×
×

هيمنة التاريخ على الإنسان

المشكلة في التاريخ أن الأجيال اللاحقة تدفع ثمن أخطاء أجدادها. أن يكون الإنسان ضحيةَ تاريخٍ لم يشهده أبدا، وأن يكون مضطرا لتسديد تبِعاتِ قرارٍ لم يشارك في توقيعه، تلك مأساة البشر.
وهي حقيقة يمكن سحبها على كل فترة من فترات التاريخ.

ثمة نقاش محتدم في فرنسا هذه الأيام حول قضية إيواء سفينة فايكينغ التي تحمل على متنها 234 مهاجرا غير شرعيين (حراكة)، والتي علقت في البحر أكثر من ثلاث أسابيع تبحث عن مرسى، بعد رفض حكومة إيطاليا أن ترسي السفينة على حدودها البحرية بدعوى أنها لا تستطيع إيواءهم إطلاقا.

هذا الأمر عمق الأزمة الصامتة بين روما وقصر الإليزي. حين نتأمل وضع فرنسا وعلاقتها بمواضيع كبرى راهنة، تبدو كأنها الأمة التي لا تعرف الاستقرار السياسي أبدا، وهو السؤال الذي كان يسكن السوسيولوجي سين سيمون حتى قال: “لماذا فرنسا لم تعرف يوما الهدوء؟ هي دائما في ثورات؟”. لكنها أيضا تنوء بتبعات قراراتٍ اتخِذت قبل أكثر من قرنين من طرف بعض قادتها السياسيين. قرارات يدفع ثمنها شعبُها اليوم باهظا، مع قضية المهاجرين القادمين من دول البحر المتوسط: الجزائر، تونس، المغرب، إضافة إلى دول الساحل وجنوب إفريقيا.

هناك أزمة هوياتية واجتماعية واقتصادية يعيشها الفرنسيون جراء ذلك، كما هو الحال في أغلب دول أوروبا اليوم التي ترى بأن الهجرة هي لعنة القرن الفظيعة عليهم، الشيء الذي جعل أحزاب اليمين المتطرف والقومية المحافظة في الغرب، تكسب الرهان أمام الأحزاب اليسارية والديمقراطية. لكن نصيب فرنسا كان أكبر وأكثر تراجيدية، فهي مرغمة على تحمل هذه المشاكل لأسباب ثقافية (كونها الدولة التي علّمت العالم مبادئ العلمانية وحقوق الإنسان)؛ وأيضا لأسباب سياسية لأنها في مرحلةِ تسديد ديون أخطاء الاستعمار، بصفتها المستعمرة القديمة لهاته البلدان الإفريقية. لذلك، آوت سفينة فايكينغ واستقبلت المهاجرين وتقوم الآن بعلاج الناجين مثلما تعاملت مع دُفعات كثيرة سابقا. هذا برغم انتقاد اليمين المتطرف اللاذع للحكومة وعدم اتفاق معظم مكونات الشعب مع هذه القرارات التي يراها غير مسؤولة ومتهورة في ظل هذه الأزمة العالمية المهيبة.

المشكلة في التاريخ أن الأجيال اللاحقة تدفع ثمن أخطاء أجدادها. أن يكون الإنسان ضحيةَ تاريخٍ لم يشهده أبدا، وأن يكون مضطرا لتسديد تبِعاتِ قرارٍ لم يشارك في توقيعه، تلك مأساة البشر. وهي حقيقة يمكن سحبها على كل فترة من فترات التاريخ. مثلا، في السنيغال، الرئيس الأول للبلاد، ولأسباب سياسية تمكنه من الفوز في الانتخابات الرئاسية، قرر التخلي عن منطقة ضمن حدود بلاده، لصالح موريتانيا. الأخيرة أصبحت منقسمة بين (روصو سنيغال وروصو موريتانيا، وفوتا سنيغال وفوتا موريتانيا)، بينما تقطنهما قبيلة تتكلم لهجة واحدة لكن فرقت بين أفرادها الدولتان، وهي تعاني في ذلك الويلات!

نفس الشيء يمكن سحبه على تاريخ المغرب، مع قرار الملك محمد الخامس مثلا، في رفضه لاسترجاع أراضيه الشرقية من الاستعمار حتى تتحرر الجزائر بالكامل، لأنه كان مؤيدا للثورة الجزائرية بالروح والسلاح. لكن التكلفة أصبحت باهظة فيما بعد، حيث إن المغرب خسر أراضيه المقتسَمَة بين جيرانه الأقربين، بعد رحيل المستعمر!

لعل الفرنسيين، لو علموا مسبقا بأن استعمار أراضٍ أجنبية، ستجلب لهم هذا المصير الحالك وهذه المشاكل الاقتصادية والثقافية والأمنية، ما كانوا ليقدموا على شيء اسمه الاستعمار أو “اكتشاف العالم الآخر” مثلما كان يتغنى به الأديب فيكتور هيجو، أو لويس فيديرب، وزويل فيري في الجمهورية الثالثة! ومن دون شك، لو أن قادة المغرب عرفوا (ولو رجما بالغيب) ما سيحدث فيما بعد، لما دخلوا في صفقة ثورية كتلك، ولما اتبعوا نواياهم الحسنة في تحرير بلاد أهلها لم يوفوا بكلمتهم، وما ردّوا الجميل جميلا؛ ولتصرف قادة المغرب حينها بحنكة سياسية أكثر واقعية وبراغماتية!

كلها أخطاء سياسية ارتكبها غائبون، هم تحت الأرض اليوم، وتدفع ثمنها الأجيال اللاحقة والحاضرة.

يقول الفيلسوف الفرنسي لوك فيري متحدثا من خبرته السياسية كوزير سابق: “في السياسة، ليس هناك الخير والشر، أي ليس هناك حل جيد وحل سيء، قرار صائب وقرار سيء. بل هناك حلول كلها سيئة فحسب، وكلما يمكن فعله هو اختيار الأقل سوءا أو الأسوء”!

من هنا يمكننا أن نفهم زهدَ الفلاسفة في السياسة وضياع حلم أفلاطون العتيق في وجود حاكم فيلسوف كي ينصلح شأن البلاد؛ إذ، كيف لعاقلٍ لديه ضمير حي، أن يقدُم على ارتكاب خطأ أو هفوات فادحة تدوم مدى التاريخ ويكون ضحاياها أناس أبرياء مدى الزمن؟!!

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *