جدل الفايد… من يملك سلطة المقدس؟
تبدو قضية الفايد مفيدة للتفكير خارج السؤال المباشر عن صحة تأويله أو خطئه. إنها تكشف قوة المقدس في المجتمع المغربي، وفي الوقت نفسه تكشف تعدد الجهات التي أصبحت تتحدث باسمه وتحدد ما تعتبره حدودا له.
وجود مؤسسات دينية رسمية ونصوص قانونية واضحة يجعل التحدي متعلقا بكيفية إبقاء الوظائف متمايزة؛ فالنقاش الديني يملك أدواته، والقانون يملك منطقه الخاص، أما الغضب الاجتماعي فله وزنه من دون أن يتحول تلقائيا إلى توصيف قانوني.

أعاد الجدل الذي أثارته تصريحات محمد الفايد حول معنى «أمية الرسول» سؤال المقدس إلى المجال العام المغربي، غير أن اللافت هذه المرة، لم يكن الخلاف حول التأويل في حد ذاته بقدر السرعة التي انتقل بها النقاش من تفسير عبارة دينية إلى أحكام تتصل بالإيمان، ثم إلى مطالبات بتدخل المؤسسات والقضاء.
بعض الردود وصل إلى التكفير الصريح، وظهرت دعوات إلى المساءلة القانونية، فيما دافعت أصوات أخرى عن إبقاء القضية داخل النقاش الديني والفكري، قبل أن يبدأ مواطن فعليا إجراءات تمهيدية لتقديم شكاية استنادا إلى الفصل 267-5 من القانون الجنائي. هذه المسارات المتوازية تجعل الواقعة أوسع من صاحب التصريح نفسه؛ فقد أصبح السؤال متعلقا بما يحدث في المجتمع عندما يمس الخلاف منطقة مقدسة، وباللحظة التي يتحول فيها الشعور بالإساءة إلى طلب للعقاب العمومي.
يمثل الدين في المغرب جزءا أصيلا من البناء الرمزي للمجتمع ومن هندسة الدولة في الوقت ذاته، وهو ما يمنح القضايا المتصلة به حساسية تختلف عن كثير من أشكال الجدل الأخرى. الدستور نفسه ينظم المجال الديني ضمن صيغة مؤسساتية واضحة؛ فالفصل 41 يجعل إمارة المؤمنين إطارا لحماية الملة والدين وضمان ممارسة الشؤون الدينية، ويجعل المجلس العلمي الأعلى الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى المعتمدة رسميا في المسائل التي تعرض عليه. هذه المركزية في تنظيم المرجعية الدينية ليست تفصيلا ثانويا عند قراءة ما وقع، لأنها تجعل انتشار أحكام عقدية حاسمة خارج المؤسسات المختصة ظاهرة تستحق النظر من زاوية السلطة الدينية نفسها: من يتكلم باسم المقدس في فضاء أصبحت فيه سلطة القول موزعة على آلاف المنابر؟
لقد غيرت المنصات الرقمية شكل هذا السؤال أكثر مما غيرت مكانة المقدس في المجتمع. الحكم الذي كان يحتاج سابقا إلى سياق علمي أو مجلس له شروطه يستطيع اليوم أن ينتقل في ساعات إلى دائرة واسعة، ثم تتولد حوله ردود لا تتبع بالضرورة الإيقاع الذي تعمل به المؤسسات. يصبح الخلاف الديني حدثا اجتماعيا قبل أن يجد الوقت الكافي كي يستقر بوصفه مسألة تفسير، ويصبح الضغط الناتج عنه قادرا على استدعاء القانون بسرعة. ليست المسألة هنا مرتبطة بطبيعة الوسائط وحدها؛ إنها تتصل بتحول أوسع في توزيع الشرعية داخل المجال العام، حيث يستطيع الفرد أن يمنح قوله مدى يفوق أحيانا مدى المؤسسة التي يفترض أنها صاحبة الاختصاص.
تظهر أهمية التمييز عند هذه النقطة. الحكم على قول ما من داخل العقيدة ينتمي إلى مجال مختلف عن التكييف الذي يمنحه له القانون، وبين الاثنين مساحة يفترض أن تمنع انتقال الانفعال الاجتماعي مباشرة إلى العقوبة. الفصل 25 من الدستور يكفل حرية الفكر والرأي والتعبير، في حين يجرم الفصل 267-5 من القانون الجنائي «الإساءة إلى الدين الإسلامي»، ويرفع العقوبة إذا تحققت العلنية عبر الوسائل الإلكترونية وغيرها. وجود النصين داخل المنظومة القانونية نفسها يكشف أن المسألة لا تعالج بمنطق إطلاق الحرية أو إطلاق المنع، وإنما عبر تقدير قانوني لما يشكل إساءة بالمعنى الذي يرتب المسؤولية الجنائية. انطباق هذا الوصف على واقعة محددة يظل من اختصاص الجهات القضائية، بعد النظر في القول وسياقه وما يرتبط به من عناصر قانونية.
هذه المسافة هي التي تبدو معرضة للاختصار كلما ارتفع صوت المطالبة بتدخل الدولة في نزاع ديني. فالدولة لا تدخل إلى المجال العام بالصفة نفسها التي يدخل بها فقيه أو واعظ يشعر أن معتقده تعرض للمساس؛ إنها تدخل بقوة القانون وما يترتب عنها من آثار على الحرية والمسؤولية. لذلك يحمل طلب تدخلها معنى أبعد من الرغبة في الرد على رأي مثير للاعتراض، لأنه ينقل الخلاف إلى مستوى تصبح فيه المؤسسة مطالبة برسم الحد بين ما يحتمله المجال الديني من اختلاف وبين ما يخرج منه إلى دائرة التجريم.
المغرب يعرف هذه الحساسية بصورة خاصة نتيجة الطريقة التي انتظم بها الحقل الديني خلال العقود الأخيرة، حيث جرى الاستثمار في توحيد المرجعية وتقوية المجالس العلمية وتنظيم الفتوى بما يقلل من تنازع الشرعيات. لهذا تثير موجات التكفير المتبادلة سؤالا يتصل بهذا البناء نفسه؛ فهي تعيد إنتاج سلطة دينية موازية لا تحتاج إلى تكليف مؤسساتي حتى تصدر أحكاما شديدة الأثر في السمعة والمكانة الاجتماعية للفرد. ومع انتقال الحكم من وصف الفكرة إلى وصف صاحبها، تتغير طبيعة النقاش، لأن المجتمع لم يعد أمام خلاف حول معنى كلمة أو قراءة نص، وإنما أمام تصنيف ديني للشخص قد تتجاوز نتائجه حدود النقاش الذي بدأ منه.
في المقابل، فإن استحضار حرية التعبير بصورتها المجردة لا يحسم القضية أيضا. المجتمعات تصنع حدودها الرمزية داخل تاريخ طويل، والمقدس في المغرب يحمل قيمة اجتماعية لا تستمد وجودها من النص الجنائي. شعور نسبة من الناس بالمساس به واقعة اجتماعية ينبغي فهمها بجدية، مثلما ينبغي فهم القلق من توسع المطالبة بالعقاب كلما ظهر تأويل ديني مخالف أو تعبير أثار استياء واسعا. بين الحساسيتين تتشكل المساحة التي يعمل فيها القانون، وهي مساحة تحتاج بطبيعتها إلى قدر من البرودة يصعب توفيره داخل سجال سريع على المنصات.
ويكشف الجدل أيضا مفارقة أخرى في علاقة المجتمع بالمؤسسات الدينية. ففي اللحظات العادية قد تبدو المرجعية الرسمية بعيدة عن النقاش اليومي الذي يجري عبر الشبكات، ثم يعود الطلب عليها بقوة عندما يتجاوز الخلاف حدود الاحتمال لدى جزء من المجتمع. يصبح المجلس العلمي أو القضاء مطلوبا لحسم أزمة بدأت خارج المجال المؤسساتي، وهو ما يعني أن الدولة تجد نفسها أمام توقع اجتماعي مزدوج: أن تضمن قدرا من الحرية في تداول الأفكار، وأن تتدخل متى شعر الناس بأن المقدس تعرض لما يتجاوز المقبول. تحديد المسافة بين هذين الانتظارين واحد من أكثر الأسئلة حساسية في أي مجتمع يحتفظ فيه الدين بموقع مركزي داخل هويته العامة.
لهذا تبدو قضية الفايد مفيدة للتفكير خارج السؤال المباشر عن صحة تأويله أو خطئه. إنها تكشف قوة المقدس في المجتمع المغربي، وفي الوقت نفسه تكشف تعدد الجهات التي أصبحت تتحدث باسمه وتحدد ما تعتبره حدودا له. وجود مؤسسات دينية رسمية ونصوص قانونية واضحة يجعل التحدي متعلقا بكيفية إبقاء الوظائف متمايزة؛ فالنقاش الديني يملك أدواته، والقانون يملك منطقه الخاص، أما الغضب الاجتماعي فله وزنه من دون أن يتحول تلقائيا إلى توصيف قانوني.
ما أثارته الواقعة، بهذا المعنى، أعمق من مصير تدوينة أو صاحبها. السؤال الذي سيبقى بعدها يتعلق بنوع العلاقة التي يريد المجتمع المغربي إقامتها بين إيمانه وبين مؤسساته في زمن أصبح فيه أي خلاف حول المقدس قادرا على الانتقال خلال ساعات من شاشة صغيرة إلى مطالبة الدولة بأن تقول كلمتها. وربما تكمن حساسية المسألة كلها في تلك اللحظة تحديدا؛ اللحظة التي يغادر فيها الخلاف الديني فضاء التأويل، ويصبح المجتمع في انتظار القانون كي يحدد له أين انتهى الاختلاف وأين بدأت الإساءة.



