×
×

محمد عبد الوهاب رفيقي: مفهوم الهوية المتعددة بين إكراهات التاريخ وآفاق المستقبل

قراءتنا للدين والإسلام وتأويلنا لنصوصه، يجب أن يكون في اتجاه واحد فقط، وهو دعم حق الوجود لكل الطوائف والأفراد.
على الرغم من بديهية هذا الأمر كحقيقة تاريخية ماثلة، فإن الكثيرين اليوم من أنصار التيارات المتطرفة أصبحوا يشككون في هذا المعطى، مستدلين في الغالب بنصوص وأحداث واجتهادات تنتمي في أغلبها لسياقات تاريخية خاصة، الأمر الذي يستدعي تسليط الضوء على هذه القضايا المتصلة بموضوع الهوية، ومناقشتها نقاشا حقيقيا، يستحضر مقاصد الدين العامة، ويراعي مستجدات العصر وشروطه الموضوعية.

يعتبر مفهوم “الهويات المتعددة” من المفاهيم التي يحق لها أن توصف بالثورية، حيث تؤسس لنموذج مجتمعي منسجم مع مرحلته التاريخية، ويعرف تقدما حقيقيا على صعيد النظم الإنسانية والقيم المشتركة؛ وهو ما لا يعارضه الإسلام ولا يقف حاجزا لتحقيقه بأي حال من الأحوال. هذا الأمر يزيح عنا كثيرا من العناء في محاولة الإقناع بهذا النموذج والاشتغال عليه.

يتأسس مفهوم الهويات المتعددة على قاعدة فكرية صلبة، تعتبر أن الحق في الوجود مكفول لكل الأقليات والطوائف والكيانات، بقوة الأصل الطبيعي، ثم بقوة النص الديني الدال حسب الاستقراء على أن الحق في الوجود أساسي لكل الناس؛ وهو اعتراف واضح بالحق في الاختلاف، كما دل عليه مفهوم النصوص القرآنية : (لكم دينكم ولي دين) ؛ (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)؛ ودلت عليه السيرة النبوية حين اعترف النبي باليهود كمكون أساسي ضمن المجتمع المدني الناشئ، وإلحاقه لمجوس هجر بالبحرين بأهل الكتاب في الأحكام، وغيرها من الأمور الجزئية التي كانت تصب في معنى الإقرار بحق الاختلاف والاحتفاظ بهوية متميزة.

لا يصح هنا الاستدلال بالكم الهائل من النصوص القرآنية والحديثية الواردة في قتال الكفار والمشركين، وإيرادها على سبيل النفي القاطع لأية إمكانية للتعايش ضمن الإطار الإسلامي التراثي. لقد ناصر الدعوة الإسلامية عدد من رجالات قريش الذين احتفظوا بمعتقداتهم ولم يدخلوا الدين الجديد، واحتفظ لهم النبي بود بالغ. بل إن قبيلة خزاعة بقدها وقديدها كانت حليفا استراتيجيا للمسلمين، مع احتفاظها بعقيدتها الشركية، «وكانوا – أي خزاعة – عيبة نصح رسول الله من أهل تهامة»، كما في صحيح البخاري، بل إن النبي عليه السلام اعتبر اعتداء قريش على خزاعة نقضا لمعاهدة الحديبية، وكان ذلك مبررا كافيا لتوجيه الجيش إلى مكة. كما لا يخفى أن الدعوة الإسلامية انطلقت سلمية وسمي أتباعها بـ الحنيفيين، وأحيانا بالصابئة من أجل العقائد الروحانية والتوحيدية التي كانت متشابهة في بعض الخطوط الكبرى.

إن مس الدعوة الإسلامية المبكرة ببعض مصالح أصحاب النفوذ في قريش، كالدعوة إلى تحرير العبيد، والتخلي عن التوجه إلى آلهة مكة، ونبذ العصبية القبلية، والتأكيد على تجريم الظلم، والرفع من منزلة المرأة، جعل مراكز النفوذ القرشية تتخذ حزما من الإجراءات العدائية تجاه الدعوة الجديدة، وهو الأمر الذي ستنبني عليه كل التداعيات اللاحقة من حروب وتشريعات ومواقف، ولا يمكن التعامل مع نصوص القتال والحرب إلا في هذا السياق وتبعا لهذه المؤثرات.

كما عرف التاريخ الإسلامي في كثير من فتراته قدرا من التسامح مع الهويات المنضوية تحت الهوية الإسلامية. ليس خافيا ذلك التسامح الكبير الذي أبدته الدولة الأموية تجاه أبناء الطوائف المسيحية واليهودية، حيث عهد معاوية الإدارة المالية إلى أسرة سرجون المسيحية وظلت تتوارثها من بعده، وكان اليهودي ماسرجويه طبيبا في بلاط الخليفة مروان بن الحكم، وعندما هدمت الزلازل جانبا من بيعة الرها الكبرى، أمر معاوية بترميمها وإعادتها إلى سابق عهدها، وأمر عمر بن عبد العزيز عماله بألا يهدموا كنيسة أو بيعة أو بيت نار صولحوا عليه؛ وكانت لقبيلة تغلب النصرانية حظوة عند الأمويين، بل كان الأخطل شاعر القبيلة مقربا من عبد الملك بن مروان.

يحكي أبو الفرج الأصفهاني أن الأخطل كان  يدخل على عبد الملك والصليب في رقبته ورائحة الخمر تفوح منه، ومثل ذلك زمن العباسيين، فكان يوحنا بن ماسويه المسيحي معتمداً للإشراف على المدارس وعلى صحة الخلفاء، وعينه المأمون رئيساً لبيت الحكمة، وهو أعلى مجلس وطني للثقافة في ذلك العصر. بل إن الزمن العباسي عرف تسامحا لا تعرفه المجتمعات الإسلامية اليوم، فـ ابن الراوندي كان لا يجد حرجا في الجهر بأفكاره الإلحادية، والمعري ينظم أشعاره المشككة في الدين بكل حرية، وابن المقفع يثير أسئلته الصادمة، وابن زكريا الرازي يبث مذاهبه الدهرية والمثنوية، وأبو حيان التوحيدي يعلن عن مذهبه في التعطيل، وغيرهم من الفلاسفة والشعراء والأدباء الذين تبنوا أفكارا صادمة للمجتمع؛ ومع ذلك كله، استوعبتهم الدولة وأجهزتها، بل استوعبهم المجتمع وسمح لهم ببث أفكارهم.

صحيح أن بعض هؤلاء قتل بعد ذلك لأسباب سياسية وليست فكرية وإن ادعي ذلك وزعم، وصحيح أن الأمر لم يكن مستمرا وكانت له فترات متقطعة واستثنائية، وأنه لم يكن تصورا سياسيا واضحا منطلقا من تعاقد اجتماعي يضمن الحقوق؛ لكنه لم يكن منعدما ولا سوداويا، بل كان في بعض أجزائه أفضل بكثير مما تعيشه مجتمعاتنا الإسلامية اليوم.

في المغرب المعاصر، يسود نقاش حقيقي حول الهوية الجامعة، وإفساح المجال للهويات المتعددة ؛ خاصة بعد أحداث ما عرف بـ “الربيع العربي”، وإقرار دستور جديد للمملكة يكرس المزيد من الحريات، والمزيد من التقاليد الديموقراطية في دولة تحاول أن تتلمس معالم طريق معبد نحو النادي الديمقراطي الكبير.

الحديث عن الأمازيغية اليوم كمكون أساسي في المجتمع مكسب لا يمكن التراجع عنه، لكن الحديث اليوم  يجب أن يكون بكل جرأة عن الأقليات الجنسية، وبعض الطوائف التي بدأت تتكون ببطء في المغرب مع الانفتاح الذي يسلكه على العالم الخارجي كالشيعة والمسيحيين والبهائيين والأحمديين وغيرهم.

قراءتنا للدين والإسلام وتأويلنا لنصوصه، يجب أن يكون في اتجاه واحد فقط، وهو دعم حق الوجود لكل الطوائف والأفراد. على الرغم من بديهية هذا الأمر كحقيقة تاريخية ماثلة، فإن الكثيرين اليوم من أنصار التيارات المتطرفة أصبحوا يشككون في هذا المعطى، مستدلين في الغالب بنصوص وأحداث واجتهادات تنتمي في أغلبها لسياقات تاريخية خاصة، الأمر الذي يستدعي تسليط الضوء على هذه القضايا المتصلة بموضوع الهوية، ومناقشتها نقاشا حقيقيا، يستحضر مقاصد الدين العامة، ويراعي مستجدات العصر وشروطه الموضوعية.

مواضيع قد تهمك

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *