×
×

محمد علي لعموري يكتب: اعتراف اللحظة الأخيرة

كانت جرأة من عزيز أن يبوح بهذا السر لأهله، فهو لم يكن متأكدا أن زوجته وابنيه قد يستوعبان ما سيضعه من حمل ثقيل، كان جاثما على قلبه لسنوات طويلة، بعدد سنوات زواجه.
سر يمتد لما قبل الزواج، وها هو يخرجه كحقيقة عيشت أو عاش بها في السر، وما زالت تسكن عقله وتستبد بشخصيته.

جمع أهله ذات ليلة، بعد أن أقعده المرض لمدة ليست بالطويلة، ولم تعد رجلاه تطاوعانه على النهوض، فقد تمكن المرض اللعين منه حتى سلبه وزنه الطبيعي وحرمه شهية استطعام الحياة. فالسقم إذا طال في الجسد انهارت معه النفس نحو الحضيض.

… وها هو الليلة يستجمع قوى شجاعته؛ بعد أن تحلق ولداه وزوجته من حوله، يريدان سماع كلماته قبل الرحيل، فلا شيء يبقى بعد الموت سوى الذكريات الجميلة والتضحيات، وما استقر في نفس الأحبة تجاه الراحل من جميل المواقف التي لا تنسى.

عاد برأسه إلى الوراء، بعد اعتدال جلسته ما بين التمدد والجلوس، وقد وضعت له وسادة لينة وراء رقبته ورأسه ليحس بالراحة، كي يكون في وضع يسمح له بالحديث مع أفراد أسرته بكل أريحية.

عاطف، كان سندا لزوجها ولم يتخلف يوما عن اعتبار نفسه فردا من الأسرة، إلا حين تردت صحته وتراجعت، ليدخل المستشفى فاقدا الوعي ولم يستفق. بقي أسبوعا تحت العناية المركزة، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يلهج باسم عزيز.

تطلع إلى زوجته، نظر إليها بعين الرضا الممزوج بلمسة حزن باهتة يغلب عليها العطف والحب، بعد معاشرة دامت لسنوات… ربت على يدها، قبلت يده كما تفعل “النساء الصالحات”، فرضي عنها ورضي عن ولديه، ثم التفت إلى مراد يسأله: “هل قدمت طلبك للشركة إياها؟ وهل ذهبت لمقابلة المسؤول عن الاختبار الشفوي؟”. رد عليه الابن: “أجل وقد تم قبولي وكل هذا بفضل دعواتك لي وأنت في المستشفى…”.

فرح الأب وتنفس الصعداء، ثم حمد الله وجدد رضاه عن ولده. ثم تحركت عيناه نحو “نجاة”، ابنته الصغرى، وقال لها: “مبروك عليك النجاح وحصولك على شهادة الباكالوريا”، قالها بابتسامة نزلت معها دمعة خفيفة من عينه اليسرى، ثم التفت إلى زوجته يقول لها: “ما شاء الله، ابنتنا كبرت وحصلت على شهادة الباكالوريا، لقد ربيت يا فاطمة ابنتك وولدك فأحسنت التربية، أنا فخور بك لأنك كنت طوال هذه السنين، نعم الأم ونعم الزوجة”. حينها فاضت دموع فاطمة بعد أن طأطأت رأسها، فشكرته وذكرته بدوره كأب حضن أفراد أسرته وكافح من أجل تربية الأبناء. وأنها ما كانت لتستطيع القيام بما قامت به… لولا وجوده ودعمه.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: علي أكوباش، امرأة بجسد رجل…

ربت على كتفها، ثم سعل سعلة غير عادية، ومسح فمه بمنشف ورقي يحمله في يده، ثم طلب منهم مساعدته على الجلوس وتعديل الوسادة وراء ظهره، حسب الوضعية التي تسمح له باستجماع القوى… وكأنه مقبل على فعل شيء يحتاج لطاقة أكبر.

لما جلس… ذكرهم بمرضه وأنه يقترب من الموت، وأنه لم يعد يخشى شيئا بعد أن أتم رسالته، وسيترك لزوجته ابنة صالحة وابنا بارا… ومعاشا مريحا ومنزلا ورصيدا في البنك وأرضا ذات مساحة كبيرة بالبادية…

بكت نجاة بحرقة بعد أن ارتمت فوق ركبته، فطبطب على صدرها وتلمس شعرها وطمأنها بأنه… لن يموت اليوم، وأن الموت حق، فقد يموت السليم ذو القوة على المريض ذي الضعف، وأنه لن يعترض على مشيئة الله.

حينها فقط، تذكر أن لحظة الكشف عن سر خبأه على زوجته وأولاده، قد حانت.

سر… عاشه وحمله معه سنوات، يعيش به بعيدا عن أعين الأهل والأقارب خشية الملامة وسوء التقدير.

كانت جرأة من عزيز أن يبوح بهذا السر لأهله، فهو لم يكن متأكدا أن زوجته وابنيه قد يستوعبان ما سيضعه من حمل ثقيل، كان جاثما على قلبه لسنوات طويلة، بعدد سنوات زواجه.

سر يمتد لما قبل الزواج، وها هو يخرجه كحقيقة عيشت أو عاش بها في السر، وما زالت تسكن عقله وتستبد بشخصيته.

دافعه لكشف هذه الحقيقة، هو إبراء الذمة وإيصال رسالة، وتخفيف العبء حتى لا يبقى في نفسه شيء من حتى.

سأل زوجته: “أنت بلا شك تذكرين عاطف، الذي كان قيد حياته صديقي المقرب والحميم، وعشنا معا لسنوات قبل أن أعرفك وأرتبط بك؟”

كان جواب فاطمة بالإيجاب، وقد أبدت استغرابها من تذكره في هذه اللحظة بعد وفاته بخمس سنوات !

تابع عزيز حديثه عن عاطف معددا مزاياه: طيبوبته، سخاءه، رومانسيته، حبه له، مواقفه الإنسانية والبطولية معه، حسرته على رحيله بنفس المرض الذي أقعده اليوم طريح الفراش…

تحدث عزيز عن صديقه عاطف، أكثر مما تحدث عنه من ذي قبل.

من جهتها، عددت زوجته فاطمة خصاله الحميدة وكرمه ووقوفه إلى جانب العائلة في أصعب المواقف وأتعس اللحظات، فعاطف كان سندا لزوجها ولم يتخلف يوما عن اعتبار نفسه فردا من الأسرة، إلا حين تردت صحته وتراجعت، ليدخل المستشفى فاقدا الوعي ولم يستفق. بقي أسبوعا تحت العناية المركزة، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يلهج باسم عزيز.

… في العديد من المرات، أشد ما كان يغيظها، هو ميل زوجها لإرضاء صديقه الوحيد، في الوقت الذي كان يتوجب عليه الوقوف في صف زوجته… لكنه لم يفعل، لأنه كان يدرك غيرتها منه عليه.

في تلك اللحظة… بكى عزيز بكاء حارا وقال: إنني ذاهب إليه لأعانقه في الحياة الأخرى، وليته يكون في انتظاري متلهفا مثلي للقاء.

قال عزيز مسترسلا في حديثه، بأن ما جمع بينه وبين عاطف كان حبا حقيقيا، ربما لم تعترف به الأعراف الاجتماعية، لكنه عيش بينهما كمحفز لهما على تذوق طعم الحياة ومعناها، ولولاه ما كان ليستطيع مواصلة مسيرة الزواج حتى نهايتها.

نظرت فاطمة إلى زوجها باستغراب. كيف يمكن لصديق حميم، أن يكون محفزا للزوج على الاستمرار في الزواج طيلة ما يربو عن العشرين سنة! وهي التي؛ رغم أخلاقه العالية وطيبوبته؛ كانت تغار منه… فقط لأنه كان ينافسها على زوجها.

… في العديد من المرات، أشد ما كان يغيظها، هو ميل زوجها لإرضاء صديقه الوحيد، في الوقت الذي كان يتوجب عليه الوقوف في صف زوجته… لكنه لم يفعل، لأنه كان يدرك غيرتها منه عليه.

توجه عزيز إلى فاطمة بسؤال: هل كنت تغارين من عاطف في البدايات قبل أن تلدي مراد؟

صمتت قليلا، وصرحت بأنها كانت صغيرة جدا حينها… أنها لم تكن ناضجة لتدرك قيمة صداقة جمعت بينهما إلا بعد سنوات.

اقرأ أيضا: عمليات تغيير الجنس: حدث سنة 1972… أديب، عسكري، صحافي وأب لـ 5 أبناء، يغادر الدار البيضاء أنثى (الجزء السادس)

كان الابنان، مراد ونجاة، يترقبان المزيد من تفاصيل البوح من طرف الوالد، الذي لم تعد تقاسيم وجهه حزينة، بل انشرحت أساريره بعد تذكر الماضي الذي كان يجمعه بصديقه عاطف.

حينها…طلبت الأم من ابنيها مغادرة الغرفة، لأنها تود سؤاله في أمر محرج. هم مراد بالوقوف، ولم تقم نجاة، فعاودت الأم طلبها مؤكدة على نجاة أن تغادر.

فهم الأب في تلك اللحظة، أن سؤالها يهدف إلى تأكيد ما كان عبارة عن شكوك وافتراضات.

بعد خروج مراد والتحاق نجاة به، التفت نحو فاطمة يسألها إن كانت تعلم بعلاقاته الجنسية مع صديقه عاطف؟

… قالت له: “نعم، لكني لم أكن متأكدة حتى جاء اليوم الذي وجدته مستلقيا على ظهره فوق السرير الذي يجمعنا معا داخل غرفة النوم”.

كانت تلك… المرة الوحيدة التي وجدت فاطمة زوجها عزيز مع صديقه عاطف في وضعية مريبة، بسبب دخول عزيز إلى الحمام للاغتسال، واستلقاء عاطف فوق سرير الزوجية.

… باح لها عزيز بميولاته الجنسية المثلية منذ الطفولة.

أخبرها أن… زواجه بها، جاء بناء على وصية الوالدين، حتى يتسنى له تكوين أسرة والعيش في كنفها، باعتبار ذلك سنة الحياة.

سألته زوجته إن كان يحبها، فباح لها بأنه كان يحب عاطف حبا شديدا، وحين تزوج منها، لم يكن يحب سوى صديقه، ثم… حين أنجبت له مراد ونجاة، أصبح يحب عاطف وولديه، ومع مرور الوقت… أحب زوجته، وعرف أن الحب الذي يأتي مع الألفة موجود وحقيقي، وأن الحب الأول لا يموت، وأن حب الأولاد عوضه عن فراق الحب الأول…

في تلك الأثناء، شعر عزيز بعرق كثير يتصبب منه، وأحس بأنه لم يعد يقوى على مواصلة الجلوس، فنادت فاطمة على ابنيها ليدخلا ويساعداها على جعل أبيهما يتمدد، فقد أحس بانهيار شديد لقواه… ولعله كان يلفظ أنفاسه الأخيرة.

استلقى رب الأسرة عزيز، وتثاقل لسانه فجأة، ثم همهم بكلام غير مفهوم…

قال إنه يرى صديقه الحميم عاطف يقترب منه، وقد لبس ثوبا أبيضا ويعتمر قبعة خضراء ويحمل في يده إكليلا من الزهور يريد إهداءه له… قال إنه يرى أن فضاء الغرفة مكسو بألوان الطيف.

أمسكت فاطمة بيده وجعلته يقول كلمته الأخيرة:

وداعا أبنائي، وداعا زوجتي، وداعا بيتي، وداعا أيتها الحياة القاسية… وأهلا بك يا عاطف. جئت تأخذني إلى جوارك يا حبيبي… لقد كنت دوما أعيش من أجلك، وعشت وفيا مخلصا لصداقتنا وحبنا… وها أنت قد جئت لتحملني بعيدا عن هذا المكان الذي تملأ أرجاءه رائحة المرض…”.

فاضت روحه، وعلى محياه ابتسامة عريضة بانت لها أسنانه الصفراء التي عبثت بها سوسة الزمان.

تعليقات

  1. حسن خليل

    نص جريء ومختلف وسرد أجمل. كم هي بائسة حياة المثليين بسبب الأعراف ةالقوانين المُجحفة. في الواقع بكل تأكيد قصص شبيهة لكن نادرا ما تنتهي باعتراف ساعة الاحتضار.
    يسلم قلمك أستاذ عموري ومزيدا من التألق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *