انتخابات السيرك
يأخذ معنى انتخابات السيرك ثقله من الطابع المؤقت للمشهد، يتجاوز رداءة الذوق، فالقرب الذي تصنعه الحملة سرعان ما يتراجع بعدها، فيما تبقى الوعود مفتوحة على التأجيل أو التعثر. ومع ذلك تستمر هذه الطقوس لأنها تعيد تنشيط علاقات سياسية ومحلية ظلت كامنة بين اقتراعين.

الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية، أعادت إلى الواجهة طقسا يستعيد ملامحه كل خمس سنوات، ترتفع فيه فجأة كثافة الحضور الحزبي في الشارع وتدخل إلى المنصات أشكال من الأداء تستعير من الفلكلور أكثر مما تحتاجه المنافسة على البرامج. بعض هذه المشاهد غادر سياقه الانتخابي وصار مادة للتداول والسخرية، فيما يكشف تكرارها داخل مجتمع تغيرت وسائطه وانتظارات فئات واسعة منه أن هذه الصيغة ما تزال تحتفظ بقدرتها على التعبئة، رغم هشاشة الثقة في العمل الحزبي واتساع المسافة بين فئات من المغاربة والحياة السياسية.
يصعب رد استمرار هذه الصيغة إلى “تقليدية” الناخب من دون الوقوع في نظرة متعالية إليه، فالمسألة تتصل ببنية وساطة ترسخت طويلا، تتحرك داخلها شبكات الولاء والمصلحة السياسية كلما مر الفعل العام عبر منفعة محلية أو علاقة مباشرة. ولا يدخل المرشح إلى المنافسة ببرنامجه وحده، وإنما بما راكمه من حضور اجتماعي يمكن أن يتحول إلى رصيد انتخابي. ففي الحواضر الكبرى تتراجع بعض آليات القرب التي تحتفظ بفاعلية أكبر في مناطق قروية تظل فيها المعرفة المباشرة والروابط المحلية حاضرة في تشكيل الاختيار. وتكشف هذه الخصوصية المغربية أن تحولات المجتمع أعادت توزيع صيغ الوساطة المتوارثة داخل واقع سياسي يجمع وسائل حديثة للتواصل بعلاقات محلية ما تزال قادرة على التأثير في السلوك الانتخابي.
امتدت أشكال هذه الوساطة إلى الفضاء الرقمي أيضا، فاتسع معها مجال الحملة، واكتسبت الصورة السياسية قدرة على الانتشار خارج حدود التجمع ومدة الحملة الرسمية. ومع اتساع هذا الحضور، دخل الإنفاق الرقمي ضمن ما يسعى القانون إلى ضبطه، إذ رفع المرسوم الصادر في أبريل/نيسان 2026 سقف مصاريف الحملة إلى 600 ألف درهم لكل مترشح لمجلس النواب، وحدد للإنفاق عبر الوسائل الرقمية سقفا يبلغ ثلث مصاريف حملته. هذا التعديل يكشف عن حملة لم يعد زمنها الفعلي مطابقا تماما لزمنها القانوني، وعن صورة سياسية يمكن بناؤها قبل أن تبدأ المنافسة رسميا..
لهذا لا تكفي السخرية من الرقص أو استدعاء الفلكلور لفهم ما يحدث. السياسة الموسمية تضغط زمنا طويلا من الغياب داخل أيام قليلة من الحضور، فيكتسب الجسد فوق المنصة وظيفة قريبة من وظيفة الشعار، ويصبح الحشد علامة تستعمل لإنتاج صورة القوة والقرب. يأخذ معنى انتخابات السيرك ثقله من هذا الطابع المؤقت للمشهد يتجاوز رداءة الذوق ، فالقرب الذي تصنعه الحملة سرعان ما يتراجع بعدها، فيما تبقى الوعود مفتوحة على التأجيل أو التعثر. ومع ذلك تستمر هذه الطقوس لأنها تعيد تنشيط علاقات سياسية ومحلية ظلت كامنة بين اقتراعين.
حتى المنشور الانتخابي يحمل شيئا من هذه المفارقة، إذ تتحول أوراق الدعاية التي توزعها بعض الحملات إلى مخلفات في الشوارع بعد انتهاء الجولات والتجمعات، تاركة لعمال النظافة مهمة إزالة أثر نشاط سياسي يرفع في خطابه مسؤولية تدبير الشأن العام. فإذا كانت الحملة نفسها تعجز عن مراعاة الفضاء الذي تطلب من المواطن أن يثق بقدرتها على تدبيره، يصبح الوعد بالمصلحة العامة محاطا بتناقض يبدأ من أبسط ما كان يفترض أن يبرهن عليه.
ويضيف التراشق بين الأحزاب مستوى آخر إلى العرض. خلال هذه الحملة وصلت السجالات بين مكونات من الأغلبية الحكومية إلى اتهامات بالفساد والسرقة، حتى صدرت دعوات حزبية إلى إحالة ما قيل على النيابة العامة للتحقق منه، فيما زاد انتقال منتخبين وفاعلين بين المواقع الحزبية من التباس المشهد. موقع الفاعل نفسه يمكن أن يتغير بين دورة وأخرى، فيعيد من موقعه الجديد توصيف ممارسات كان قريبا منها من الداخل. أما تشكيل الأغلبية بعد إعلان النتائج فله منطق تفاوضي مختلف عن منطق الحملة، وتجارب الحكومات الائتلافية في المغرب تظهر أن الخصومة الانتخابية الموسمية لا تعني بالضرورة قطيعة سياسية دائمة. هكذا يمكن أن يسدل ستار الحملة بينما يظل صدى الاتهامات عالقا في المشهد، ويحتفظ ما يجري في الكواليس بمنطق آخر غير ذلك الذي حكم المنصة.
هذه الموسمية نفسها تظهر في علاقة المغاربة بالأحزاب، التي لا ترسمها المؤشرات في خط ثابت من القرب أو الابتعاد. فمعطيات أفروباروميتر تظهر أن نسبة من قالوا إنهم يشعرون بالقرب من حزب سياسي ارتفعت من 20% سنة 2013 إلى 38% سنة 2015، ثم انخفضت إلى 12% في 2018 وبلغت 24% في معطيات الجولة التاسعة لسنة 2022. هذا التذبذب يكشف صلة حزبية تنتعش في لحظات معينة ثم تنكمش بعدها، فيما تبدو التعبئة أسرع في استعادة حرارتها من قدرة العلاقة السياسية نفسها على الاستقرار.
ويصبح هذا الاختلال أكثر وضوحا لدى الفئات الأصغر سنا. فالمعطيات الرسمية للوائح المحصورة في يوليوز/تموز 2026 تضع الشباب بين 18 و24 سنة عند 4% فقط من مجموع المسجلين. ولا يكفي هذا الرقم وحده لرد المسافة إلى العزوف، خاصة أن جزءا من الشباب يعبر عن اهتمامه بالشأن العام خارج القنوات الحزبية التقليدية. المسألة تمس شكل الوساطة نفسها، إذ تواجه الأحزاب جيلا لا تبدو له السياسة محصورة في موعد انتخابي، فيما تستعيد البرامج والحملات كثافتها أساسا مع اقتراب الاستحقاق.
ويمتد هذا التفاوت بين كثافة الموسم وما يستقر بعده إلى الوعود نفسها، التي تدخل خارج زمن الحملة في مسار أبطأ، يخف فيها وزن الالتزام الأول تحت ضغط الإكراهات وتبدل الأولويات، إلى أن يصبح بعض ما تعثر قابلا للعودة في برنامج لاحق بعد إعادة صياغته داخل أولويات جديدة. فتكتسب خيمة السيرك الانتخابي دلالتها الأثقل، لأنها تنصب فوق فراغ لم يعالج أصلا، ثم تطوى تاركة شروط عودتها في مكانها.
وبين موسم انتخابي وآخر، لا تبدو المسألة في قدرة الحملات على استعادة المشهد، فقد أثبتت ذلك طويلا، وإنما في ما يتركه هذا التكرار خارج الخيمة نفسها. فإذا ظل الواقع الاجتماعي والسياسي ينتج المسافة ذاتها مع الأحزاب، وظلت الوعود تعود بعدما تغيرت صيغها أكثر مما تغيرت شروط الحياة التي خرجت من أجلها، فماذا يكون قد تغير فعلا في السياسة المغربية خلال السنوات الخمس الفاصلة بين استحقاق وآخر؟



