أول رئيسة للحكومة في المغرب: عن حقوق النساء والمساواة الفعلية - Marayana
×
×

أول رئيسة للحكومة في المغرب: عن حقوق النساء والمساواة الفعلية

تعيين أول رئيسة للحكومة لا يسمح وحده بالحكم على وضع النساء في المغرب، كما أن استمرار الفوارق الاجتماعية لا يلغي دلالته السياسية.
عند هذا المستوى، يصبح تعيين أول رئيسة حكومة سؤالا في طبيعة المساواة نفسها: هل يكفي أن يتسع حضور النساء داخل مؤسسات الدولة، إذا بقيت شروط الانتفاع بالحقوق متفاوتة خارجها؟

نور الهدى سعودي
نور الهدى سعودي

تولت فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة في 29 شتنبر 2026، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية، في مسار ينسجم مع الفصل 47 من الدستور الذي يجعل الحزب المتصدر منطلقا لتعيين رئيس الحكومة.

وبوصفها المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للحزب، لم يأت وصولها إلى المنصب باعتباره استثناء تبرره سابقة نسائية، وإنما من داخل منطق سياسي ودستوري أنتج، للمرة الأولى، امرأة على رأس الجهاز الحكومي.

تتجاوز دلالة الحدث حدود التمثيل السياسي، لأنها تفتح نقاشا أوسع من هوية من يشغل المنصب: ماذا يعني أن يتقدم حضور النساء في قمة السلطة، فيما تظل فرص التعليم والعمل والولوج إلى العدالة متفاوتة باختلاف أوضاعهن الاجتماعية والمجالية؟ فالتقدم داخل مؤسسات القرار لا يوازيه بالضرورة تقدم مماثل في شروط ممارسة الحقوق، وهو ما يعيد السؤال إلى مدى اتساع قدرة النساء فعليا، باختلاف مواقعهن، على الانتفاع بالحقوق التي يقرها القانون.

الدستور المغربي يقر المساواة ويسند إلى الدولة السعي نحو المناصفة، غير أن الاعتراف بالحق لا يجعل شروط استعماله متساوية تلقائيا. تكشف مذكرة المندوبية السامية للتخطيط بمناسبة اليوم العالمي للنساء لسنة 2026 أن الأمية تشمل 32.4% من المغربيات فوق سن العاشرة، وترتفع إلى 51.6% في الوسط القروي.

الفارق بين النسبتين يحول الجغرافيا من مجرد مكان للإقامة إلى عنصر في إنتاج التفاوت نفسه؛ فالمرأة لا تدخل علاقتها بالتعليم أو الإدارة من الموقع ذاته في مدينة كبرى وفي مجال قروي محدود الخدمات. وقدرة المرأة على الوصول إلى المدرسة والبقاء فيها ستنعكس لاحقا على قدرتها على العمل والتعامل مع المؤسسات، بما يجعل التفاوت المجالي جزءا من النقاش الحقوقي، لا ملفا تنمويا موازيا له.

ويظهر الاختلال بصورة أكثر حدة في المجال المهني. ففي الربع الثاني من 2026 بلغت مشاركة النساء في القوة العاملة 18.1% مقابل 66.5% لدى الرجال. هذا الفارق لا يصف سوق الشغل وحده، لأنه يتصل بدرجة الاستقلال الاقتصادي المتاحة للنساء، ومن ثم بمقدار ما يملكنه من قدرة فعلية على اتخاذ قرارات تخص حياتهن. المساواة أمام القانون تستطيع أن تمنح المرأة الحق نفسه، بينما يجعل الاعتماد الاقتصادي ممارسة ذلك الحق أكثر كلفة في بعض الحالات. ومن هنا لا يعود تشغيل النساء مسألة مرتبطة بالنمو وحده، إذ يمتد أثره إلى موقع المرأة داخل الأسرة وقدرتها على التفاوض والاستقلال.

في السياسة، تحرك المسار بوتيرة مختلفة. فقد جعل القانون التنظيمي 53.25 لوائح الدوائر الانتخابية الجهوية مكونة حصريا من النساء، مع الإبقاء على حقهن في الترشح في الدوائر المحلية. وتؤكد المعطيات الرسمية أن لوائح هذه الدوائر ضمت سنة 2021 مترشحات ومترشحين، قبل أن تصبح مخصصة للنساء في استحقاق 2026. وظيفة التمييز الإيجابي واضحة في تصحيح اختلال التمثيل، غير أن ضمان المقعد لا يحسم مسألة توزيع السلطة داخل الأحزاب: من يحدد الترشيحات القابلة للفوز؟ وما مقدار حضور النساء في المواقع التي تصنع القرار قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع؟

عدد المنتخبات يخبرنا بمن دخل المؤسسة، ولا يكفي وحده لمعرفة من يملك القدرة على توجيهها.

وصول فاطمة الزهرء المنصوري إلى رئاسة الحكومة ينقل امرأة من مجال التمثيل إلى موقع القرار التنفيذي، لكنه يضعها أيضا أمام عبء ملازم لفكرة «المرأة الأولى». فتعثر رئيس حكومة رجل يبقى عادة قابلا للقراءة داخل مساره الحزبي والسياسي، فيما تواجه المرأة الأولى احتمال أن تتحول تجربتها الفردية إلى امتحان رمزي لقدرة النساء عموما على الحكم. والمبالغة في الاحتفاء بالسابقة قد تنتج المشكلة نفسها من جهة أخرى، إذا حجبت مساءلة رئيسة الحكومة عن برنامجها وقراراتها.

القيمة السياسية للتعيين تظهر في الجمع بين الاعتراف بما تغير في صورة السلطة وإخضاع صاحبة المنصب للمعيار السياسي نفسه الذي يخضع له غيرها.

يبقى العنف من المواضع التي تختبر المسافة بين الحقوق المعلنة وشروط ممارستها. آخر بحث وطني واسع للمندوبية حول العنف ضد النساء، المنجز سنة 2019، سجل تعرض 57.1% منهن لشكل واحد على الأقل من العنف خلال السنة السابقة للبحث. عمر هذا الرقم يمنع استعماله وصفا مباشرا للمغرب في 2026، ويطرح في الوقت نفسه مشكلة تتعلق بالسياسة العامة نفسها: كيف يمكن قياس أثر القوانين والتدخلات من دون بيانات وطنية أحدث تسمح بالمقارنة؟ نقص المعرفة بالظاهرة لا يبقى مسألة تقنية عندما يتعلق الأمر بتحديد الأولويات وتوجيه الحماية.

ويضع العنف مسألة العدالة في قلب النقاش الحقوقي. في مارس 2026، أطلق المجلس الوطني لحقوق الإنسان «دينامية وطنية/جهوية» لتعزيز فعلية ولوج جميع النساء والفتيات إلى العدالة ومواصلة تشجيع التبليغ، بعد رصد عوائق بنيوية واجتماعية واقتصادية ومجالية تحد من القدرة على المطالبة بالحقوق ومواصلة المسار القضائي إلى غاية الإنصاف. وتعيد هذه المعطيات النقاش إلى فعالية القانون نفسه؛ فالحماية لا تقاس بالنصوص وحدها، وإنما بقدرة المرأة على الوصول إلى العدالة والاستمرار في مسارها من دون أن تتحول كلفة الشكوى أو الخوف من التبليغ إلى عائق إضافي.

تعيين أول رئيسة حكومة لا يسمح وحده بالحكم على وضع النساء في المغرب، كما أن استمرار الفوارق الاجتماعية لا يلغي دلالته السياسية. ما يكشفه الحدث هو أن مستويات التغيير لا تتحرك بالسرعة نفسها: يمكن للتمثيل السياسي أن يبلغ موقعا غير مسبوق فيما تبقى فرص التعليم والعمل والوصول إلى الحماية متفاوتة بين النساء أنفسهن. وتصبح المسألة التي تحاسب عليها المرحلة الجديدة قدرة السياسات العامة على تقليص هذه الفجوات، لا مقدار الرمزية التي يستطيع التعيين إنتاجها.

يظل عدد النساء في الحكومة مؤشرا محدودا إن بقي وحده. الأكثر دلالة هو ما إذا كانت السياسات قادرة على تقليص التفاوت المجالي والاجتماعي الذي يحدد فرص النساء في التعليم والعمل، وعلى جعل الحماية القانونية متاحة فعليا لمن تتعرض للعنف.

عند هذا المستوى، يصبح تعيين أول رئيسة حكومة سؤالا في طبيعة المساواة نفسها: هل يكفي أن يتسع حضور النساء داخل مؤسسات الدولة، إذا بقيت شروط الانتفاع بالحقوق متفاوتة خارجها؟

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *