة، فميولهم الجنسية ثانوية بالنسبة لهويتهم العرقية… ما يحدد وجودهم فعلا هو العرق والوعي بالانتماء للهنود الحمر وليس تصنيفات أخرى.

جدير بالذكر أنه، في السنوات الأخيرة، كانت تقاليد وهويات المزدوجين روحيا موضوعًا لبعض الأعمال الفنية كالفيلم الوثائقي First Stories – Two Spirited، الذي أنتج سنة 2007 من قبل المجلس الوطني للسينما في كندا، والذي يتعامل مع صعوبات حياة المزدوجين روحيا. أو فيلم فاير سونغ (2015)، للمخرج آدم جارنت جونز، والذي يتناول صعوبات المزدوجين روحيا، من خلال شاب يقع في بوثقة الاختيار بين البقاء في مجتمعه أو مواجهة العالم خارج محمية قبيلته الأصلية.

 

مراجع للاستئناس:

https://www.thecanadianencyclopedia.ca/fr/article/two-spirit

https://sciencepost.fr/homme-femme-etre-lun-lautre-chez-amerindiens-envisageaient-cinq-genres-differents/

https://ici.radio-canada.ca/nouvelle/1066392/bispirituel-autochtone-gai-two-spirit-sommet

https://urbania.ca/article/quest-ce-que-la-bispiritualite-et-comment-les-autochtones-lexpriment-elle

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *