×
×

صناعة التفاهة والتلاعب بالذوق العام

لقد كانت المعزوفة التي يؤدّيها “توسكانيني” (Arturo Toscanini) وتبثها أمواج الإذاعة والراديو في ما مضى لا تباع ولا تشترى، وإنّما كان يُستمع إليها فقط، وكان كل صوت من هذه السمفونية كما لو أنّه خالد؛ لكن بمجرّد إذاعتها في الراديو أصبح يرافقها بين الفينة والأخرى إعلان دعائي ما، ويعلن مسبقا أنها سوف تستمر بعد الإعلان

الحسين أخدوش: باحث في الفلسفة والفكر الإسلامي

يُعدّ المعطى الثقافي أهم مرتكز أساسي للذوق العام، فإذا كانت ثقافة شعب ما راقية مفعمة بالحياة والأصالة، انعكس ذلك أيضا على أذواق أهلها.

لكن، بمجرّد ما يكون هذا العنصر الثقافي مشبعا بالنفاق الاجتماعي ومتحلّلا جرّاء استفحال التفاهة بين أهله، حينها، يصبح هذا الذوق فاسدا منافقا ليس مع ذاته فقط، وإنّما أيضا مع موضوعه الجمالي. لعلّ أكثر المستمتعين بهذا المزاج الفاسد هم أولئك المتشوّشون في ذوقهم والمتشنّجون في حسهم: ألا ترى أن حُسْن مزاج المرء في مثل هذه الحالات يكمن في شدّة النفاق وكثرة المجاملات؟

قد تكون لعبة اقتصاد المعنى – كما وظّفها السوسيولجي عبد الكبير الخطيبي– بالالتفاف حول الحقيقة وتوظيف السمت الاجتماعي لتشويهها، هو ما يجعل هذه النوعية من الناس لا تستسيغ الحقيقة وتحب المجاملات التي تجعلهم يحسون بالراحة والرضا. فهل هذا ما انعكس سلبا على ذوقنا الجمالي ؟

فساد ذوقنا الجمالي

لئن كان هناك من مرض فتاك تصاب به ثقافة مجتمع ما، فسيكون هو مرض انحطاط الذوق العام، أو بالأحرى انعدام المزاج الرفيع. فقد انحط ذوقنا العام بفعل ما استهلكه دون فحص ما إذا كان صالحا أو غير صالح. وصلنا، بذلك، إلى حالة من التيه لم تعد تنفع معها الحميات الرشيقة لوصفات العودة إلى الأصالة.

تحوّل بعض الفنانين إلى أغنياء، والبعض الآخر ممّن لم ينل الشهرة الكافية إلى فقراء بحسب مقياس العرض والطلب الذي تحكّمت فيه آلة الصناعة الثقافية في أيامنا هذه

الشاهد على ما ذلك ما تعج به ساحاتنا وفضاءاتنا الثقافية من أنواع مختلفة من البهرجة والتفاهة الزائلة التي أفسدت الطباع الموروثة عن التراث الشعبي الأصيل، جرّاء تشوّش الأذواق وتشنّجها واستفحال طمع وجشع الكائن الاستهلاكي المائع.

من لحظة كان فيها ذوقنا يؤدي دوره الإيجابي في الخلق والإبداع، تحول هذا الأخير إلى ما يشبه حالة عقم تام، فأصبح يعرقل كلّ محاولة للانطلاق من جديد.

إنّ الذي انقلب إليه ذوقنا المغربي يستحق أن ينعت بالإخصاء الثقافي المعدل، وقد يكون أجدى لنا أن نرمي ببعض ممّا يعرض علينا في القمامة على أن نتسامح معه بدعوى اختلاف الاذواق.

اقرأ أيضا: العربي باطما… نغمة مهمومة مثل صيف…

انحطاط فنّنا التجاري

لسبب معروف، أصبحت عامة الناس لا تأبه بهذه المسألة، لأنّ اهتمامهم بجوانب الإثارة هو كلّ ما يستهوي ميولهم التي تم التلاعب بها دون علمهم. مثلا، كانت الموسيقى المغربية الشعبية في أصلها نوعا من الاستشفاء، وكانت بموجب ذلك تتمتع بنوع من القداسة الفطرية لدى المستمتعين بها، حتى أنّ المجالس في حضرتها كانت تتحوّل إلى ما يشبه محفلا تعبّديا وليس مجرد بهرجة ماجنة كما يحدث الآن.

لكن، وبفعل استحكام نزوع التسليع في النفوس جرّاء استجابة الغالبية منّا لبريق العولمة، أصبحت فنوننا الأصيلة سلعة مربحة تخدم الجيوب قبل القلوب، ورويدا رويدا بدأت تفقد قيمتها الحقيقية حتى أصبح الفنان تاجرا يلهث وراء المال مثله مثل لاعب الكرة والسمسار في البرصة.

التفاهة ليست مجرّد ظاهرة اجتماعية بسيطة، وإنّما هي حالة ثقافية مركبة تعكس مدى هيمنة التسليع التجاري وسطوة قيم السوق والمال

فَقَدَ الفنّ في عصرنا هذا أهم شيء يمكن أن يستخدمه للخلود، ألا وهو الإبداع! وتحوّل بعض الفنانين إلى أغنياء، والبعض الآخر ممّن لم ينل الشهرة الكافية إلى فقراء بحسب مقياس العرض والطلب الذي تحكّمت فيه آلة الصناعة الثقافية في أيامنا هذه.

هكذا، لم تعد الشهرة والنجومية غير نماذج استهلاكية تستخدمها الصناعة الاستهلاكية لخدمة الآلة الكبيرة للإنتاج والتسويق؛ بالتالي، فالحاجة إلى خلق النجومية هي فقط لخدمة قوى غير مرئية وفاعلة ومحدّدة لما ينبغي تذوقّه واستهلاكه.

أصبحت الشهرة في الفنّ تنتج وتستهلك كبضاعة إعلامية لأغراض تفوق في أبعادها تلك الصور المزيّفة التي ترسمها النجومية في مخيّلة العوام المستهلكين. بمقتضى ذلك، أصبح النجم، أو الشخص المشهور (وهو إمّا لاعب رياضي، أو ممثّل، أو فنان شعبي..) مجرّد كائن إعلامي اختير له موقع الظهور البارز، وأحيط بالتشهير الذي تشتغلّه الآلة التسويقية لترويج استهلاكي معيّن في إعلانات إشهارية دعائية هنا وهناك.

اقرأ أيضا: دفاعا عن الفن… لا دفاعا عن الفد

وبالنظر إلى التّمَاهِي الكلّي للجمهور مع الحاجات المُسْتَحْدَثَةِ، فقد منع هذا العمل الفني الاصطناعي الناس من التحرّر من مبدأ النافع، في الوقت الذي كان من المنتظر منه أن يخدم أصالة موضوعه الجمالي، كما هو الحال بالنسبة للعمل الفني الأصيل.

غير أنّه، لمّا استبدلت القيمة المستخدمة في تلقي الأمر الثقافي بالقيمة التبادلية ذات الأبعاد التجارية المحضة، تحوّلت قيمة العمل الفني والثقافي عامة إلى مجرّد سلعة تباع وتشترى. هكذا، فبدل البحث عن المتعة، أصبح الذوق العام يتوجه إلى متابعة التمظهرات الفنية المسلّية فقط؛ من ثمّ، فإنّه بدلا من البحث عن أن يصير الإنسان عارفا بالثقافة والفنّ، غدا يتجه نحو الاكتفاء بربح هالة مجدٍ ونشوة لهوٍ مؤقّت.

من لحظة كان فيها ذوقنا يؤدي دوره الإيجابي في الخلق والإبداع، تحول هذا الأخير إلى ما يشبه حالة عقم تام، فأصبح يعرقل كلّ محاولة للانطلاق من جديد

أمسى المستهلك بمقتضى هذا الواقع المزيّف حجّة في صناعة اللهو بالنسبة للمؤسّسات الدعائية التي لا يستطيع المواطن العادي اكتشاف قوة تأثيرها عليه، مادام خاضعا لضرورة اقتناء بضاعة فنّية معيّنة باعتبارها سلعة. أصبح كلّ شيء تقريبا تحت هذا المظهر الوحيد قابلا لأن يستخدم لأجل شيء آخر عداه حتى من دون تعيين غرض عقلاني معقول؛ بالتالي لا قيمة لأيّ شيء، إلاّ بوصفه سلعة وغرضا لا قيمة له في ذاته تقريبا.

إذن، فقيمة استخدام الفنّ إنّما تتحدّد فقط باعتباره موضوعة (Notion) أو تيمة (Thème) ذات قيمة تبادلية فقط، وهي الصفة الوحيدة التي يمكن أن يتمتع بها المستهلك للفنّ في مثل هذا الأفق.

يُظهر التحليل النقدي الذي يقيمه كلّ من «أدورنو» و«هوركهايمر» لصناعة الفنّ المعاصرة أنّ نزوع التبضيع والتسليع (Marchandisation) في الإنتاج الثقافي المعاصر قد رسّخ فعليا القيمة التبادلية للفنون المعاصرة أيّما ترسيخ، حتى صار الفنّ المعاصر مرتبطا بنسق الإنتاج الصناعي الذي غدا الحصول عليه يقع تحت طائلة العرض والطلب.

اقرأ أيضا: سناء العاجي: لماذا أحب الحاجة الحمداوية!

لقد تحوّل الفن، حسب ما لاحظه هذان الفيلسوفان، إلى سلعة قابلة للاستهلاك المبتذل، بحيث يحكمها هاجس الربح لا غير، وبذلك أصبح هذا الفنّ مثله مثل أيّة تجارة أخرى رائجة في الأسواق الجديدة.

لقد كانت المعزوفة التي يؤدّيها “توسكانيني” (Arturo Toscanini) وتبثها أمواج الإذاعة والراديو في ما مضى لا تباع ولا تشترى، وإنّما كان يُستمع إليها فقط، وكان كل صوت من هذه السمفونية كما لو أنّه خالد؛ لكن بمجرّد إذاعتها في الراديو أصبح يرافقها بين الفينة والأخرى إعلان دعائي ما، ويعلن مسبقا أنها سوف تستمر بعد الإعلان.

ما يجب الانتباه إليه هو أنّ المراوغة الدعائية كانت تحصل دائما بشكل غير مباشر من خلال تنامي رقم معاملات صانع السيارات، أو الصابون، الخ، الذين يموّلون هذه الاعلانات الإشهارية للدعاية والتجارية. فالتفاهة ليست مجرّد ظاهرة اجتماعية بسيطة، وإنّما هي حالة ثقافية مركبة تعكس مدى هيمنة التسليع التجاري وسطوة قيم السوق والمال.

تخدم التفاهة نزوع الهيمنة المحايث لها، لذلك بدأت الصناعة الثقافية والفنية تنحو منحى تكريس هذا الواقع لتزيف وعي الناس وتسلبهم إرادتهم. لقد شرح «أدورنو» كيف يتعذّر فهم جوهر الصناعات الثقافية الجديدة هذه دون اعتبارها الصيغة الحديثة لإرادة الهيمنة؛ فهي التجلّي الأوضح لخدمة العقل الأداتي (la raison instrumentale) للتقنية التي تسعى للسيطرة الثقافية على عوالمنا المعاصرة.

إنها هيمنة تتأسّس على آليات أيديولوجية محدّدة ومدروسة بعناية لتنميط الثقافة وقولبتها، بالتالي إنتاجها لأغراض السيطرة والإخضاع، عبر التلاعب بالعقول.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *