×
×

بالفيديو. هل نصدق النائبة التونسية عبير موسى؟

لست هنا بصدد الدفاع عن راشد الغنوشي، ولا عن حركة النهضة، كما أنني لست ضد عبير موسى. لكن ما أثارني مسارعة البعض، خاصة من بعض قوى اليسار، إلى الإحتفاء بالنائبة عبير موسى، فقط لأنها قامت بتلك المداخلة بذلك الشكل.
لابد هٰهنا من الإشارة إلى الحكمة القائلة بأن “ليس كل ما يلمع… ذهب”.

عجَّت منصَّات التواصل الإجتماعي، فجأةً، بتداول شريط فيديو للنائبة التونسية عن الحزب الدستوري الحر، عبير موسى، والذي تميَّز بمداخلة نارية ضد راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة التونسية، ومحاولة تقريع هذا الأخير بصورة تبدو للوهلة الأولى عدائية حسب الطريقة التي تناولت بها النائبة التونسية كلمتها في جو عام مشحون بالشد والجذب.

لم يكن السِّجال المحتدم الظاهر في شريط الفيديو، والدعوات المبثوثة هنا وهناك في قاعة البرلمان التونسي لسحب الثقة من رئيس البرلمان التونسي، وليدَ اللحظة؛ وإنما جاءت كرد فعل عقب سعي الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للتدخل في ليبيا عبر البوابة التونسية، الشيء الذي رفضه الرئيس التونسي، قيس سعيد. لكن، في المقابل، لم ترفضه حركة النهضة التابعة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، حيث قام راشد الغنوشي باعتباره رئيساً للحركة، بزيارة تركيا للقاء أردوغان في زيارة تبدو غامضة وغير معلن عن نية القيام بها مسبقاً.

لا يعدو التخوين في حقيقته سوى أن يكون الوجه الآخر للتكفير.

هذه الزيارة أدت إلى إشعال فتيل الغضب الشعبي، وأذكت جذوة الصراع داخل قبة البرلمان التونسي، الذي اتجه جزء من نوابه لسحب الثقة من راشد الغنوشي بوصفه رئيساً للبرلمان، متهمينه بإدخال تونس في الأزمة الليبية دون تكليف رسمي، ودعم لمخططات أردوغان للتدخل العسكري في ليبيا.

بصرف النظر عن مدى صحة ما قامت به النائبة عبير موسى، خلال الجلسة البرلمانية، لا يمكن سوى أن يلمس المتتبع(ة) للشأن التونسي التناقض الصارخ في “ديموقراطية المقاس” التي تحاول النائبة التونسية – عن قصد أو غير قصد- الترويج لها؛ حيث إنها بقدر ما تتهم حركة النهضة بكونها تقوم على أساس إقصائي، بقدر ما تتماهى – هي ذاتها- مع نفس التصور الإستئصالي عندما تحاول إقصاء باقي القوى السياسية المخالفة… ولا يخفى على كل متابع(ة) أن عبير موسى اصطفت إلى عهد قريب إلى جانب النظام التونسي الأسبق ضد جموع “ثورة الياسمين”.

لا أتصور أن هنالك “حرية مجزَّءة”، إذ أن الحرية بالضرورة تشمل كل المناحي (الفكرية، السياسية، الجسدية…). لكن أن تطالب النائبة التونسية بالحق في الحديث – وهذا حقُّها- مع المطالبة بإرجاع الوقت غير ما مرة لتتمكَّن من عرض ما تحمله من أفكار، ثم تمارس أسلوب “التهكم” أو “مقاطعة” ضيف أثناء حديثه بنفس السلوك الذي ترفضه، فهذا ضرب من الإزدواجية في الخطاب، وما خبر مقاطعة كلمة البرلمانية ليلى حداد عند الحديث عن ملف شهداء الثورة بطريقة بلطجية عن المتتبع(ة) ببعيد.

أضف(ي) إلى ذلك أنه، في الوقت الذي طالبت عبير موسى بمحاكمة راشد الغنوشي، نسيت أو تناست أنها انضمت إلى الحركة الدستورية بعد تفكك حزب التجمع الدستوري الديموقراطي عام 2011، الأمر الذي عارضته كمحامية، إثر سقوط نظام الرئيس زين العابدين بنعلي، والذي كانت من الموالين له؛ ثم للحركة الدستورية(*) تحت قيادة رئيس الوزراء الأسبق، حامد القروي، أحد أساطين نظام بنعلي، والذي تولى منصب الوزير الأول لمدة عشر سنوات، ناهيك عن اتهامه عقب الثورة التونسية رفقة عشرة من مسؤولي حزب التجمع الدستوري في قضايا بتهم اختلاس المال العام وسوء استخدام السلطة.

كما لا يمكن بأي حال من الأحوال غض الطرف عن دعوة المنظمة غير الحكومية للدفاع عن المثليين من أجل المساواة في الميول الجنسية إلى فرض حظر في منطقة شنغن على عبير موسى إثر خطابها المعادي للمثليين، والذي طالبت فيه بالسجن للمثليين.

لست هنا بصدد الدفاع عن راشد الغنوشي، ولا عن حركة النهضة، كما أنني لست ضد عبير موسى. لكن ما أثارني مسارعة البعض، خاصة من بعض قوى اليسار، إلى الإحتفاء بالنائبة عبير موسى، فقط لأنها قامت بتلك المداخلة بذلك الشكل. لابد هٰهنا من الإشارة إلى الحكمة القائلة بأن “ليس كل ما يلمع… ذهب”.

ربَّما هزت أركان البرلمان بصوتها المرتفع – زيادة عن الحد- بغية إقناع الجموع بما تريد إيصاله من رسائل. لكن هذا لا ينفي حقيقة المتدخلة، والتي تحاول السطو – إن صح التعبير- على “الإرث البورقيبي”، بل ذهبت في إحدى الحوارات التلفزية إلى محاولة تقزيم سياسية الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، لا لشيء سوى لكونه قام بمجالسة كل القوى الوطنية والسياسية في تونس بما فيهم حركة النهضة، وفتح قنوات حوار مع الكل إبان الإجتماع التشاوري حول مبادرة حكومة الوحدة الوطنية تحت إشرافه؛ محاولةً إظهار النزعة الإستئصالية ضد باقي الفرقاء عن طريق تخوين كل من يضع يده في يد حركة النهضة أو أحزاب بعينها… بينما لا يعدو التخوين في حقيقته سوى أن يكون الوجه الآخر للتكفير.

في الأخير، لا يمكن، مع وجود الفارق، المقارنة بين عبير موسى كزعيمة حزب تتبنى خطابا مشحونا بنبرة العداء لكسب أصوات الكتلة الناخبة، وبين شكري بلعيد المثقف الهادئ الذي يتبنى خطاباً مغايراً تماماً يقوم على مقارعة الحجة بالحجة، وينم عن شخصية متشبعة بالفكر اليساري-الماركسي، والذي ساهم في تأسيس الجبهة الشعبية لاستكمال تحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي، والإنتقال الديموقراطي.

للإشارة فقط، فقد آخذ شكري بلعيد نفسُه على عبير موسى وحامد القروي تأسيس أحزاب جديدة خارجة من تحت جبَّة حزب التجمع الدستوري، بوصف هٰؤلاء فلول نظام بنعلي؛ كما عبَّر عن امتعاضه من محاولة كل منهما إعطاء دروس في الديموقراطية للتوانسة على حد تعبيره.

_______________________

(*) تمت تسميته لاحقا باسم الحزب الدستوري الحر.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *