إكرام عبدي: سبعون عاما من التعاطف العربي مع فلسطين… ماذا بعد؟ - Marayana - مرايانا
×
×

إكرام عبدي: سبعون عاما من التعاطف العربي مع فلسطين… ماذا بعد؟

هل يجب أن نستمر في الإمساك بتلابيب العواطف الجياشة والمواقف الإديولوجية في تقييم علاقتنا مع القضية الفلسطينية؟
هل سنظل ننسج كلمات رنانة تدغدغ عواطفنا دون أن نكلف أنفسنا عناء البحث والمقارنة بين أقوالنا وأفعالنا؟

في طفولتنا، علمتنا القضية الفلسطينية أن اليهودي “مرعب” أكثر من الظلام، وأن مقالع الحجارة شهب سحرية بإمكانها أن تعيد الوطن إلى أبنائه، وأن كوفية الفلسطيني إكليل ورد نزهو به أينما حللنا. كبرنا مع القضية وتربينا عليها، وقدسناها في البيت والشارع والمدرسة. حفظنا أناشيد الثورة، بكينا مع صبرا وشاتيلا…، ومع محمد الذرة …. أولى خربشاتي الأدبية كانت عن فلسطين ولأجل فلسطين.

أكتب عن الجريجة التي تستغيث فلا تُغاث، والأقصى الذي يصرخ العون فما من سامع، والقدس التي تتوق للنجدة فلا مُلبي، والفلسطيني الصامد الصابر المعاند الثابت. أختنق في خزان صهريج الشاحنة  مع ”رجال تحت الشمسلغسان الكنفاني، وكنت خلفه في “عائد إلى حيفا”، حين دخل تلك السيارة، وانفجرت تلك العبوة الناسفة، وتناثرت أشلاؤه فينا. كان فيلما مرعبا لنا نحن الأطفال نحلم فيه بنهاية سعيدة وعودة القدس المباركة. كانت كل روح فلسطينية شهيدة، عطرا نديا وفيض رياحين تفوح في شوارعنا وبيوتنا المغربية. لم تكن القضية الفلسطينية مجرد قضية قومية، بل قضية وطنية، ولم تكن اسرائيل مجرد استعمار استيطاني، بل رأس حربة لتفتيت مجتمعاتنا العربية والسطو على مواردنا.

كانت فلسطين تستغيث، ونحن نندد ونشجب ونستنكر ونصرخ على المنابر ونحرق الأعلام ونرسل أموالا، عوض أن تذهب لإعمار فلسطين وإحياء شعبها، تتسلل إلى جيوب تجار القضية وداعمي الانقسام الفلسطيني وتجارتهم وعقاراتهم خارج فلسطين.

سبعون سنة مرت، وصواريخ الشجب والتنديد لم ينتج عنه سوى تآكل الأراضي الفلسطينية وانقسام السلطات فيها. سبعون سنة من الصراخ جعلت الصراع يبلغ من العمر عتيا، لا فلسطين تحررت من النهر إلى البحر ولا هم خاضوا حربا و لا قبلوا سلاما ولا فعلوا شيئا، سوى تعميق جراح الشعب الفلسطيني وتهديد ما تبقى من أرضه والمقامرة بما تبقى من قضيته.

ظللنا نحمل هذا الوجع بين أيدينا كلغز مؤلم غير قابل للحل، ونمضي في طاحونة القضية كحمار يدور لتدور طاحونة حجرية تعصر الزيتون، أو لتدور “ناعورة” خشبية تغرف الماء وتفرغه في ساقية معلقة توصل الماء إلى الحقول.. كل ذلك يتم بدوران مكرور معتاد متشابه للمواطن العربي المنصاع لميزان عدالة قضيته القدرية العمياء، وإذا توقف يقف كل شيء؛ وقد يلجؤون إلى حيلة تجعل الحمار يدور حتى ولو لم يبق زيتون في الطاحونة أو ماء في البئر، يكفي أن يضعوا عصابة على عينيه حتى لا يرى ما يدور حوله، ويتوهم بأنه يسير إلى ما لا نهاية إلى الأمام ولا يدور حول نفسه، ويأمرونه بالحركة مع ضربات متتالية، ثم يعقبها صمت، وضربات أخرى… هكذا، يبقى المواطن يدور حتى ولو بقي وحده، لا يتردد في مواصلة تكرار العملية بعقلية الغباء والغياب الكليين في دائرة اللهاث العبثية، يظل يصرخ  في حالة من الاحباط واللاجدوى لنصرة قضية جوهرها الغموض؛ لا تتطور ولا تتحسن ولم تكن أبدا قضية العرب الأولى، إلا على الورق، في اجتماعات الغرف المغلقة، وفي الخطب النارية.

لقد مر على الاحتلال الصهيوني لفلسطين 70 عاما، وسبقتها نفس المدة في التحضير للاحتلال ليجعلاها 150 عاما من التاريخ الاستعماري الصهيوني. لم توجد دولة استعمارية في التاريخ شنت حروبا بهذه القسوة والفظاعة والبشاعة، بما هي حرب ضد الإنسانية ربما تضاهي في بشاعتها الحروب التي شنتها روسيا ضد الشيشان وداغستان والتحالف السعودي ضد اليمن والعنف ضد التيبت من طرف الصين.

لكن الحياة علمتنا أن الأفكار والحركات والاتفاقيات تقيم بنتائجها على الأرض وانعكاساتها على الواقع. وفلسطين، بعد تاريخ من الكفاح المسلح والانتفاضات والأخذ بالقوة ما أُخِد بالقوة، مروراً بمرحلة التشبث بعربة السلام حتى بعد أن انتزع الاحتلال محركها تحت مرأى ومسمع الجميع، وصولاً إلى ما وصلنا اليه اليوم الذي يغني فيه الحال عن القول، وبعد  مساعدات مالية تفوق 40 مليار دولار منذ 1999 إلى اليوم… نصل اليوم، كشعوب عربية، إلى حد الاحباط حين وصل الوضع بالشعب الفلسطيني حد اليأس من أية نتائج مرجوة تخص القضية الفلسطينية، وصارت الهزيمة نتيجة حتمية لتاريخ من الشعارات الجوفاء والخطب الرنانة والرؤى المؤدلجة، والمتاجرة بها والتشدق بها من الإسلاميين والقوميين واليساريين والليبراليين والحكام العرب؛ ليس بهدف مداواة جراحها بقدر ما هو استغلال لورقتها في لعبة السياسة والحكم/  والنتيجة؟ ضياع الشبر تلو الشبر والمتر تلو المتر والقطاع تلو القطاع…

أما إسرائيل المزعومة أو الدولة الحلم، فهي واقع الآن مفروض بمنطق القوة العسكرية والاقتصادية، تم التطبيع العربي معها علانية بعدما كان الأمر سرا، في حين أن قيادات فلسطين “المناضلة” تعالَج في مستشفياتها وتموت على أسرّة مستشفياتها، فضلاً عن مئات الآلاف من الفلسطينية في الضفة الذين هم يد عاملة في مصانع الصهاينة ومزارعها.

هل يجب أن نستمر في الإمساك بتلابيب العواطف الجياشة والمواقف الإديولوجية في تقييم علاقتنا مع القضية الفلسطينية؟ هل سنظل ننسج كلمات رنانة تدغدغ عواطفنا دون أن نكلف أنفسنا عناء البحث والمقارنة بين أقوالنا وأفعالنا؟

أكيد أن التعاطف الوجداني للشعوب مع القضية أساسي من باب الإنسانية. لكنه لا يرقى أبدا لمستوى الفعل. نخطئ إن اعتقدنا أن الدول والحكومات حديثاً أم قديماً تحكمها المبادئ والمثل والقيم، أو أنها تنسج خيوط علاقاتها بالعاطفة، فالمصالح والتقلبات الجيوستراتيجية هما المعياران الدقيقان المحددان للعلاقة بينها.

ربما انخفض منسوب الرومانسية القومية إلا فيما ندر، وربما صارت أخبار فلسطين في ذيل نشرات الأخبار لتمر علينا مرور الكرام، ذلك أن الشعوب العربية، بعد الربيع العربي، تعيش وضعا عربيا مثقلا  بالأعباء والأمراض والإشكاليات والتعقيدات السياسية والاقتصادية والأمنية، بشكل يفرض عليها الانتباه أكثر لمشاكلها الداخلية واللهث خلف لقمة العيش. يستدعي الأمر، هذه المرة، تضامنا فلسطينيا مع قضايانا النازفة الموازية، السورية واليمينية والليبية… ذلك أننا لم نعد أمام دم فلسطيني واحد، ولا أمام قضية واحدة تحتكر النضال والتضامن العربيين، بل أمام شعوب أرهقها الخذلان وسحب منها أنفاسها الأخيرة، منهمكة في ترتيب بيتها الداخلي وتغيير وضعها المحلي. ربما تراجعت القضية نسبيا في قلوب العرب بعد إعلان ربيعهم، لكن هذا لا يمنع أن القضية الفلسطينية ستظل  قضية إنسانية تستحق تعاطف أحرار العالم معها.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *